بعد أن اختفت جيني في ظلام القصر، بقي بابلو وحده على الشرفة لبعض الوقت. كان يفكر. كان يرتب خططه النهائية. ثم سمع خطوات خلفه.
التفت. كان دارين واقفاً عند باب الشرفة، يحمل حقيبة جلدية كبيرة.
"سيدي." قال دارين بصوت منخفض. "أحضرت ما طلبته."
أشار بابلو له بالدخول. تقدم دارين ووضع الحقيبة على الأرض بجانب بابلو. ثم فتحها ليُري محتوياتها.
كانت الحقيبة مليئة بالأغراض:
بوصلات عادية، عدة منها، بعضها صغير وبعضها أكبر. كانت مصنوعة بدقة، إبرها الرفيعة تشير إلى الشمال بثبات. هذه البوصلات كانت كافية للملاحة في الأزرق الجنوبي.
بوصلات أبدية (Log Poses) محكمة الإغلاق في صناديق صغيرة من الزجاج. كان داخلها كرات زجاجية تتوسطها إبر متحركة. دارين تمكن من الحصول عليها من تجار كانوا يسافرون إلى الغراند لاين. بعضها كان مثبتاً على جزر معينة، وبعضها كان لا يزال بحاجة إلى التثبيت.
خريطة كبيرة مطوية بعناية، مرسومة على جلد سميك. كانت خريطة الأزرق الجنوبي والجزء الجنوبي من الغراند لاين. اشتراها دارين من تاجر خرائط عجوز في سوربيت. كانت ثمينة لكنها تستحق كل بيلي.
ملابس خفيفة ومقاومة للماء. قمصان داكنة، سروال متين، جوارب صوفية، وسترة سميكة. كلها مطوية بدقة.
وجبات خفيفة: لحم مجفف، خبز يابس لكنه صالح لأيام، مكسرات، وزجاجات ماء. كانت كافية لأكثر من أسبوعين.
أغلق دارين الحقيبة وشد الأحزمة الجلدية.
"سيدي، هل أنت متأكد أنك لا تريد مني أن أجهز سفينة لك؟"
نظر إليه بابلو. كان يعرف أن دارين يتحدث بحب. يريد مساعدته بأي طريقة.
"لا."
"لكن الرحلة ستكون طويلة. البحر ليس آمناً. السفينة ستوفر لك مأوى وموطئ قدم—"
"دارين." قاطع بابلو صوته، لكنه لم يكن قاسياً. "لن أحتاج إلى سفينة."
نظر دارين إليه بعيون لا تفهم. كان يريد أن يسأل "كيف؟" لكنه لم يفعل. كان يعرف أن بابلو لا يقول شيئاً بدون سبب.
"حسناً سيدي." قال أخيراً. "إذا احتجت أي شيء، فقط اتصل."
"سأفعل. الآن، اذهب."
أومأ دارين. انحنى قليلاً. ثم أدار ظهره ومشى نحو باب الشرفة. توقف للحظة، نظر إلى بابلو للمرة الأخيرة، ثم اختفى في ظلام الممر.
بقي بابلو وحده مجدداً.
نظر إلى الحقيبة عند قدميه. كانت تحتوي على كل ما يحتاجه للأيام القادمة.
ثم نظر إلى السماء. النجوم كانت كثيرة، والقمر كان هلالاً رفيعاً.
وضع يده على حافة الشرفة الحجرية. ثم قفز.
لم يقفز إلى الداخل. قفز إلى الخارج. إلى الفراغ.
البرج كان مرتفعاً. الهواء كان بارداً. الغرفة تحته. الحديقة تحتها. الأرض تحته.
بدأ يهبط.
فقط قبل أن يلامس الأرض بأمتار قليلة، تحرك الهواء من حوله.
الغيوم التي كانت بعيدة في السماء تجمعت فجأة. ليس ببطء. بسرعة. وكأنها سمعت نداءه.
تكونت سحابة كثيفة، ضخمة، أبعادها ثلاثة في ثلاثة أمتار تقريباً. كانت داكنة اللون، رمادية غامقة تكاد تصل إلى السواد. لم تكن غيمة عادية. كانت كثيفة جداً، مشبعة بالماء، مضغوطة بقدرة بابلو حتى أصبحت أشبه بإسفنجة صلبة.
هبط بابلو عليها برشاقة. تمايلت السحابة قليلاً تحت وزنه. لكنها ثبتت. صمدت.
وقف على السحابة كما لو كان يقف على أرض صلبة. كانت باردة تحت قدميه، ورطبة قليلاً. لكنها كانت ثابتة.
"جميلة." قال لنفسه.
ثم رفع يده. أشار.
انطلقت السحابة به.
لم تكن سريعة جداً. لكنها كانت تتحرك بثبات. ارتفعت به بعيداً عن القصر. عن سوربيت. عن المنطقة التي بناها وأحبها.
لم يلتفت إلى الوراء. نظر إلى الأمام فقط.
---
على ارتفاع عالٍ، بين الغيوم والنجوم، جلس بابلو على سحبته. أخرج الحقيبة وفتحها. أخرج البوصلات أولاً. فحصها واحدة تلو الأخرى. كانت تعمل.
ثم أخرج الخريطة.
مدها أمامه. كانت كبيرة، مرسومة بدقة عالية. أظهرت الأزرق الجنوبي بأكمله، والجزء الجنوبي من الغراند لاين. كان على الخريطة حدود تقريبية للمنطقة التي يسيطر عليها وحوش البحر في الحزام الهادئ.
نظر إلى الخريطة. كانت رحلته واضحة الآن.
سيبحر عبر الأزرق الجنوبي أولاً، مبتعداً عن جزر ومنطقته باتجاه الجنوب الشرقي. سيعبر عدة جزر بعضها كان معروفاً لدى الصيادين والتجار. وبعضها دول كبيرة لن يتوقف في كل جزيرة.
ثم بعد ذلك، سيصل إلى الحزام الهادئ.
فكر في الحزام الهادئ كما يعرفه من عالمه السابق. شريط من البحر لا رياح فيه، لا تيارات، لا أمواج. السفن لا تستطيع الإبحار فيه. والوحوش البحرية العملاقة تعيش هناك بأعداد كبيرة. لا يجرؤ أحد على الابحار فيه.
لكن بابلو لن يبحر.
سيطير.
ابتسم. الحزام الهادئ كان مشكلة للبحارة، لكنه لم يكن مشكلة لرجل يطير على سحابة. ملوك البحر العملاقة ستكون بعيدة عنه وغياب الرياح ليس مشكلة فهو الطقس بنفسه.
ثم نظر مجدداً إلى الخريطة . بدأ يخطط لمساره.
سيمر عدة جزر صغيرة غير مهمة.
لكن بعد هذه الجزر، سيصل إلى منطقة مختلفة.
كانت هناك جزيرة معروفة بحجمها وتجارتها ويسكنها مئات آلاف الناس.
كان اسمها جزيرة فيرتوس.
اشتهرت فيرتوس بشيء واحد: فرع كبير للبحرية.
كان فرع البحرية في فيرتوس من أكبر فروع الأزرق الجنوبي. كان يؤوي مئات الجنود، وعشرات السفن الحربية، وضباطاً أقوياء. كان يسيطر على طرق التجارة في تلك المنطقة، ويحمي السفن من القراصنة، ويراقب كل من يقترب من الحزام الهادئ.
لقد قرر بابلو أن فيرتوس هي الجزيرة التي سيتوقف فيها تاليا.
وضع إصبعه على الخريطة حيث كانت فيرتوس. ثم حركه إلى الحزام الهادئ، ثم إلى الغراند لاين.
كانت الرحلة من سوربيت إلى فيرتوس طويلة. حوالي أحد عشر يوماً من الإبحار لكنه يطير لا يعلم كم سيحتاج. فهو سيتوقف للراحة والأكل والشرب والنوم عكس السفن التي لا تتوقف.
لكن الوقت لم يكن مشكلة.
وضع الخريطة في الحقيبة. شد أحزمة الحقيبة على ظهره. وقف على السحابة.
نظر إلى الأمام. إلى الأفق المظلم حيث ستشرق الشمس قريباً.
"فيرتوس." قال بصوت منخفض. "سأراك قريباً."
ثم أشار. تحركت السحابة به. انطلقت نحو الجنوب الشرقي، نحو بداية مغامرته الحقيقية.
لم يلتفت إلى الوراء.
كان يعلم أن العائلة ستدير نفسها.
وكان يعلم أنه سيعود.
لكن الآن، حان وقت الذهاب.
أشرقت الشمس خلفه، مطلية السماء بألوان الذهب والبرتقالي. كان بابلو يتجه نحو الضوء، نحو التحدي الجديد، نحو القوة التي سيحصل عليها.
السحابة انطلقت به أسرع قليلاً. الرياح كانت تعوي من حوله، لكنها لم تؤذه. كان يتحكم بها. كان سيدها.
اختفى في الأفق البعيد.
بدأت رحلته.