انتهى بابلو من حمامه الفاخر في قصر سوربيت.
كان الماء لا يزال يصب من جسمه المتناسق. البخار يتصاعد من حوض الرخام الأبيض الكبير. رائحة الصابون العطري تملأ الغرفة. أضاءت الشموع الجدران الحجرية بضوء دافئ.
وقف. مشى نحو المرآة الكبيرة المصنوعة من الفضة المصقولة.
نظر إلى نفسه.
رآه.
شاب في السادسة عشر من عمره. طوله متر وثمانية وتسعون سنتيمتراً. جسده لم يعد كما كان قبل سنتين. كتفاه عريضتان، عضلات صدره محددة بوضوح، وبطنه المسطح تحته خطوط عضلية متناسقة. ذراعاه ممتلئتان، وعضلات ساقيه قوية كأعمدة حجرية. وجهه تغير أيضاً. أصبحت ملامحه أكثر حدة، فكه أقوى، وعيناه السوداوان أعمق وأكثر هدوءاً.
كان وسيماً. لا يمكن إنكار ذلك.
نظر إلى أسفل. عضوه كان كبيراً، متناسباً مع حجم جسده القوي. لم يكن خجلاً من ذلك. كانت هذه حقيقة.
رفع عينيه مجدداً إلى المرآة.
تذكر نفسه قبل سنتين. طفل نحيف في الرابعة عشر، خائف، ضائع، لا يملك شيئاً. كان ينام في غرفة بين الأشجار في فيرونا، يأكل السمك المجفف.
الآن، تغير كل شيء.
أصبح قوياً. ليس فقط بجسده. بقدراته. بفاكهة الشيطان التي أتقنها بعد أشهر من التدريب. بذكائه. بخططه.
ولم يعد وحيداً.
كان لديه رفاق أقوياء. ماركو، بقبضاته التي تحطم كل شيء. شيغو، بسيفه القاتل. كوما، بقدرته الخارقة.
ارتدى ملابسه. سروال أسود ضيق، قميص أبيض نظيف، وسترة سوداء خفيفة.
خرج من الحمام.
---
بعد الانتهاء من حمامه جمع بابلو رفاقه في قاعة الاجتماعات الكبرى في القصر.
قاعة واسعة، جدرانها مغطاة بستائر حريرية حمراء، وأرضيتها من الرخام الأبيض المصقول. طاولة خشبية ضخمة في الوسط، كراس جلدية حولها. على الجدار، كانت خريطة الأزرق الجنوبي معلقة.
كان الحاضرون:
ماركو، جالس على كرسي ضخم مناسب لحجمه. ذراعاه المتعضلتان ممدودتان على الطاولة. عيناه الحادتان تنتظران.
شيغو، جالس بهدوء، وجهه الحجري لا يعبر عن شيء. سيفه الطويل مستند على كتفه.
كوما، جالس على كرسي خاص صُمم لحجمه الضخم. كان جسده العملاق يملأ المكان. يداه الكبيرتان مستقرتان على الطاولة. عيناه الغائرتان تنظران إلى بابلو.
دارين، واقف بالقرب من الباب. كان يرتدي بدلة أنيقة، ووجهه يعبر عن الاستعداد.
جيني، جالسة إلى جانب بابلو. كانت ترتدي بلوزة سوداء ضيقة تبرز صدرها الممتلئ، وتنورة طويلة سوداء. شعرها الوردي كان منسدلاً على كتفيها. عيناها الكهرمانيتان كانتا مثبتتين على بابلو.
كلهم كانوا هناك. باستثناء آرثر في ناراكا، وإيدو في جزيرة الميناء الأخيرة.
جلس بابلو على رأس الطاولة. نظر في وجوههم واحداً واحداً.
"سأغادر."
صمت للحظة. ثم تابع:
"إلى البحر. إلى الغراند لاين."
ماركو تجمد. نظراته تغيرت. "ماذا؟"
جيني وضعت يديها على الطاولة. عيناها اتسعتا قليلاً. "بابلو..."
دارين توقف عن الوقوف. ابتلع ريقه.
كوما كان صامتاً. لكن عينيه الغائرتين ضاقتا قليلاً.
شيغو لم يتحرك. لكن يده شدت على سيفه.
"لماذا؟" سأل ماركو بصوت خشن. "لماذا تذهب إلى هناك؟"
نظر إليه بابلو. كان يعرف أن ماركو سيسأل هذا السؤال.
"هناك أشياء لا أستطيع تعلمها هنا."
"مثل ماذا؟"
"الهاكي."
صمتت القاعة. نظر الجميع إلى بعضهم البعض. لم يفهم أحد ما يعنيه.
رفع كوما رأسه. "الهاكي؟ لم أسمع بهذا المصطلح من قبل."
"ولن تكون قد سمعته." قال بابلو. "إنه ليس شيئاً يتحدث عنه الناس العاديون. إنها قوة خفية يمتلكها كل مقاتلي العالم المشهورون."
شرح بابلو باختصار:
"الهاكي لديه ثلاث أنواع. النوع الأول يسمح لك بالشعور بوجود الآخرين وتوقع هجماتهم. النوع الثاني يسمح لك بتغليف جسدك أو سلاحك بقوة خفية، تزيد من قوة هجماتك وتسمح لك بإيذاء مستخدمي فواكه الشيطان. والنوع الثالث... هو الأندر والأقوى. يسمح لك بتحطيم إرادة خصومك."
صمت الجميع. كانوا يحاولون استيعاب ما قاله.
"وكيف تتعلم هذه القوة؟" سألت جيني.
"لا أعرف. هذا ما سأكتشفه في الغراند لاين."
"وأريد تعلم المبارزة ايضا." أضاف. "السيوف. أقوى المقاتلين في هذا العالم هم مبارزون. لا بد لي من أن أصبح واحداً منهم."
نظر إليهم جميعاً.
"لا يوجد أحد هنا يمكنه تعليمي هذه الأشياء. لذلك يجب أن أذهب."
وقف ماركو. "سأذهب معك."
رفع بابلو يده. "لا."
"لماذا؟!"
"لأن المنطقة تحتاج إلى من يديرها في غيابي. أنت هنا أقوى مقاتل لدي. إذا حدث أي طارئ، أنت من سيحمي الجميع."
صمت ماركو. كان غاضباً، لكنه كان يعرف أن بابلو على حق.
وقفت دارين أيضاً. "إذاً دعني أذهب معك أنا. لست بحاجة إلي هنا بقدر حاجتي إلى تنظيم الرجال."
نظر إليه بابلو. "المنطقة تحتاج إلى من يدرب الرجال الجدد. أنت الشخص الوحيد القادر على فعل ذلك. لا يمكنك المجيء."
تنهد دارين. جلس مجدداً.
جيني لم تقل شيئاً. كانت تنظر إلى بابلو بعيون لا تخفي ما تشعر به.
---
بدأ بابلو بإعطاء الأوامر.
"ماركو."
التفت ماركو إليه. كان لا يزال غاضباً، لكنه كان يسمع.
"قوتك هائلة. أنت تملك إمكانيات لا يملكها معظم الناس. لكنك لم تصل إليها بعد."
"سأرفعها."
"لا ترفعها فقط. درب نفسك كل يوم. ابحث عن خصوم أقوياء. اختبر حدودك. عندما أعود، أريد أن أراك أقوى مما أنت عليه الآن بعشر مرات."
ابتسم ماركو ابتسامة باردة.
"حسناً. سأفعل."
---
"جيني."
نظرت إليه. عيناها كانتا لا تزالان تحترقان.
"مهمتك الأهم. أريد شبكة جواسيس تمتد على طول الأزرق الجنوبي."
رفعت حاجبها. "كل الأزرق الجنوبي؟"
"كل ركن. كل جزيرة. كل ميناء. كل طريق بحري. أريد أن أعرف كل شيء يحدث في هذا البحر قبل أن يحدث."
"هذه مهمة ضخمة."
"لهذا أنا أوكلها لك."
توقف للحظة. ثم أضاف:
"الجريدة 'صوت المرجان' ستكون تحت تصرفك. لن تنشر أي شيء قبل أن تراه أنتِ الأولى. ستتحكمين في ما يعرفه الناس عنا وعن أعدائنا."
"لن أخيب ظنك."
"أعرف."
---
"دارين."
تقدم دارين خطوة.
"أريد تدريب المزيد من الرجال. ليس فقط على القتال. على الولاء. أريد ثقافة الانتماء إلى العائلة في قلوبهم. أريدهم يعرفون أن اسم 'بابلو' يعني شيئاً. يعني القوة. يعني الحماية. يعني العائلة."
"كم رجلاً تحتاج؟"
"أضعف ما يمكن خمسة آلاف. الأفضل عشرة آلاف."
اتسعت عينا دارين. لكنه لم يعترض.
"سأبدأ فوراً."
---
"كوما."
نظر كوما إليه بعينيه الغائرتين.
"أنت حصننا الأخير. إذا حدث أي شيء يهدد أمن المنطقة... إذا هاجمنا أحد... إذا حاولت البحرية التدخل... إذا جاء قراصنة أقوياء..."
"سأكون هناك."
"أعرف. لهذا أنا مرتاح. لكن..."
توقف بابلو. نظر إلى كوما بجدية.
"لا تظهر نفسك بتهور. لا تحتاج العائلة إلى مشاكل مع الحكومة العالمية. إذا علمت الحكومة عنك، قد ترسل من يأخذك أو يقتلك. كن حذراً. تحرك في الظل عندما تستطيع."
أومأ كوما ببطء. "فهمت."
---
"شيغو."
رفع شيغو رأسه. وجهه الحجري لم يتغير.
"سأتجه إلى جزيرة الظلال. سأستقر هناك."
"لماذا الظلال؟"
"لأنها أكثر جزيرة في منطقتنا مسببة للمشاكل. ذهابك سيهدئها."
فكر بابلو للحظة. ثم أومأ.
"حسناً. اذهب. لكن ابق على اتصال."
"دائماً."
---
انتهى الاجتماع.
الجميع خرجوا. كل واحد يتجه إلى مهمته. ماركو إلى ساحة التدريب. دارين إلى ثكنات الرجال. كوما إلى الكنيسة. شيغو إلى الميناء.
---
الليل. شرفة القصر.
السماء كانت مظلمة، مليئة بالنجوم. القمر كان هلالاً رفيعاً، يضيء بضوء خافت. البحر كان يتحرك بهدوء في الأسفل، وأمواجه تتكسر على الصخور.
وقفت جيني بجانب بابلو. كانت أقرب مما ينبغي. شعرها الوردي كان يتحرك مع النسيم البارد.
"لن تغير رأيك؟"
"لا."
صمتت للحظة. ثم قالت بصوت منخفض:
"أخاف عليك."
نظر إليها. عيناها كانتا دامعتين. لم تبكِ. لكن الحزن كان واضحاً.
"أنا لست ضعيفاً."
"لا أقول إنك ضعيف. أقول إنني أخاف. هذا مختلف."
لم يرد.
"الغراند لاين يا بابلو... يبتلع الأقوياء كأنهم لا شيء. قراصنة بمكافآت الملايين يموتون هناك كل يوم. كيف ستعيش أنت؟"
"لن أموت."
"كيف تعرف؟"
"إنه شعور."
صمتت مجدداً. كانت تفكر. كانت تبحث عن كلمات تمنعه.
"دعني أذهب معك."
"لا."
"لماذا؟!"
نظر إليها بهدوء.
لا يمكنه إخبارها ان ذهابها معه سيقيده لن يقتل براحته لن يسرق براحته لن يلهو براحته.
"لأن ما تحتاجين إلى فعله هنا مهم للغاية. شبكة الجواسيس في الأزرق الجنوبي. التحكم في الجريدة. لا يمكن لأحد غيرك فعلها."
"هذا صحيح."
"إذاً لا تجادلي أكثر."
نظرت إليه طويلاً. كانت عيناها تحترقان. ليس بالغضب. بشيء آخر. شيء أعمق.
"بابلو..."
"جيني..."
"أنا..."
لم تكمل.
اقتربت منه. رفعت يديها. وضعتهما على خديه. كانت يداها ناعمتين، دافئتين.
نظرت إليه. كانت دموعها قد جفت. لكن عينيها كانتا لا تزالان تلمعان.
ثم قبلته.
القبلة لم تكن خفيفة. لم تكن عابرة. كانت عميقة، طويلة، شغوفة. وضعت جيني كل ما تشعر به في تلك القبلة. كل الخوف. كل القلق. كل الحب الذي لم تعترف به من قبل.
نسيت كوما. نسيت كل شيء. فقط بابلو كان في قلبها.
بابلو لم يدفعها. لم يبتعد. تركها تقبله.
شعر بشفتيها. بشعرها الوردي الذي لمس وجهه. بيدَيها اللتين كانتا ترتجفان قليلاً.
رفعت رأسها بعد لحظات. كانت تتنفس بصعوبة.
"عد إلي."
"سأعود."
"إذا مت هناك... سأقتلك بنفسي."
ابتسم. "هذا وعد."
تنهدت. أزالت شعرها عن وجهها.
"سأبدأ العمل غداً. شبكة جواسيس تمتد من سوربيت إلى أقصى الأزرق الجنوبي. وسأتحكم في كل كلمة تنشرها الجريدة."
"أعرف."
"وأنت... درب نفسك جيداً. تعلم الهاكي. تعلم المبارزة. لا تموت."
رفع يده. لمس خدها. كان دافئاً.
ثم ابتعدت. مشت نحو باب الشرفة. توقفت للحظة. نظرت إليه من فوق كتفها.
"وداعاً يا بابلو."
"وداعاً يا جيني."
ثم اختفت في ظلام القصر.
بقي بابلو وحده على الشرفة. نظر إلى البحر. إلى الأفق البعيد حيث سيذهب قريباً.
كان يعلم أن الطريق صعب. كان يعلم أن الغراند لاين قد تبتلعه.
لكنه كان مستعداً.
وللمرة الأولى منذ سنتين، شعر أنه على وشك بدء مغامرته الحقيقية.
أدار ظهره للبحر وعاد إلى داخل القصر.