بعد خمسة أشهر.
خمسة أشهر من التدريب اليومي المتواصل. خمسة أشهر من الفشل والتكرار والإرهاق.
خمسة أشهر غيرت بابلو.
نظر إلى السماء.
لم تكن بحاجة إلى حركة واسعة. فقط إشارة بسيطة.
بدأت الغيوم تتجمع فوقه. ليس ببطء كما في السابق. بسرعة. وكأن السماء أطاعته.
نزلت غيمة كثيفة، بيضاء، رطبة. توقفت على بعد أمتار قليلة فوق رأسه. كانت مختلفة الآن. لم تكن ضباباً يمر عبر الأصابع. كانت كثيفة، متماسكة، كأنها مصنوعة من القطن المضغوط.
قفز بابلو.
هبط على الغيمة. تمايلت قليلاً لكنها لم تتمزق. لم تتبدد.
وقف عليها.
ابتسم.
"أخيراً بعد مدة من المحاولة"
لم يعد بحاجة إلى التفكير في الكثافة ونسبة الماء. أصبحت الغيوم تطيع إرادته تلقائياً. كل ما يحتاجه هو غيمة في السماء، أو أن يصنع واحدة بنفسه. ثم يقفز عليها.
لم تكن سرعة الطيران عالية مثل سرعة الرياح. لكنها كانت كافية، لكنه كان يتحرك في الهواء بحرية.
وقف على غيمته، وارتفع بها إلى أعلى. الغابة تحته أصبحت أصغر. الأشجار أصبحت كألعاب. القصر البعيد أصبح نقطة بيضاء.
نظر حوله. كان يرى كل شيء. البحر من جهة، الجبال من جهة أخرى، والقرى الصغيرة المنتشرة بينهما.
"يا له من شعور." قال لنفسه.
أنزل الغيمة ببطء. هبط على الأرض برشاقة.
لم يعد بحاجة إلى الخوف من السقوط. لم يعد بحاجة إلى أن يكون محصوراً على الأرض.
---
وقف أمام صخرة ضخمة، أكبر بثلاث مرات من جسده.
رفع يده. إصبع واحد.
دون أن يركز طويلاً، ضغط الرياح في نقطة صغيرة جداً. أصغر من رصاصة. أسرع مما كانت عليه قبل خمسة أشهر.
أطلق.
اخترقت الرصاصة الصخرة من طرفها إلى طرفها الآخر. خرجت من الجهة المقابلة. ترك ثقباً نظيفاً، أملس، كأنه مثقوب بمثقاب حديدي.
لم يتوقف.
أطلق عشر رصاصات في وقت واحد. كل واحدة اتجهت نحو هدف مختلف. بعضها اخترق الصخور. بعضها قطع الأشجار. بعضها حفر الأرض.
"على الرغم من أن التحكم في العديد منها مازال يحتاج للعمل لكنها جاهزة."
---
سوط الرياح
رفع يده.
تشكل سوط طويل، رفيع، غير مرئي. كان أطول مما كان عليه قبل خمسة أشهر. كان أقوى. كان أسرع.
ضرب به. امتد السوط لعشرات الأمتار. التف حول صخرة بعيدة.
سحب.
انفلت الصخرة من مكانها. طارت في الهواء نحوه.
قبل أن تصل إليه، قطعها بسوط آخر. انشقت الصخرة إلى نصفين. سقط النصفان على جانبيه.
"يمكنني الآن الإمساك بأي شيء من أي مسافة."
---
والآن، كان يستطيع الحفاظ على درع الرياح حول جسده.
لم يكن مرئياً، لكنه كان هناك. طبقة كثيفة من الرياح المضغوطة تدور بسرعة هائلة. تصد الرصاص، تخفف من الضربات القوية، وتمنع أي شيء من لمسه دون إذنه.
لم يختبره ضد مدفع. لكنه كان واثقاً من قدرته على الصمود أمام معظم الهجمات.
---
دفقة الرياح
كانت أبسط تقنياته. لكنها كانت الأكثر فاعلية في المواقف الضيقة.
مجرد فكرة، وانفجار رياح يدفع كل شيء حوله بعيداً. الأعداء، المقذوفات، حتى الغبار.
"مثالية للهروب أو لكسر الحصار."
---
جلس على الأرض بعد أن أنهى اختبار تقنياته.
لم يكن متعباً كما كان في السابق. جسده تأقلم. أصبحت قدرته على التحمل أكبر بكثير.
فتح دفتره. كتب ملخصاً نهائياً:
"الطيران عبر السحب: مكتمل. أستطيع الوقوف على الغيمة والتحرك بها. السرعة لا بأس بها."
"رصاصات الرياح: مكتملة. رصاصات متعددة بدقة مستحسنة."
"سوط الرياح: مكتمل. أستطيع الإمساك بأي شيء ضمن مسافة مئة متر. وقطعه بسوط آخر."
"درع الرياح: مكتمل. أستطيع الحفاظ عليه لساعات. يصد الرصاص والضربات القوية."
"دفقة الرياح: مكتملة. للهروب أو لكسر الحصار."
والعديد من التقنيات التي تعلمها.
أغلق الدفتر. نظر إلى السماء.
خمسة أشهر. خمسة أشهر من العزلة. خمسة أشهر من الألم والتعب. خمسة أشهر من التطور.
وبعد هذه الخمسة أشهر اكمل بابلو سنتين منذ قدومه لهذا العالم.
سنتان كاملتان منذ ذلك اليوم الذي فتح فيه عينيه لأول مرة في جسد طفل في الرابعة عشر، على شاطئ جزيرة فيرونا النائية.
الآن، بعد سنتين، لم يعد ذلك الطفل النحيف موجوداً.
وقف مكانه رجل.
نظر إلى يديه. نظر إلى جسده القوي. نظر إلى الغابة المدمرة حوله التي تحمل آثار تدريبه.
بعمر السادسة عشر، وبمعايير هذا العالم، أصبح بالغاً.
ليس طفلاً يحتاج إلى من يحميه. ليس مراهقاً يبحث عن مكانه. بل رجل يسيطر على منطقة بحرية مشهورة، يقود ثلاثة آلاف مقاتل، ويملك أسطولاً يرفرف عليه شعاره.
ابتسم ابتسامة هادئة، مختلفة عن كل الابتسامات التي سبقتها.
لم يعد خائفاً من الغراند لاين.
لم يكن مستعداً بنسبة مئة بالمئة. كان يعلم أن هناك من هم أقوى منه بكثير. لكنه كان مستعداً بما يكفي لعدم الموت.
وقف. جمع أغراضه.
"الآن، حان وقت الرحيل."