في صباح اليوم التالي، استيقظ بابلو مع أول خيوط الشمس.
نهض من سريره في النزل القذر. غسل وجهه. ارتدى ملابسه السوداء. علق مسدسه تحت حزامه. حمل حقيبته. نزل الدرج. دفع المفتاح للرجل العجوز دون أن يتبادل معه كلمة. خرج إلى شوارع جزيرة الأشواك الصباحية.
كانت الجزيرة مختلفة في الصباح. أكثر هدوءاً. أقل فوضى. لكن روحها كانت كما هي. فوضوية. خطيرة. بلا قانون.
لم يلتفت بابلو إلى الوراء. مشى خارج المدينة. ابتعد عن الأنظار. وصل إلى التلة الصخرية حيث هبط قبل أيام. وقف. نظر إلى السماء.
رفع يده.
بعد لحظات، تحركت السحابة من بين الغيوم العالية. نزلت تدريجياً. كانت تنتظره هناك طوال الأيام الماضية.
قفز عليها برشاقة. تمايلت السحابة قليلاً تحت ثقل حقيبته. ثم ثبتت.
وقف عليها. نظر إلى جزيرة الأشواك للمرة الأخيرة.
كانت سوداء، قاتمة، مليئة بالدماء والفوضى. لكنها علمته شيئاً. علمته أن القوة هي كل شيء.
تحركت السحابة. ارتفعت به عالياً. انطلقت نحو الجنوب الشرقي.
لم يلتفت إلى الوراء.
---
بدأت رحلة بابلو فوق الحزام الهادئ.
كان يعرف أن هذه الرحلة ستكون مختلفة عن كل الرحلات السابقة. لم يكن مسافراً فوق بحار عادية. كان مسافراً فوق منطقة مهجورة من البشر، باستثنائات قليلة.
في هذا العالم، إذا أراد أحدهم الذهاب إلى الغراند لاين من المحيطات الأربعة، فسيحتاج إلى التوجه إلى الريد لاين، الجبل العملاق الذي يحيط بالعالم. هناك، يجب أن يصعد الحبل المقلوب، التيار الخارق الذي يقذف السفن إلى قمة الجبل ثم يسقطها في الغراند لاين.
لم يكن هناك طريق آخر. لم يجرؤ أحد على عبور الحزام الهادئ.
لماذا؟
لسببين.
الأول: غياب الرياح. الحزام الهادئ كان منطقة ميتة. لا رياح فيها. لا تيارات. لا أمواج. السفن الشراعية لا تستطيع التحرك فيه. حتى السفن البخارية كانت تواجه صعوبات. البحر كان ساكناً، ميتاً، كأنه بركة راكدة ضخمة.
الثاني: ملوك البحر العتيقة. تحت ذلك البحر الهادئ، كانت تعيش أضخم المخلوقات في العالم. وحوش بحرية عملاقة، أكبر من أي سفينة، أقوى من أي سلاح. كانت تهاجم أي شيء يتحرك على سطح الماء. السفن التي تجرأت على دخول الحزام الهادئ لم تعد أبداً.
هذان السببان جعلا الحزام الهادئ حاجزاً طبيعياً لا يمكن تجاوزه.
أما بالنسبة له فلا يوجد لديه عائق فبما أنه سيطير فوقه ليس لديه اهتمام لا بالرياح التي ليست موجودة فيمكنه استخدامها متى يشاء ولا اهتمام بملوك البحر فهو يطير بعيد عنهم.
---
الأيام الأولى من الرحلة كانت هادئة.
كان البحر تحته لا يزال أزرقاً، جميلاً، مليئاً بالأمواج. لكن مع مرور الأيام، بدأ التغير.
أصبح البحر أكثر هدوءاً. الأمواج اختفت. السطح أصبح أملساً كالمرآة. لا رياح. لا تيارات. لا حركة. فقط ماء ساكن، ممتد إلى الأفق، كأنه بحيرة عملاقة.
ثم بدأ يرى الظلال.
تحت الماء، كانت تتحرك أشكال ضخمة. أكبر من أي شيء رآه في حياته. كانت تتحرك ببطء، بتكاسل، كأنها تعلم أنها لا تخاف من شيء.
ملوك البحر.
من ارتفاعه، كان بابلو يراها بوضوح. كانت ضخمة جداً. كانت أجسادها متنوعة: بعضها يشبه الثعابين العملاقة، وبعضها يشبه الحيتان الضخمة، وبعضها كان له مخالب وأسنان هائلة.
وقف بابلو على سحبته، ينظر إلى الأسفل. لم يخف. كان مرتفعاً جداً. كان يعلم أنها لا تستطيع الوصول إليه.
استمر في الطيران. مرتفعاً. هادئاً. واثقاً.
الأيام مرت. كان يقرأ الكتب التي معه. كان يأكل من مؤنه الجافة. كانت الرحلة طويلة. حوالي ثلاثة أسابيع. لكنه لم يتوقف.
لم يكن يريد التأخير.
---
في اليوم الحادي والعشرين، رأى التغيير.
بدأ البحر يتغير. أصبح لونه أعمق. أصبحت الأمواج تظهر مجدداً. الرياح بدأت تهب خفيفة. الغيوم أصبحت أكثر كثافة.
كان قد تجاوز الحزام الهادئ.
دخل الغراند لاين.
شعر بشيء غريب في صدره. ليس خوفاً. لا. شيء آخر. ترقب. حماس. كان يعلم أن هذا هو المكان الذي يلتقي فيه الأقوياء. هذا هو المكان الذي سيتعلم فيه الهاكي. هذا هو المكان الذي سيجد فيه مايريد.
اتبع وجهته و نظر إلى الأفق. كان البحر ممتداً بلا نهاية. لكن في المسافة، كان هناك شيء.
اقترب. بدأت تتضح. كانت جزيرة كبيرة، خضراء، جميلة. على منحدراتها، كانت تنتشر منازل بيضاء ذات أسقف حمراء وزرقاء. شوارع مرصوفة بالحجارة. كرمة عنب ضخمة كانت تزين وسط المدينة. تماثيل للرماة كانت منتشرة في كل مكان.
عرفها بابلو فوراً.
ويسكي بيك.
أول جزيرة في الغراند لاين. الجزيرة التي وصل إليها طاقم قبعة القش بعد دخولهم البحر العظيم. كانت مشهورة بالرماة، بالنبيذ، وبالاحتفالات. لكن بابلو كان يعرف أكثر من ذلك. كان يعرف أنها مدينة جواسيس تابعة لمنظمة الباروك ووركس.
لكن في هذا الوقت من الزمن، لم تكن الباروك ووركس قد تأسست بعد. كروكودايل لم يصبح شيشيبوكاي بعد. لم تكن المنظمة موجودة. كانت ويسكي بيك مجرد مدينة صغيرة هادئة، مشهورة بالنبيذ والرماية.
على الأقل، هذا ما كان يعتقده الجميع.
ابتسم بابلو. كان يعلم أن الغراند لاين مليء بالمفاجآت. لن يصدق أي شيء يراه.
خفض سحبته تدريجياً. اقترب من الجزيرة. اختار مكاناً منعزلاً خارج المدينة ليهبط. لم يرد أن يراه أحد وهو ينزل من السماء.
قفز من السحابة. هبط على أرض صلبة لأول مرة منذ ثلاثة أسابيع.
أرسل السحابة إلى الأعلى. ستختفي بين الغيوم. ستبقى هناك تنتظره.
وقف على الأرض. نظر حوله. الهواء كان مختلفاً. أنظف. أبرد. رائحة البحر والعنب تملأ المكان.
رفع عينيه. رأى المدينة البيضاء على التل. رأى الأسقف الحمراء والزرقاء. رأى كرمة العنب الضخمة في الوسط. رأى الناس يتحركون في الشوارع.
كان ويسكي بيك.
كان الغراند لاين.
ابتسم بابلو. كانت ابتسامة حقيقية. للمرة الأولى منذ شهور، شعر أنه في المكان الصحيح.
"وصلت." قال بصوت منخفض.
ثم مشى نحو المدينة. كان لديه الكثير ليراه. الكثير ليفعله. الكثير ليتعلمه.