حين وطأت قدم بابلو أرض ناراكا لأول مرة سمع ضجيجاً غريباً من الطيور فوقه.
رفع رأسه.
رأى عشرات الطيور الغريبة تحمل حقائب على ظهرها وتصدر ضجيجا غريبا.
جرائد تتساقط من السماء كأوراق الخريف، عشرات منها تطير في كل اتجاه فوق الميناء والشوارع.
أمسك واحدة من الهواء.
نظر للعنوان الكبير.
**غارب بطل البحرية يقبض على ملك القراصنة غولد روجر.**
قرأها مرتين.
الناس حوله كانوا يلتقطون الجرائد ويصرخون ويتحدثون بعضهم لبعض بإثارة واضحة.
"أمسكوا روجر!"
"ملك القراصنة في القبضة!"
"انتهى عصر القراصنة!"
وقف بابلو وسط هذا الضجيج بهدوء تام.
نظر للجريدة مجدداً.
غارب لم يقبض عليه.
روجر سلّم نفسه.
هذا ما يعرفه هو وحده في هذا العالم كله تقريباً.
الرجل الذي فتح الطريق لعصر القراصنة العظيم اختار نهايته بنفسه.
وضع الجريدة في جيبه وأكمل سيره.
---
ماركو كان بجانبه، يمسك جريدته بعيون واسعة.
"روجر! أمسكوا روجر الآن؟"
"نعم."
"هذا يعني أن عصر القراصنة انتهى؟"
نظر إليه بابلو.
"بالعكس لقد بدأ للتو."
نظر إليه ماركو بعيون مستغربة.
لم يشرح بابلو أكثر.
أكمل سيره.
---
ناراكا كانت مختلفة تماماً عن فيرونا.
شوارع مكتظة وناس من كل شكل وحجم، دخان يخرج من مبانٍ ضخمة في كل اتجاه، أصوات آلات وصراخ عمال وأبواق سفن لا تتوقف.
رائحة السمك والملح تملأ الهواء.
مشى بابلو ببطء وعيونه تلتقط كل شيء.
هذا عالم آخر.
---
افترق عن ماركو بعد اتفاق على اللقاء لاحقاً وبدأ بحثه.
أول مصنع.
مصنع سمك كبير، بوابته ضخمة وأمامها رجل يقف يراقب الداخلين.
اقترب بابلو.
"أبحث عن عمل."
نظر إليه الرجل من رأسه لقدميه.
توقف عند جسده النحيف.
"لا."
"لم أسمع السبب."
"انظر لنفسك. أول كيس ستسقط."
لم يشعر بابلو بأي إهانة وأكمل سيره.
---
ثاني مصنع.
مصنع تجفيف وتعليب، أصغر من الأول.
نفس النظرة.
نفس الرد.
"نحتاج رجالاً يتحملون."
---
ثالث مصنع.
رابع مصنع.
نفس الكلام في كل مكان.
الجسد النحيف لطفل في الرابعة عشر لا يوحي بالقدرة على العمل الشاق في مصانع السمك.
---
بعد أربعة رفضيات توقف بابلو في زقاق جانبي.
لم يكن محبطاً.
المصانع الكبيرة تريد أجساداً ضخمة لأعمال شاقة.
جسده ليس ضخماً.
إذاً يحتاج مصنعاً لا يحتاج أجساداً ضخمة.
تجوّل أكثر في الشوارع بعيون مختلفة هذه المرة.
لاحظ في طرف المنطقة الصناعية مبنى أصغر قليلا.
رائحة مختلفة تخرج منه، ليست رائحة السمك بل شيء أحلى.
فاكهة.
اقترب وقرأ اللافتة الصغيرة على الباب.
مصنع تعبئة وعصر الفاكهة.
---
دخل.
كان الداخل مختلفاً عن مصانع السمك، أهدأ وأقل ضجيجاً، عمال يفرزون الفاكهة ويعصرونها ويعبئونها في زجاجات.
وجد رجلاً يبدو أنه مشرف، في الأربعينات بملابس عمل وقلم خلف أذنه.
"أبحث عن عمل."
نظر إليه الرجل.
نفس النظرة المعتادة للجسد النحيف، لكن هذه المرة لم يكن الرفض فورياً.
"ماذا تعرف تعمل؟"
"أي شيء تحتاجه."
"العمل هنا فرز وتعبئة وتنظيف. ليس عملاً للأبطال لكنه يحتاج سرعة وانتباهاً."
"أملك الاثنين."
نظر إليه الرجل لثوانٍ.
"الراتب ثلاثون ألفاً شهرياً. ست أيام في الأسبوع، اثنى عشر ساعة في اليوم."
"حسناً."
"تبدأ غداً."
---
خرج بابلو من المصنع والشمس بدأت تميل للغروب.
التقى بماركو في المكان الذي اتفقا عليه.
ماركو كان يبتسم.
"وجدت عملاً في مصنع السمك الكبير. خمسة وأربعون ألفاً شهرياً."
"جيد."
"وأنت؟"
"مصنع فاكهة. ثلاثون ألفاً."
نظر إليه ماركو.
"أقل بكثير."
"لكنه بداية."
أومأ ماركو.
مشيا معاً في شوارع ناراكا بحثاً عن مكان للنوم بسعر معقول.
---
في الليل حين استلقى بابلو في غرفة مستأجرة بسيطة، أخرج الجريدة من جيبه ونظر للعنوان مجدداً.
**غارب يقبض على غولد روجر.**
بعد أسابيع قليلة سيُعدم روجر.
وبكلماته الأخيرة أمام الحشود سيشعل العالم كله.
سيقول إن كنزه موجود، وأن من يجده سيصبح ملك القراصنة.
ومن تلك اللحظة سيبدأ عصر القراصنة العظيم.
ألالاف من البشر سيتركون حياتهم ويركبون البحار بحثاً عن حلم.
وبعد عشرين سنة سيظهر طفل في قرية صغيرة اسمه مونكي دي لوفي ويبدأ رحلته.
نظر بابلو للسقف.
كل هذا يعرفه.
لكن هذه المعرفة لا تعطيه قوة ولا مالاً ولا سفينة.
هو الآن عامل في مصنع فاكهة في جزيرة صناعية، راتبه ثلاثون ألفاً شهرياً.
العالم على وشك أن يتغير كله.
وهو لا يزال في البداية.
لكن على الأقل، هو يعرف إلى أين يسير العالم.
والمعرفة في النهاية هي أقوى ما يملكه حاليا.
أغمض عينيه.
غداً يبدأ العمل.