في الصباح الباكر وصل بابلو لمصنع الفاكهة قبل الموعد بقليل.
المشرف الذي قابله أمس أشار له نحو خط العمل الطويل.
صفوف من العمال يقفون أمام أحزمة متحركة تمر عليها الفاكهة بشكل متواصل.
"تقف هنا." أشار له المشرف لمكان في المنتصف. "الفاكهة الجيدة في الصندوق الأيمن. الفاسدة أو التالفة في الصندوق الأيسر. بسيطة."
نظر بابلو للحزام المتحرك.
"حسناً."
---
البداية كانت سهلة.
فاكهة جيدة يميناً، فاسدة يساراً.
المنطق بسيط والحركة بسيطة.
لكن بعد ساعة أدرك بابلو المشكلة الحقيقية.
البساطة نفسها هي المشكلة.
الحزام لا يتوقف، والفاكهة لا تتوقف، واليدان تتحركان بنفس الحركة المتكررة مراراً وتكراراً.
يميناً، يساراً، يميناً، يساراً.
عقله لم يكن مشغولاً بأي شيء.
رجل في السابعة والثلاثين يعمل في وظيفة تحتاج عقل طفل في السادسة.
لكنه لم يشكو.
هذا ما يملكه الآن وهو يكفي.
---
في منتصف اليوم توقف الحزام لفترة قصيرة.
استراحة.
مشى العمال نحو منطقة صغيرة بجانب المصنع وجلسوا. وبدؤوا في تناول غدائهم. وفعل نفس الشيء.
لاحظ بابلو أن بعضهم يمسكون قطعاً من الفاكهة التي أخذوها من الحزام ويأكلونها بشكل طبيعي.
لم يتكلم أحد عن هذا ولم يمنعه أحد.
أمسك بابلو برتقالة من الصندوق وقشّرها وأكلها.
حلوة وطازجة.
أفضل مما يأكله عادةً.
---
في نهاية اليوم حين انتهت الاثنتا عشرة ساعة ووقف العمال يأخذون أكياساً صغيرة من الفاكهة الزائدة، فعل بابلو نفس الشيء.
لا أحد قال شيئاً.
ميزة صغيرة في وظيفة مملة.
---
خرج من المصنع وكاحله يؤلمه قليلاً من الوقوف الطويل.
عند البوابة كان ماركو ينتظره بوجه متعب لكن فيه شيء من الرضا.
"كيف كان؟"
"ممل." قال بابلو بصدق.
ضحك ماركو.
"عندي أسوأ، اثنتا عشرة ساعة من حمل صناديق السمك. ظهري سيكسر قبل الشهر."
مشيا معاً نحو شارع الطعام الرخيص.
---
جلسا أمام بسطة صغيرة تبيع أرزاً وسمكاً.
طلب كل منهما وجبته وأكلا بصمت لدقائق.
ماركو نظر حوله في شوارع ناراكا الصاخبة.
"جزيرة كبيرة."
"نعم."
"مختلفة عن مكاني."
"من أين أنت؟"
"جزيرة صغيرة في الأزرق الشرقي. أبي صياد وأمي تبيع الخبز." أخذ لقمة. "ليس فقيراً لكن ليس كافياً."
أومأ بابلو.
"لماذا جئت هنا؟"
نظر إليه ماركو بعيون مباشرة.
"لأريد أن أصبح غنياً."
لم يقلها بخجل ولا بتباهٍ، قالها كحقيقة بسيطة.
"غنياً جداً. بما يكفي حتى لا يقلق أهلي على شيء بعد اليوم."
"وبعدها؟"
"لا أعرف." ابتسم. "لكن الغنى أولاً."
نظر لبابلو.
"وأنت؟"
فكّر بابلو لثانية.
"نفس الشيء."
"فقط المال؟"
"المال يفتح كل الأبواب الأخرى."
أومأ ماركو كأنه سمع حكمة عميقة.
"صحيح."
---
بعد الأكل تجوّلا في شوارع ناراكا قليلاً.
كانت الجزيرة لا تنام، حتى في الليل كانت هناك حركة في الميناء وضجيج من بعض المحلات.
مشيا بهدوء وماركو يتكلم معظم الوقت.
عن أخته الصغيرة التي يريد أن يرسل لها المال.
عن حلمه بامتلاك قارب خاص يوماً ما.
عن الأكل الجيد الذي يشتاق إليه من بيت أمه.
بابلو كان يسمع ويرد بجمل قصيرة.
لكنه كان يسمع فعلاً.
رجل في السابعة والثلاثين يسمع شاباً في الثامنة عشر يحلم بأشياء بسيطة وحقيقية.
شيء في هذا كان مختلفاً عن كل من قابلهم في فيرونا.
---
في نهاية التجوال وقفا أمام مبنى كبير في وسط الحي السكني.
مبنى عريض من عدة طوابق، نوافذه كثيرة وأمام بابه لافتة بسيطة.
غرف للإيجار الشهري.
نظرا لبعضهما.
دخلا.
---
الرجل المسؤول كان في الخمسينات، لا يهتم كثيراً بمن يأتي طالما يدفع.
"الغرفة المزدوجة أربعة آلاف وخمسمئة شهرياً. حمامات ومراحيض مشتركة في كل طابق."
نظرا للغرفة.
صغيرة لكنها كافية، سريران وطاولة صغيرة ونافذة تطل على الشارع.
أفضل بكثير من النوم في أماكن عشوائية.
التفت ماركو لبابلو بعيون معتذرة قليلاً.
"أنا لا أملك الآن. راتبي الشهر القادم."
نظر بابلو لما في جيبه.
سبعة آلاف بيلي تبقت معه.
أربعة آلاف وخمسمئة للإيجار يبقى معه ألفان وخمسمئة.
ليس كثيراً.
لكن ماركو سيدفع الشهر القادم وهو سيحصل على راتبه بعد أسابيع.
المعادلة معقولة.
أخرج الأربعة آلاف وخمسمئة وناولها للرجل.
أخذها الرجل وأعطاهما مفتاحاً.
نظر إليه ماركو.
"شكراً." قالها بجدية. "سأدفع الشهر القادم كاملاً."
"أعرف."
دخلا الغرفة وأغلقا الباب.
---
استلقى بابلو على سريره ونظر للسقف.
ألفان وخمسمئة بيلي في جيبه.
راتبه بعد أسابيع.
عمل ثابت وسقف فوق رأسه وشخص بجانبه ليس عدواً.
في فيرونا أول ليلة كان وحيداً تماماً في غرفة بين الأشجار بلا مال ولا خطة.
الآن لديه راتب ثابت وغرفة وشريك غرفة يمكن الوثوق به نسبياً.
تقدم.
بطيء لكنه موجود.
من الجانب الآخر سمع صوت ماركو وهو ينام بسرعة مذهلة.
شاب متعب بعد اثنتي عشرة ساعة من حمل صناديق السمك.
ابتسم بابلو في الظلام.
أغمض عينيه.
غداً اثنتا عشرة ساعة أخرى.