في المساء بعد نهاية الوردية كانت الغرفة هادئة.

ماركو يأكل بشهية واضحة، وجبة لحم وخضروات اشتراها بابلو من السوق، وصوت الشوكة على الصحن هو الشيء الوحيد المسموع لدقائق.

جلس بابلو يأكل ببطء وعيونه على الطاولة.

كان يفكر في الكلام الصحيح.

وضع شوكته جانباً.

"ماركو."

رفع ماركو رأسه وفمه لا يزال ممتلئاً.

"أريد أن تتوقف عن العمل في المصنع من الأسبوع القادم."

توقف ماركو عن المضغ تماماً.

نظر لبابلو بعيون لا تفهم ما سمعت.

بلع ببطء.

"ماذا؟"

"لن تأتي للمصنع من الأسبوع القادم."

نظر ماركو للصحن أمامه ثم لبابلو ثم للصحن مجدداً.

كأنه يتأكد أنه لم يسمع خطأً.

"وراتبي؟"

"سأدفعه أنا. بل أكثر مما تأخذه الآن. مثل ما كنت تأخذه في مصنع السمك تقريباً."

وضع ماركو شوكته على الطاولة ببطء ومسح يده بالمنديل.

نظرته تغيرت.

لم تعد مستغربة فقط.

فيها قلق حقيقي.

"بابلو، إذا اكتشف المدير—"

"لن يكتشف."

"لكن إذا حدث شيء وخسرت منصبك بسببي—" توقف وأكمل بنبرة أكثر جدية. "أنا لا أريدك أن تقع في المتاعب من أجلي. ما فعلته معي منذ البداية يكفي. لا تضع نفسك في خطر إضافي."

نظر إليه بابلو.

في عيون ماركو لم يكن جشعاً ولا أنانية.

كان قلقاً حقيقياً على شخص يهمه.

"ماركو، أنا لا أفعل أشياء بدون حساب. أنت تعرف هذا."

"أعرف لكن—"

"لا يوجد لكن. إذا قررت هذا فلأنني واثق مئة بالمئة أنه لن يسبب مشكلة." ثم أضاف بنبرة أهدأ. "ثق بي."

صمت ماركو.

الكلمتان الأخيرتان كان لها أثر مختلف.

ثق بي.

في الأشهر الماضية أثبت بابلو مراراً أنه لا يتكلم كلاماً فارغاً.

كل ما قاله حدث.

كل قرار اتخذه كان صحيحاً.

لكن ماركو لا يزال يفكر.

"ولماذا؟ لماذا تفعل هذا؟ ماذا ستكسب أنت من هذا كله؟"

أخرج بابلو نفساً ببطء.

"دعني أسألك شيئاً أولاً."

أومأ ماركو.

"ماذا تريد من حياتك؟ ليس الجواب السريع. الجواب الحقيقي."

فكّر ماركو.

"أريد أن أصبح غنياً. أريد أن أعيش حياة لا تشبه حياة أبي. أريد—" توقف. "أريد أن أكون شخصاً يُحسب له حساب."

"وهل تعتقد أن هذا سيحدث وأنت تفرز فاكهة اثنتي عشرة ساعة يومياً؟"

صمت ماركو.

"أنا أرى فيك شيئاً لا تراه أنت في نفسك." تكلم بابلو وفي صوته شيء مختلف عن برود المعتاد. "شيئاً حقيقياً وقوياً إذا طُوِّر بشكل صحيح يمكن أن يغير مسار حياتك كاملاً. لكنه يحتاج وقتاً وتركيزاً لا يمكنك إعطاءه وأنت منهك في مصنع."

نظر إليه ماركو بعيون تحاول أن تفهم.

"ما الذي تراه فيّ؟"

"سترى بنفسك حين تبدأ."

"هذا ليس جواباً."

"هو كل الجواب الذي أستطيع إعطاءه الآن."

صمت بينهما لثوانٍ.

ثم قال ماركو بصوت أهدأ:

"وأنت، ماذا ستكسب أنت من كل هذا؟"

"أحتاج أشخاصاً يمكن الاعتماد عليهم مستقبلاً. أشخاصاً أثق بهم حقاً." نظر إليه مباشرة. "أنت من أعرفهم أكثر من أي شخص في هذه الجزيرة."

نظر ماركو للطاولة.

أصابعه تحرك المنديل ببطء.

ثم رفع رأسه ونظر لبابلو بعيون قررت.

"إذا قلت لي أنك واثق."

"واثق."

"وإذا حدث أي شيء—"

"لن يحدث."

أخرج ماركو نفساً طويلاً.

ثم مد يده.

"حسناً."

أمسكها بابلو.

ثم ابتسم ماركو ابتسامة واسعة فجأة.

"أخيراً سأتخلص من رائحة تلك الفاكهة اللعينة."

ضحك بابلو بهدوء.

---

في الصباح التالي استدعاه المدير.

الممر الذي يؤدي للمكتب صار مألوفاً لبابلو الآن.

طرق الباب.

"ادخل."

المكتب كان يبدو أهدأ من المعتاد في هذه الساعة الباكرة.

المدير يقف بجانب النافذة المطلة على ساحة المصنع، يداه خلف ظهره وكوب قهوته على الطاولة لم يُلمس بعد.

لم يلتفت حين دخل بابلو.

ظل ينظر للساحة لثوانٍ.

ثم قال بدون أن يدير وجهه:

"أرقام الشهر جاءت."

"نعم."

"الإنتاج ارتفع سبعة بالمئة."

"أربعة عشر ونصف منذ البداية."

التفت المدير الآن.

نظر لبابلو بعيون فيها شيء لم يكن موجوداً في لقائهم الأول.

احترام حقيقي.

"حين عيّنتك كنت أعرف أنني أخاطر." مشى ببطء نحو مكتبه وجلس. "توم أقنعني لكنني لم أكن مقتنعاً بالكامل."

لم يرد بابلو.

انتظر.

"كنت مخطئاً في شكوكي."

"أنت لم تكن مخطئاً. كنت تفكر بعقل تاجر. الشك في القرارات غير المألوفة هو تفكير صحيح."

نظر إليه المدير لثانية.

ثم وضع يديه على الطاولة.

"راتبك سيصبح تسعين ألفاً من الشهر القادم."

تسعون ألفاً.

لم يتغير شيء في وجه بابلو لكن في صدره شيء دافئ تحرك.

"شكراً."

ثم قبل أن يقوم.

"عندي ملاحظة."

رفع المدير حاجبه.

"المشرف الليلي لا يؤدي عمله بالمستوى المطلوب. الخطوط الليلية تنتج أقل بكثير من النهارية."

نظر إليه المدير.

"أعرف هذا منذ فترة. لكن لم أجد الحل."

"أعطني المناوبة الليلية أسبوعين."

"أنت مشرف النهار."

"أسبوعان فقط. سأجعل الليل مثل النهار."

صمت المدير.

نظر لبابلو بعيون تقيّم.

هذا الطفل لا يتكلم كلاماً فارغاً منذ اليوم الأول.

"أسبوعان. إذا لم ترَ نتيجة واضحة تعود للنهار."

"سأرى نتيجة."

أومأ المدير.

قام بابلو ومشى نحو الباب.

قبل أن يخرج سمع صوت المدير خلفه.

"بابلو."

التفت.

"توم اختار بشكل صحيح."

لم يرد.

فقط أومأ وخرج.

---

في آخر ساعة من الوردية قبل أن يغادر العمال نادى بابلو مجموعة صغيرة.

جوردو وثلاثة آخرون.

وقفوا في زاوية المصنع بعيداً عن الباقين.

جوردو كان بوجهه المعتاد، ذلك الوجه الذي يحمل دائماً ثقل الرجل الذي يظن أن العالم يدين له.

نظر بابلو إليهم بهدوء.

لم يقدم مقدمات.

"رواتبكم الشهر القادم ستنخفض للنصف."

الصمت الذي أعقب هذه الجملة كان ثقيلاً.

ثانية.

ثانيتان.

ثم انفجر جوردو.

"ماذا؟!" ارتفع صوته وتحرك خطوة للأمام. "بأي حق أنت؟ أنا أعمل هنا منذ ثماني سنوات، ثماني سنوات يا ولد، وتجيء أنت من لا مكان وتنخفض راتبي؟!"

لم يتحرك بابلو.

لم يرفع صوته.

نظر لجوردو كأنه يرى شيئاً بعيداً.

"الأرقام لا تعرف كم سنة عملت. الأرقام تعرف فقط ماذا قدمت."

"أنت طفل! طفل يلعب بمستقبل ناس لهم عائلات!"

نظر إليه بابلو.

"أعرف أن لديكم عائلات. لهذا السبب بالذات أخبركم الآن بدلاً من الشهر القادم. حتى تجدوا ترتيباً آخر."

احمر وجه جوردو حتى بدا أرجوانياً.

ثم اقترب خطوة أخرى وخفض صوته بطريقة أريد منها أن تكون تهديداً.

"ستندم على هذا يا طفل. سنلتقي خارج هذا المصنع وستعرف من نحن."

نظر إليه بابلو.

لا خوف في عيونه.

ولا استفزاز.

ولا حتى اهتمام حقيقي.

فقط هدوء الرجل الذي يعرف بالضبط ما الذي ينتظر هؤلاء إذا حاولوا فعل شيء.

"حسناً."

تركهم وأكمل سيره بنفس الخطوات الهادئة.

خلفه سمع همهمات وأصوات غاضبة.

لم يلتفت.

---

في الأيام التي تلت تلك ذلك كان بابلو يفكر.

القوة الخام التي رآها في ماركو تحتاج أكثر من هاته التمارين الغير احترافية.

تحتاج شخصاً يعرف كيف يصقلها.

بعد ان سأل عن شخص يعلم القتال سمع في المصنع عن رجل يعيش في الحي الشرقي من ناراكا.

بحار قديم أمضى سنوات في البحار قبل أن يستقر هنا، يعلم فنون القتال لمن يدفع.

ليس معلماً بالمعنى التقليدي.

لكنه يعرف ما يفعله.

في أحد مساءاته وجده بابلو في حانة صغيرة.

رجل في الخمسينات بجسد لا يزال يحمل آثار سنوات من التدريب رغم العمر، ندوب على يديه وعيون تقيّم كل شخص يدخل.

جلس بابلو أمامه بدون مقدمات كثيرة.

"أريدك أن تدرب شخصاً."

نظر إليه الرجل.

"كم عمرك؟"

"أربعة عشر."

"وتريد أن تدرب شخصاً."

"نعم."

"من؟"

"صديق. ثمانية عشر. قوة غير عادية لكنها خام تماماً."

نظر إليه الرجل بعيون تقيّم.

"ولماذا لا يأتي هو بنفسه؟"

"هذا ليس شيء يهمك، كل ما يجب أن تهتم به هو راتبك."

صمت الرجل لحظة.

ثم سأل عن الرسوم وقالها برقم لم يكن صغيراً.

لم يتردد بابلو.

"حسناً."

---

حين أخبر ماركو في المساء توقف ماركو عن الأكل للمرة الثانية في أيام قليلة.

نظر لبابلو بعيون مختلطة المشاعر.

"أنت تدفع رسوم تدريبي أيضاً؟"

"نعم."

"بابلو أنا—" توقف وأخرج نفساً. "أنت تدفع راتبي وتدفع تدريبي. هذا كثير جداً. لا أستطيع—"

"ماركو."

"لا أستطيع أن آخذ كل هذا منك بدون أن—"

"ماركو."

صمت.

"هذا استثمار. ليس هبة."

نظر إليه ماركو طويلاً.

في عيونه امتنان حقيقي وخجل بسيط وشيء يشبه القرار.

"حسناً." قالها بهدوء. "لكن يوماً ما سأرد كل هذا."

"أعرف."

2026/05/16 · 32 مشاهدة · 1197 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026