بعد أن حصل على الإذن من المدير لتحسين الدورية الليلة ترك رجل موثوقا يدعى كافور ليراقب النهار بدلا منه، وفي أول يوم من المناوبة الليلية وصل بابلو للمصنع حين كانت الشمس تغرب.
العمال النهاريون يغادرون والليليون يبدأون.
وجد المشرف الليلي، رجل في الأربعينات اسمه سيرو، واقفاً عند البوابة بوجه لا يخفي ما يشعر به.
نظر لبابلو بعيون ضيقة.
"أنا أعرف عملي."
"أعرف."
"لا أحتاج طفلاً يراقبني."
"لم أقل إنك لا تعرف عملك."
"إذاً لماذا أنت هنا؟"
نظر إليه بابلو بهدوء.
"هناك اشياء محددة طلب مني المدير القيام بها."
أدار ظهره ودخل المصنع.
---
في الأيام التالية وصلت لبابلو همهمات من هنا وهناك.
سيرو يتكلم مع العمال الليليين في الاستراحات.
"طفل يأتي ليعلمنا كيف نعمل."
"المدير يثق بالعمر والخبرة في هذا المصنع ليس في طفل صغير."
"سيفشل في أسبوع وسيعود لنهاره."
سمع بابلو كل هذا.
لم يرد على أي منه.
الكلام لا يرفع الأرقام.
---
في الأسبوع الأول لاحظ بابلو المشكلة الحقيقية في الدورية الليلية.
لم تكن مشكلة في الآلات ولا في الخطوط.
كانت مشكلة في الإيقاع.
العمال الليليون يعملون ببطء في أول الوردية ثم يتسارعون قليلاً قبل نهايتها ليبدو الإنتاج معقولاً.
لكن الإنتاج الحقيقي كان أقل بكثير مما يمكن.
نفس الطريقة التي استخدمها في النهار.
أولاً فرز العمال، من يعمل بجدية ومن يملأ الوقت.
ثانياً توزيع المهام بشكل مختلف، أثقل العمل في أول الوردية حين الطاقة عالية لا في آخرها.
ثالثاً وضع نقاط مراقبة على الخطوط كل ساعتين وتسجيل الإنتاج في كل نقطة.
لم يطلب من سيرو تغيير أي شيء مباشرة.
فقط بدأ يطبق ما يريده بهدوء.
سيرو يراقب بعيون ضيقة.
لكن الأرقام بدأت ترتفع.
يوماً بعد يوم.
---
**في الحي الشرقي**
كان معلم القتال يجلس على مقعد خشبي أمام ساحة تدريب صغيرة حين جاء ماركو في أول يوم.
نظر إليه من رأسه لقدميه.
لم يقل شيئاً لدقيقة كاملة.
ثم قال بصوت خشن:
"اضرب تلك الكيس."
أشار لكيس رمل معلق بحبل من سقف منخفض.
اقترب ماركو وضرب.
الكيس تأرجح بشكل عادي.
نظر المعلم.
"مجدداً. بكل قوتك."
ضرب ماركو بكل ما يملك.
انقطع الحبل.
وطار الكيس وارتطم بالجدار البعيد وتشقق الجدار.
صمت المعلم.
نظر للكيس على الأرض.
ثم نظر لماركو.
ثم للجدار.
أخرج نفساً بطيئاً وقام من مقعده.
"كم عمرك؟"
"ثمانية عشر."
"وكم تدربت من قبل؟"
"لم أتدرب قط."
مشى المعلم ببطء نحو الكيس الممزق ونظر إليه عن قرب.
الجدار خلف الكيس تشقق أيضاً.
لم يقل شيئاً للحظة طويلة.
ثم استدار لماركو بعيون لا تستطيع إخفاء ما تشعر به تماماً رغم صرامة وجهه.
"تعال."
---
في الأسبوع الأول علّمه المعلم الأساسيات.
كيف تقف.
كيف تتنفس قبل الضربة.
كيف تحرك وزنك من ساقيك لجسدك للذراع.
ماركو يسمع ويطبق.
وفي كل مرة يطبق كان المعلم يرى شيئاً لم يره في سنوات التعليم.
الضربة الصحيحة من ماركو كانت تجعل الجدار خلف الأكياس الرملية يرتجف.
في اليوم السابع حين علّمه كيف يضرب بتسلسل، ضربتان متتاليتان، أصبح ماركو يحطم الأكياس تماماً.
وقف المعلم ينظر للكيس الممزق.
ثم قال بصوت هادئ لكن ماركو رأى يده تمسك ذراعه بإحكام أكبر من المعتاد.
"غداً نبدأ التحكم."
"التحكم؟"
"القوة بدون تحكم هي فوضى. سنتعلم كيف تضرب بنصف قوتك ثم ربعها ثم عشرها."
نظر إليه ماركو.
"لماذا أضرب بأقل مما أملك؟"
"ستعرف من بعد."
---
في المساء حين يعود ماركو للغرفة قبل أن ينام كان يحكي لبابلو.
في اليوم الثالث:
"المعلم لا يتكلم كثيراً. لكنه حين أضرب بشكل صحيح يومئ برأسه. مرة واحدة فقط. لكنها تكفي."
في اليوم السابع:
"حطمت كيسين اليوم. المعلم نظر لهما ثم نظر لي ثم قال ابتعد عن الجدار حين تضرب." ضحك ماركو قليلاً. "أعتقد أنه يخشى على الجدار."
في اليوم العاشر:
"بدأنا التحكم اليوم. أصعب مما توقعت. ضرب بنصف القوة يعني أن عقلك يقاوم جسدك. لكن المعلم قال إن هذا هو الفرق الحقيقي."
بابلو يسمع كل هذا بعيون هادئة.
لكنه يسمع كل كلمة.
ويحسب.
---
في الأسبوع الثاني من المناوبة الليلية أخذ بابلو قراراً بشأن شيء يفكر فيه منذ أصبح مسؤولا.
الاختلاس
اذا كان مسؤولا فعليه الاستفادة من هذا اقصى ما يمكن.
في سجلات المصنع كان اسم الشخصين الآخرين غير جوردو لا يزالان مسجلَّين كعاملَين.
حضورهما مسجل.
لكنهما لا يأتيان.
ولن يأتيا.
بابلو هو من يوقع على الحضور.
وبابلو هو من سيستلم الرواتب نيابةً عنهما.
لم يكن الأمر معقداً.
لكنه أخذ احتياطاته.
الاسمان في منتصف قائمة طويلة من العمال.
لا أحد يقرأ كل اسم في قائمة من خمسين شخصاً.
وحضورهما يُسجل في أوقات مختلفة كل يوم حتى لا يبدو نمطاً واضحاً.
يعرف أنه من الصعب اكتشافه.
لكن الصعب ليس المستحيل.
وهو يتصرف على هذا الأساس.
أما جوردو فكان الأمر مختلفاً.
جوردو معروف في المصنع، وجهه مألوف وغيابه سيُلاحظ.
في اليوم التالي من طرده كان أخبر المدير.
"جوردو لم يعد مناسباً. طردته."
نظر إليه المدير.
"جوردو يعمل هنا منذ سنوات."
"إنه شخص كسول ويسمم بيئة العمل."
صمت المدير لحظة ثم أومأ.
"أنت المسؤول عن قسمك."
لم يسأل عن الاثنين الآخرين.
ولن يسأل.
---
في اليوم العاشر من المناوبة الليلية جلس بابلو في مكتبه الصغير مع أوراق الإنتاج.
الأرقام أمامه.
الدورية الليلية وصلت لنفس مستوى النهارية.
ليس تقريباً.
بالضبط.
أغلق الأوراق وقام.
---
في مكتب المدير وضع بابلو التقرير على الطاولة.
قرأه المدير ببطء.
صفحة أولى.
ثانية.
ثالثة.
ثم وضعه على الطاولة ونظر لبابلو.
"عشرة أيام."
"نعم."
"لجعل الليل مثل النهار."
"قلت إنني سأنجح."
صمت المدير طويلاً.
ثم قال:
"من الآن أنت مسؤول عن الدوريتين معاً."
"شكراً."
"سيرو سيقدم لك تقريراً أسبوعياً."
"أعرف ما أحتاجه في التقرير. سأخبره."
"وأنت ستقدم لي تقريراً شهرياً."
"مرة واحدة في الشهر."
أومأ المدير.
مد يده.
أمسكها بابلو.
"لا أعرف من أين جئت يا بابلو." قال المدير وهو يصافحه. "لكنك لست طفلاً عادياً."
لم يرد.
فقط أومأ وخرج.
---
في الممر توقف لثانية.
مسؤول عن الدوريتين.
تقرير شهري للمدير.
وسيرو يقدم له تقارير أسبوعية.
في أربعة أشهر ونصف وصل لهنا.
لكن الطريق لا يزال طويلاً.
أكمل سيره.