بعد أيام من البحث المتواصل في غابات سوربيت، عاد ماركو إلى بابلو بوجه مختلف. كان هناك شيء في عينيه، شيء يشبه الإثارة.
"وجدت شيئاً."
نظر بابلو إليه. "ماذا؟"
"كهف. ضخم جداً. في جبل في وسط الجزيرة. تعال وانظر بنفسك."
لم يضيع بابلو وقتاً. تبعه هو وبعض الرجال عبر الغابات الكثيفة. ساروا لساعات. الأشجار كانت طويلة، تمنع أشعة الشمس من الوصول إلى الأرض. الهواء كان رطباً. رائحة التراب والأوراق المتعفنة كانت تملأ المكان.
ثم وصلوا.
وقف بابلو أمام الجبل. لم يكن جبلاً عادياً. كان ارتفاعه يعادل مباني عدة، ومغطى بالكامل بالأشجار والزواحف الخضراء، وكأن الطبيعة ابتلعته. من الخارج، لم يكن أحد ليعلم بوجود كهف هنا. لكن ماركو اكتشف فجوة صغيرة خلف شلال ماء رقيق، تخفي مدخلاً ضيقاً.
دخلوا واحداً تلو الآخر.
الداخل كان مختلفاً تماماً.
اتسع المكان بشكل مذهل. سقف الكهف كان مرتفعاً جداً، يكاد لا تراه العين في الظلام. اتساعه كان هائلاً، يكفي لاستيعاب مئات الأشخاص، بل وآلاف. الصخور كانت طبيعية، تشكلت عبر آلاف السنين لتخلق أعمدة ضخمة تسند السقف. الهواء كان بارداً، لكنه كان نقيّاً. لم تكن هناك رائحة عفن أو رطوبة زائدة. علامات على وجود فتحات تهوية طبيعية في أعلى الكهف، تسمح للهواء بالدوران.
وفي الجزء الخلفي من الكهف، سمع بابلو صوتاً خفيفاً. مشى نحوه. كانت طبقات الصخور تنحدر قليلاً لتكشف عن نهر صغير يتدفق من داخل الجبل. الماء كان صافياً وبارداً. كان يجري بهدوء ثم يخرج من فتحة ضيقة في الجدار الآخر، متجهاً نحو الأسفل، نحو الميناء.
نظر بابلو إلى ماركو. لم يقل شيئاً. لكن عينيه كانتا تتحدثان.
"هنا." قال أخيراً. "سيكون مقرنا."
خرجوا من الكهف. بابلو وقف أمام الجبل. كان مخفياً تماماً. لا أحد سيجده. لا أحد سيعلم بوجودهم هنا.
"هذا المكان مثالي. قريب من الميناء عبر النهر. ومخفي عن الجميع. سنبدأ في تجهيزه فوراً."
رجاله بدأوا في نقل المؤن والسلاح إلى داخل الكهف. صناديق خشبية، براميل ماء، أسلحة، ذخيرة. كل شيء كان يختفي في باطن الجبل. في غضون أيام، أصبح الكهف مقراً صالحاً للعيش. أقسام محددة: منطقة للنوم، منطقة لتخزين الطعام، منطقة للأسلحة، وغرفة صغيرة يستخدمها بابلو كغرفة قيادة.
عائلة بابلو كان لها موطئ قدم في سوربيت.
---
بينما كان الرجال يستقرون في المقر الجديد، ركز بابلو على الهدف الأهم: مصدر دخل. بدون مال، لا يمكنه البقاء هنا. بدون مال، لا يمكنه التوسع. بدون مال، سيضطر للعودة إلى ناراكا خالي الوفاض.
بدأ بجولة جديدة في الجنوب. لكن هذه المرة، لم يكن يتجول فقط. كان يبحث عن فرصة.
كل من تحدث إليه كان يقول نفس الشيء: الأعشاب. الأعشاب هي ثروة سوربيت. هي السبب الوحيد الذي جعل هذه المملكة الصغيرة تنضم إلى حكومة العالم. هي السبب الوحيد الذي جعلهم يستطيعون دفع الجزية السماوية.
بابلو عرف ما يجب فعله.
قرر مزاحمة العائلة الملكية والنبلاء في تجارة الأعشاب. لم يكن يريد احتكارها. فقط كان يريد جزءاً منها. جزءاً يكفيه لتأسيس وجوده هنا.
ذهب إلى أحد الفلاحين في الحقول. كان رجلاً عجوزاً، ظهره منحني، يداه مجعدتان، ساقاه بالكاد تحملانه. كان يحصد حشائش خضراء بعناية فائقة.
"أريد شراء محصولك." قال بابلو مباشرة.
توقف الرجل. نظر إلى بابلو بعيون خائفة. نظر حوله ليرى إذا كان أحد يستمع. ثم همس:
"لا أستطيع."
"لماذا؟"
"لأنه لا يسمح لنا... لا يسمح لنا ببيع حصادنا لأي أحد."
تقدم بابلو خطوة. صوته كان هادئاً، لكنه حاد.
"من يمنعك؟"
"العائلة المالكة... والنبلاء. هم من يشترون كل شيء. وهم من يحددون الثمن. نحن لا نملك حق بيع محصولنا لأي شخص آخر. هذا قانون. من يخالفه... يُعدم."
صمت بابلو.
لم يكن يتوقع أن يكون الوضع بهذا السوء. كان يعرف أن النبلاء يستغلون الفقراء. لكن أن يكون البيع محظوراً تماماً على الفقراء... هذا كان أبعد مما تخيل.
"كم يعطونك مقابل محصولك؟"
الرجل أخفض عينيه. "لا شيء تقريباً. ما يكفي لدفع الضرائب و لشراء الخبز فقط. لا أكثر."
نظر بابلو إلى الحقل الشاسع. إلى الأعشاب الثمينة التي كانت تنمو فيه. إلى الرجل العجوز الذي كان يعمل طوال حياته ليجني فتاتاً.
هذا هو القانون.
قانون يحمي الأغنياء ويسحق الفقراء.
قانون جعل بابلو غاضباً لأول مرة منذ وقت طويل.
شكر الرجل. ترك بعض العملات في يده دون أن يراه أحد. ثم عاد إلى مقره.
---
في كهفه، جلس بابلو مع ماركو وشيغو. أوقدوا ناراً صغيرة. الظلال كانت ترقص على جدران الكهف.
"الطريقة القانونية لا تجدي." قال بابلو. "النبلاء يحتكرون كل شيء. الفقراء لا يسمح لهم ببيع محصولهم لأي شخص غيرهم. وهذا هو السبب في أنهم يبقون فقراء."
ماركو نظر إليه. "إذاً ماذا سنفعل؟"
"سنذهب إلى الطريقة التي نعرفها."
شيغو رفع حاجبه. "سرقة؟"
"سرقة." قال بابلو ببساطة. "سنضرب قافلة. نقتل كل الحراس. لا نترك شهوداً. لا أثر لنا."
نظر ماركو إليه. "أليس هذا خطراً؟ جيش قوامه ستة آلاف جندي سيبحث عنا."
"لن يعرفوا من فعلها. ستختفي القافلة في الليل. الحراس لن يعودوا. البضاعة ستختفي. سيبقى اللغز. سيخافون. سيرسلون حراساً أكثر. لكنهم لن يعرفوا من يهددهم."
شيغو ابتسم. "هذه هي طريقتك."
"لا أريد أن يعرفوا أنني موجود. أريد أن يتساءلوا. أريد أن يخافوا من شبح لا يرونه."
فتح خريطة سوربيت على الأرض. أشار إلى طريق يمر بين الحقول والمستودعات.
"هذا هو الطريق الذي يستخدمه النبلاء لنقل الأعشاب من الجنوب إلى الشمال. العربات محملة بالمحاصيل. الحراس قليلون. هؤلاء النبلاء يعتقدون أن خوفهم كافٍ لحماية بضائعهم."
"لقد أخطأوا."
بابلو بدأ يشرح خطته.
"سنضرب أول قافلة نراها. نقتل كل من فيها. لا نترك أحداً. نأخذ البضاعة ونختفي."
"لكننا لا نستطيع بيع الأعشاب بأنفسنا." قال شيغو. "القانون يمنع ذلك."
"لن نبيعها في سوربيت. سنرسلها إلى ناراكا. هناك، لا أحد يهتم بقوانين سوربيت."
أخرج بابلو حلزون الدن دن موشي من جيبه.
"سنستعين بارثر. سيجهز مهربين من ناراكا. سيرسلهم إلى هنا. سنسلمهم الأعشاب وهم سيتولون تهريبها خارج المملكة وبيعها. الأرباح ستقسم بيننا وبينهم."
"أخبر آرثر أن يرسل رجالاً موثوقين. أريد مهربين يعرفون كيف يتحركون في الظلام."
اتصل بابلو بارثر. أعطاه التعليمات. آرثر وعد بتجهيز كل شيء خلال أسبوع.
أغلق بابلو الخط. نظر إلى ماركو وشيغو.
"الآن، ننتظر القافلة الأولى."
---
في الأيام التالية، كان رجال بابلو ينتشرون في الطرقات بين الجنوب والشمال. يراقبون. يسجلون. ينتظرون.
لم يمض وقت طويل قبل أن تأتي الأخبار.
"قافلة قادمة. ست عربات. عشرون حارساً. بضاعة كثيرة."
بابلو جمع رجاله في الكهف. شرح لهم الخطة.
"سنضرب في منتصف الطريق. حيث الغابة كثيفة. هناك نقطة عمياء، لا يستطيع الحراس رؤية القادمين من بعيد."
توقف. نظر في وجوههم واحداً واحداً.
"لا نترك شهوداً. كل من في القافلة يموت. الحراس، السائقون، أي شخص هناك. لا نريد أن يعرف أحد أننا هنا."
الرجال نظروا إلى بعضهم. بعضهم كان قد قتل من قبل. بعضهم لم يفعل بعد. لكن لا أحد اعترض.
"بعد الانتهاء، نأخذ البضاعة وننقلها إلى النهر. من هناك، بالقوارب الصغيرة، نصل بها إلى المقر. المهربون من ناراكا سيأتون بعد أيام. هم من سيتولون إخراجها من الجزيرة."
"وأخيراً..." نظر بابلو في وجوههم واحداً واحداً. "هذه أول عملية لنا في سوربيت. إذا نجحت، سيكون لنا موطئ قدم. إذا فشلت... فسنضطر إلى العودة إلى ناراكا ونبدأ من الصفر."
صمت للحظة.
"لا تخيبوا ظني."
خرج الرجال من الكهف خلف بابلو. كل واحد يعرف مهمته.
بابلو سار في مقدمة الرجال. عيناه ثابتتان. يده على مسدسه.
كان مستعداً.