في اليوم التالي لوصوله إلى مملكة سوربيت، قرر بابلو أن يستكشف الجزيرة بنفسه.
ترك ماركو وشيغو وبعض الرجال في الميناء لحراسة السفينة. لم يأخذ معه سوى اثنين من رجاله، وأمرهم بالبقاء في الخلف وعدم لفت الانتباه.
بدأ جولته في النصف الشمالي من المملكة.
هنا الأمور كانت جيدة المباني كانت جميلة، مطلية بألوان فاتحة، ونوافذها زجاجية لامعة. الشوارع كانت نظيفة، مرصوفة بالحجارة الملساء. لم يرَ بابلو أي قمامة في الطرقات، ولا أي رائحة كريهة. الناس كانوا يرتدون ملابس نظيفة، يمشون بخطى واثقة. أطفال يلعبون في الحدائق الصغيرة. محلات مفتوحة، بضاعة معروضة بشكل جذاب.
كانت افضل منطقة رآها بابلو منذ قدومه لهذا العالم.
هنا، في الشمال، عاش الأغنياء. الأمن كان موجوداً. النظام كان واضحاً.
بابلو لم يندهش. كان يعرف ما يقع في هذه المملكة.
توقف عند بائع طعام في زاوية شارع مزدحم. اشترى قطعة خبز بالجبن، وبدأ يأكل وهو واقف. البائع كان رجلاً في الخمسينات، وجهه ممتلئ، وابتسامته دائمة.
"غريب؟" سأل البائع.
"جديد في الجزيرة." رد بابلو بهدوء.
"عمل؟ سياحة؟"
"سياحة."
أخذ لقمة من خبزه. ثم سأل:
"سوربيت كبيرة؟ كم عدد سكانها؟"
البائع هز رأسه. " لسنا مملكة كبيرة عدد السكان حوالي الثمانين ألفاً. حوالي الخمسين ألفا تعيش هنا في الشمال...والبقية... في الجنوب."
"والجيش؟"
"ستة آلاف جندي. كلهم في الشمال أيضاً. الجنوب لا يحتاج إلى جيش..." ضحك ضحكة صغيرة. "لا أحد هناك يملك شيئاً يستحق الحماية."
بابلو أومأ. "وبماذا تشتهر الجزيرة؟"
"الأعشاب." قال البائع بعينين لامعتين. "أعشاب نادرة. تستخدم للأدوية. غالية جداً. أؤكد لك، بدون هذه الأعشاب، ما كنا لنستطيع دفع الجزية السماوية. وما كنا لننضم إلى حكومة العالم."
الجزية السماوية. بابلو عرف هذا المصطلح جيداً. المال الذي تدفعه الدول الأعضاء في حكومة العالم مقابل الحماية. والشيء الذي جعل مملكة صغيرة مثل هذه تستطيع الانضمام للحكومة هو وجود بعض الاعشاب النادرة الغالية.
شكر بابلو البائع. ترك بعض العملات على الطاولة. وواصل طريقه.
وبعد ساعات من التجوال في الشمال، قرر بابلو أن يرى النصف الجنوبي.
لم يكن بحاجة إلى خريطة. كان يكفي أن يسير جنوباً.
تغير المشهد تدريجياً.
الشوارع المرصوفة اختفت، وحل محلها طرق ترابية مليئة بالحفر. المباني الجميلة تحولت إلى أكواخ خشبية متواضعة. النوافذ لم تكن تحتوي على زجاج، فقط فتحات مغطاة بقطع قماش بالية.
الأمن هنا كان معدوماً. لم يرَ بابلو أي جندي في الشوارع. لم يرَ أي شرطي. فقط الناس العاديون.
البيوت مهترئة، الجدران متشققة، الأسقف مثقوبة. الرائحة كانت مختلفة. رائحة التراب، العرق، والأعشاب الجافة.
والأغرب...
رجال ونساء في سن متقدمة، كانوا يعملون في الحقول. ظهورهم منحنية. أيديهم مجعدة. بعضهم كان بالكاد يستطيع المشي، لكنه كان لا يزال يعمل. يزرعون. يحصدون. ينقلون المحاصيل.
بابلو وقف على تلة صغيرة تطل على أحد الحقول. رأى عجوزاً يحمل سلة ثقيلة على ظهره. كان يكاد يسقط تحت ثقلها.
هذا هو الجنوب. هذا هو وجه سوربيت الحقيقي.
لم يقل شيئاً. فقط وقف. نظر.
كان يعرف أن هذا سيحدث. لكن رؤيته بعينيه كانت مختلفة.
---
عاد بابلو إلى الميناء في المساء. الشمس بدأت تميل نحو المغيب. رجاله كانوا ينتظرونه.
دعا ماركو وشيغو إلى جانب السفينة.
"سنبقى جميعاً هنا. لا أحد يعود إلى ناراكا."
نظر ماركو إليه. "كم من الوقت سنبقى؟"
"سنقضي مدة طويلة هنا. سأرسل رسالة إلى آرثر وإيدو لإعلامهما بذلك."
"وماذا عن العائلة في ناراكا؟"
"آرثر وإيدو يديران الأمور. هم قادرون على تدبر أمرهم، إن وقع أي طارئ سأرسل أحدكما."
أومأ ماركو. "وما هي خطتنا هنا؟"
بابلو نظر نحو الجنوب.
"أولاً: أريد مقراً لنا. مكاناً آمناً في الغابة. أرسل الرجال للبحث عن مكان مناسب."
" هذه ليست زيارة قصيرة. هذه بداية وجودنا في سوربيت."
"وماذا سنفعل هنا؟" سأل شيغو.
"في البداية سنبحث عن مصدر دخل. أي شيء. تجارة. حماية. أعشاب. نحتاج إلى موطئ قدم في هذه المملكة. إذا أردنا البقاء هنا، يجب أن يكون لنا وجود حقيقي."
شيغو لم يضف شيئاً. فقط أومأ.
بابلو أعطى أوامره. بعض الرجال توجهوا إلى الغابة للبحث عن موقع مناسب لمقر مؤقت. آخرون بدأوا في تفريغ السفينة من المؤن والسلاح. والباقون انتشروا بحثا تحت أوامر بابلو بحثا عن شيء يفيد بابلو.
كل من كان على متن "الرياح السوداء" سيبقى. السفينة لن تعود إلى ناراكا حتى يأمر بابلو بذلك.
---
في تلك الليلة، جلس بابلو وحده في غرفته الصغيرة في السفينة. كان يفكر.
على الطاولة أمامه، خريطة سوربيت. كان ينظر إلى الجنوب.
كان يعرف أن الوقت ليس في صفه.
لديه حوالي سنة. أو اكثر بقليل.
بعد حوالي سنة، الملك بيكوري سيعلن قراره بتحويل سكان الجنوب إلى عبيد. سيحاول تخفيض قيمة الجزية السماوية عن طريق تقليل عدد المواطنين الأحرار.
وقتها، سيتدخل الجيش الثوري. سيحررون العبيد. سينقذون من يستطيعون إنقاذهم. وسيطيحون بالملك.
والأهم من كل هذا هو أن كوما وجيني سينضمون لهم.
إذا حدث هذا، سيخسر بابلو كل شيء. لن يكون قادراً على إقناع كوما وجيني بالانضمام إليه بعد أن يصبحا جزءاً من الجيش الثوري. الثوار سيكونون قد سبقوه.
إذا أراد كوما وجيني، عليه أن يتحرك بسرعة. عليه أن يكون أقوى من الملك بيكوري.
لديه حوالي سنة.
لبناء قوة تتحدى جيش قوامه 6000 جندي.