بعد مغادرة بابلو، بقيت الكنيسة هادئة. الضوء الخافت كان لا يزال يتسلل من النوافذ الزجاجية الملونة، لكنه بدا أغمق مما كان. كأن الألوان فقدت بريقها.
كوما كان لا يزال جالساً على كرسيه الضخم. جيني كانت واقفة بجانبه، ذراعها متقاطعة تحت صدرها. صمت طويل مر بينهما. كل منهما كان ينتظر الآخر ليبدأ.
جيني تحدثت أولاً.
"ماذا تعتقد؟"
كوما لم يرد فوراً. كان يفكر. عيناه العميقتان كانتا مثبتتين على الحائط المقابل، لكنه كان يرى ما هو أبعد منه.
"لا أعرف." قال أخيراً. صوته كان عميقاً، لكن فيه شيئاً من التعب. "هو ليس رجلاً عادياً."
"هذا واضح." قالت جيني بسرعة. "السؤال هو: هل هو رجل صادق؟"
"الصدق... مفهوم مطاطي." قال كوما. "قد يكون صادقاً في كراهيته للملك. قد يكون صادقاً في رغبته بإسقاط النظام. لكن هذا لا يعني أنه صادق معنا."
جيني أومأت. "لقد رأيت كيف كان ينظر إلي."
نظر كوما إليها. لم يقل شيئاً.
"ليس مهماً." قالت جيني بهدوء. "المهم هو: هل نصدق كلامه عن العبيد؟"
هنا توقف كوما. جسده الضخم تأرجح قليلاً. عيناه اشتعلتا مجدداً.
"لو كان ما قاله صحيحاً... لو كان بيكوري يخطط حقاً لتحويل سكان الجنوب إلى عبيد..." صوته أصبح كالرعد البعيد. "هذا لا يمكن أن يمر دون رد."
"لكن كيف نعرف أنه صحيح؟" سألت جيني. "كل ما نعرفه عن الرجل هو أنه قاتل قراصنة وسارق مستودعات. ليس لدينا أي سبب لثقته."
"لدينا." قال كوما. "ليس لدينا سبب لثقته. لكن لدينا سبب لخوفنا. العبيد يا جيني... أنت تعرفين ما يعنيه ذلك. ليس فقط العمل القسري. ليس فقط الضرب. العبودية في هذه المملكة تعني الموت البطيء. تعني أن الفقراء لن يموتوا من الجوع فقط. سيموتون وهم مقيدون بالسلاسل."
جيني تنهدت. جلست على مقعد خشبي قريب. يداها كانتا ترتجفان قليلاً.
"أنا أعرف." قالت. "أنا خائفة. خائفة عليك. خائفة على الجميع."
كوما مد يده الضخمة. وضعها برفق على كتفها. كانت يده بحجم صدرها تقريباً، لكن لمسها كان ناعماً كالريش.
"الخوف ليس عذراً للتقاعس." قال. "الخوف يجب أن يكون دافعاً للعمل."
رفعت جيني عينيها إليه. نظرت إلى وجهه الطويل، إلى عينيه الغائرتين، إلى ندوبه التي لم تختفِ.
"هل تريد أن نتعاون معه؟"
صمت كوما للحظة.
"لا أريد ذلك. لكن يبدو أنه الخيار الوحيد. من غير بابلو؟ هل سيثور الفقراء وحدهم؟ هل سيهاجمون القصر بالمناجل والمعاول؟ هم بحاجة إلى قائد. هم بحاجة إلى مال. هم بحاجة إلى أسلحة. بابلو يوفر كل هذا."
"بثمن؟"
"كل شيء له ثمن يا جيني. الفقراء سيدفعون الثمن بأرواحهم. لكنهم سيدفعونه على أي حال. الفرق هو: هل سيموتون وهم يحلمون بالحرية، أم سيموتون وهم يجرون الأغلال؟"
صمت طويل. جيني كانت تفكر. كوما كان ينتظر.
"إذا تعاونا معه..." قالت جيني ببطء. "يجب أن نضع حدوداً."
"وهو سيوافق." قال كوما. "يحتاجنا أكثر مما نحتاجه."
"كيف تعرف؟"
"لأنه جاء إلينا. لأنه طلب مساعدتنا. لأنه يعرف أننا لسنا مجرد سلاح. الفقراء يثقون بنا. إذا انضممنا إليه، سينضم إلينا آلاف."
جيني وقفت. مشت إلى النافذة. نظرت إلى الحقول الفقيرة الممتدة تحت التل.
"سأذهب إليه غداً." قالت. "سأخبره بقرارنا."
نظر كوما إليها. "هل تذكرين الموقع الذي اخبرك؟"
"نعم. الكهف في وسط الجزيرة. مدخل خلف شلال صغير. سأجده."
"خذي حذرك." قال كوما. "لا تثقيه تماماً."
"لن أثق." قالت جيني. "لكني سأستمع."
---
في نفس الوقت، في كهف بابلو، كان الاجتماع منعقداً.
بابلو جلس على كرسيه الحجري. ماركو على يمينه. شيغو على شماله.
"الجنوب يغلي." قال بابلو. "لكن الغليان وحده لا يكفي. نحتاج إلى شرارة. إلى شيء يشعل كل شيء دفعة واحدة."
ماركو نظر إليه. "ماذا تخطط؟"
"توزيع الأسلحة.سنوزع في البداية خمسمائة بندقية. ليست لكل أحد. فقط للشباب ذوي الدم الحار. أولئك الذين لن يترددوا في إطلاق النار عندما يحين الوقت."
شيغو حك لحيته. "خمسمائة بندقية.. هذا يعني خمسمائة مقاتل جدد."
"زائد رجالنا المئة. ستمائة مسلح. هذا ليس جيشاً، لكنه بداية."
"من سيختارهم؟" سأل ماركو.
"الأربعون رجلاً الذين يزرعون الفتنة في الجنوب. هم يعرفون الشباب. يعرفون من يستحق السلاح. سأرسل إليهم الأوامر الليلة."
أومأ ماركو. "سنبدأ فوراً."
بابلو وقف. مشى إلى خريطة سوربيت المعلقة على جدار الكهف. نظر إليها طويلاً.
"لكن هذا ليس كافياً." قال. "حتى مع خمسمائة مقاتل، لا نستطيع مواجهة جيش من آلاف الجنود في معركة مفتوحة. نحتاج إلى إضعافهم قبل أن نضرب."
"كيف؟" سأل شيغو.
بابلو أدار وجهه إليه. في عينيه كان هناك بريق بارد.
"سنضربهم حيث لا يتوقعون. في قلب عقر دارهم. سنقتل الأمير."
صمت في القاعة.
ماركو وشيغو نظرا إلى بعضهما.
"من هو ولي الأمير؟" سأل ماركو.
"الأمير ليون. نجل الملك بيكوري الوحيد. شاب في العشرينات، فاسد، متعجرف، لا يحبه أحد. لكنه محروس جيداً. قصره الخاص في شرق الشمال. حوالي مئة وثمانين جندياً يحرسونه."
"مئة وثمانون؟" شيغو رفع حاجبه. "هذا ليس بالأمر السهل."
"ليس سهلاً. لكنه سنفعلها. خاصة إذا استخدمنا غطاءً طبيعياً."
فهم ماركو. "عاصفة أخرى."
"عاصفة أكبر. سأستخدم كل قوتي. سأجعل السماء تمطر لساعات. سأجعل الرياح تعوي كالذئاب. الجنود لن يروا شيئاً. لن يسمعوا شيئاً."
"ومتى؟" سأل ماركو.
"خلال أيام. بعد أن نوزع الأسلحة. بعد أن تأتي جيني."
شيغو نظر إلى بابلو. "هل تعتقد أنها ستأتي؟"
"ستأتي." قال بابلو بثقة. "ليس لديها خيار."
عاد إلى كرسيه. جلس.
"الآن، تحركوا. لدينا الكثير من العمل."
خرج ماركو وشيغو من الكهف. بدأوا في تنفيذ الأوامر. بابلو بقي وحده.
نظر إلى الخريطة مجدداً. إلى قصر الأمير ليون.
ابتسم.
كان يعرف أن جيني ستأتي. كان يعرف أن الأسلحة ستصل إلى أيدي الشباب. كان يعرف أن العاصفة ستضرب قصر الأمير.
كل شيء كان يسير كما خطط.