في صباح اليوم التالي، سارت جيني وحدها عبر الغابة.

كانت السماء صافية، لكن رائحة المطر كانت في الهواء. أو ربما كانت فقط تتخيل ذلك. سارت بين الأشجار الطويلة، متتبعةً النهر الصغير الذي أخبرها عنه بابلو. الماء كان يتدفق بهدوء، يلامس الصخور بلطف.

بعد حوالي ساعة، سمعت صوت الماء يتغير. من خرير هادئ إلى هدير أعلى. تقدمت خطوات. ورأت الشلال.

كان صغيراً، لا يزيد ارتفاعه عن ثلاثة أمتار. لكن خلفه، كان هناك ظل. فجوة في الصخر.

توقفت. نظرت حولها. لا أحد. ثم تقدمت.

دخلت من خلف الشلال. الماء البارد رذاذ على وجهها. لكنه لم يبللها كثيراً.

الممر كان ضيقاً في البداية، ثم اتسع فجأة.

ووقعت عيناها على المشهد أمامها.

الكهف كان هائلاً.

سقفه كان مرتفعاً جداً، يكاد لا تراه العين في الظلام. أعمدة حجرية ضخمة كانت تشكل طبيعياً، كأنها أعمدة معبد قديم. على الجدران، كانت هناك مشاعل معلقة، تضيء المكان بضوء أصفر دافئ.

وفي وسط الكهف، كان هناك جيش صغير.

رجال يرتدون زياً موحداً تقريباً. ليسوا جنوداً نظاميين، لكن كان هناك نظام في حركتهم. بعضهم كان يمرن على استخدام السيوف. بعضهم كان ينظف بنادقه. بعضهم كان يتحدث مع رفاقه.

كانت هناك صناديق خشبية مكدسة إلى السقف. بنادق. سيوف. رصاص. مدافع صغيرة. وبارود. كان المشهد يفوق أي توقع كانت قد رسمته في مخيلتها.

جيني توقفت للحظة. لم تتوقع هذا. لم تتوقع أن يكون العدد بهذا الحجم. وأن يكون التنظيم بهذا المستوى.

اقترب منها أحد الرجال. كان وجهه صلباً، عيناه حادتان. لكنه لم يكن عدائياً.

"جيني؟"

"نعم."

"بابلو ينتظرك."

مشى أمامها عبر الكهف. مرت بجانب مجموعات من الرجال. كان بعضهم ينظر إليها. بعضهم كان يهمس. بعضهم كان يحاول ألا ينظر إلى جسدها المثير، لكنه يفشل. جسدها كان يلفت الأنظار حيثما ذهبت. خصرها النحيف وأردافها وصدرها الممتلئون كانوا يجعلون الرجال يحدقون فيها رغماً عنهم.

جيني تجاهلتهم. كانت معتادة على ذلك. تعلمت ألا تهتم.

أخيراً، وصلوا إلى نهاية الكهف. كانت هناك غرفة نصف مغلقة بستائر قماشية سميكة. بداخلها، طاولة خشبية كبيرة، عليها خريطة سوربيت. مصباح زيت كان يضيء المكان.

وخلف الطاولة، كان بابلو جالساً.

رفع رأسه عندما دخلت. نظر إليها. لم يقل شيئاً لثوانٍ. كان ينظر إلى وجهها. إلى شعرها الوردي المنسدل على كتفيها. إلى عينيها الكهرمانيتين. إلى شفتيها الممتلئتين. إلى جسدها الذي كانت ملابسها البسيطة لا تستطيع إخفاءه.

ابتسم ابتسامة بطيئة وواثقة.

"لقد جئتِ."

"لقد جئت." قالت جيني. لم تبتسم. وقفت بصلابة، ذراعاها متقاطعتان تحت صدرها.

"أين كوما؟"

"لم يأت. جئت وحدي."

نظر إليها بابلو للحظة. عيناه تجولتا في جسدها مرة أخرى. ثم قال:

"حسناً. ربما يكون هذا أفضل. كنت أتمنى أن أراكِ وحدكِ في النهاية."

رفعت جيني حاجباً واحداً. لم تعلق.

تابع بابلو، وهو يميل إلى الأمام قليلاً، كأنه يقترب منها بدون أن يتحرك فعلياً:

"هل تعلمين أنكِ أكثر جمالاً مما توقعت؟ حتى عندما رأيتكِ في الكنيسة، لم أستطع أن أصدق أن امرأة مثلكِ تعيش في هذا المكان الفقير."

لم تتحرك جيني. كانت تنظر إليه غير مهتمة. لكنه لم يتوقف.

"جسدكِ... لوحة أخرى. كل من يراكِ يعرف ذلك. أنا لست أعمى. خصركِ النحيف، و..." توقف للحظة، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة. "قوامكِ المثير. أعتقد أن الآلهة أرادت أن تجعلكِ فريدة."

هزت جيني رأسها و قالت:

"هل انتهيت؟ أنا لست هنا من أجل هذا."

ضحك بابلو ضحكة خفيفة. "أنتِ حادة. هذا يعجبني أكثر."

"بابلو. لقد جئت لأتكلم بجدية."

رفع يديه في إشارة استسلام هزلي. "حسناً. تكلمي بجدية. لكن اعلمي أنني لا أمزح ايضا. أنا معجب بكِ حقاً."

تجاهلت جيني كلماته. قالت:

"لقد ناقشنا أنا وكوما الأمر. قررنا أن نعطيك فرصة. لكن بشروط."

"ماهي؟"

"أولاً: سنبقى أنا وكوما في الخط الخلفي. لن نقتل أحداً. لا أنا ولا كوما. يمكننا المساعدة في العلاج، في الإخلاء، في التموين. لكننا لن نضع أيدينا على سلاح نقتل به."

بابلو أدار قلمه بين أصابعه. كان يفكر.

"مرفوض."

غصة في حلق جيني. "ماذا؟"

"كوما سيبقى في الخط الخلفي. سيعالج الجرحى. لن أطلب منه أن يقتل أحداً. لكن في حالة الطوارئ... في اللحظة التي قد نخسر فيها كل شيء... سأطلب منه أن يتدخل. ليس بالضرورة أن يقتل. لكنني سأطلب منه أن يستخدم قدرته لقلب موازين المعركة."

صمتت جيني للحظة. كانت تفكر. "وإذا رفض؟"

"إذا رفض في لحظة حاسمة، سأموت انا، سيموت رجالي، وستموتين أنتِ، وسيموت كوما، وسيصبح الفقراء عبيداً. هل تريدين هذا؟"

عضت جيني شفتها. "هذا ليس شرطاً."

"هذا واقع." قال بابلو بهدوء. "الحرب ليست نظيفة. إما أن تنجو، أو تموت. لا خيار ثالث."

تنهدت جيني بعمق. "سأخبر كوما. لكن لا أعدك بشيء."

"هذا كافٍ."

"الشرط الثاني: سنبقى حلفاء مستقلين. في الكنيسة. لا نريد أن ننضم إلى عائلتك. ولا نريد أن نعيش في كهف تحت الأرض."

وافق بابلو. "حسناً. لكنكِ... ستبقين هنا."

صعقت جيني. اتسعت عيناها. "ماذا؟!"

"لست بحاجة إلى كوما هنا. لكني بحاجة إليكِ. لديكِ موهبة. أنا أعرف ذلك. سمعت عن قدرتكِ في هذا المجال. لا تسألينني من أين أعلم هذا، ستبقين هنا، في المقر. سأوفر لكِ كل ما تحتاجينه. غرفة خاصة، طعام، ملابس، وأجهزة اتصال. ستتجسسين على اتصالات الملك وأعوانه. ستخترقين شبكاتهم. هذه هي مهمتكِ."

صدمت جيني. عيناها كانتا تحترقان. كيف عرف عن موهبتها، كانت تعرف أنه على حق. كانت موهبتها في التجسس كبيرة.

"ليس لدي خيار، صحيح؟"

نظر إليها بابلو بعينين ثاقبتين. ثم قال بهدوء:

"ليس لديكِ خيار. لكن صدقيني، ستعجبكِ الإقامة هنا. سأحرص على أن تكون غرفتك مريحة. وإذا احتجتِ أي شيء... أنا في الخدمة."

غمز لها.

جيني هزت رأسها. "أنت لا تستسلم، صحيح؟"

"أبداً. خاصة مع امرأة جميلة مثلكِ."

نظرت إلى الأرض للحظة. كانت تفكر في كوما. في ما وافقت عليه. في الثمن. ثم رفعت عينيها.

"حسناً. سأبقى."

ابتسم بابلو ابتسامة عريضة. وقف من خلف الطاولة واقترب منها خطوة. كان قريباً منها الآن. قالت:

"لا تقترب أكثر."

توقف. رفع يديه مجدداً. "كما تشائين. لكن اعلمي أنني سأنتظر."

أشار إلى أحد رجاله. "أعد غرفة لجيني. اجعلها مريحة."

أومأ الرجل وخرج.

جيني وقفت مكانها، ذراعها لا تزال متقاطعة. كانت تنظر إلى بابلو بعيون لا تظهر شيئاً. لكن في داخلها، كان البحر يضطرب.

---

في الليالي التالية، لم ينام الجنوب.

في قرية نائية على أطراف الحقول الفقيرة، كان حوالي ثلاثين شاباً مجتمعين في حظيرة مهجورة. كانوا يهمسون. بعضهم كان خائفاً. بعضهم كان متحمساً. بعضهم لم يكن يعرف لماذا هو هنا.

ثم دخل أحد رجال بابلو. كان أحد الأربعين الذين يزرعون الفتنة في الجنوب. عرفوه. كان يجلس معهم في الحقول، يتحدث معهم عن الظلم، عن الملك، عن الحرية.

لم يتكلم كثيراً هذه المرة. فتح صندوقاً خشبياً.

بنادق.

عيون الشباب اتسعت. لم يروا مثل هذه الأسلحة من قبل. لم يلمسوا بندقية في حياتهم. المعدن اللامع، الخشب المصقول، والرائحة القوية للبارود الجديد. كان المشهد سريالياً.

"هذه لكم." قال الرجل. "لكن ليس مجاناً. ستحاربون بها. ستقاتلون بها. لكنها ستجلب لكم الحرية."

ترددوا للحظة. نظر أحدهم إلى البندقية، ثم إلى يديه المرتعشتين، ثم إلى البندقية مجدداً.

تقدم أحدهم. شاب في العشرينات، عيناه كانتا تحترقان. أمسك بندقية. شعر بثقلها. كانت أثقل مما توقع، لكنها أعطته شعوراً بالقوة لم يشعر به من قبل. نظر إلى الرجل.

"متى؟"

"قريباً. استعدوا."

في قرية أخرى، كان مشهد مشابه. الشباب يتجمعون في الظلام، يهمسون بحماس. البنادق تنتقل من يد إلى يد، كأنها أماني.

وفي قرية ثالثة، كان أحدهم يبكي عندما أمسك بندقيته. لم يكن خائفاً. كان يبكي لأنه لم يصدق أن هذا يحدث. أن أحداً يمنحهم أسلحة لمحاربة الملك الظالم.

خمسمائة بندقية. خمسمائة شاب. خمسمائة ثائر جديد.

بعد توزيع الأسلحة، أخذ رجال بابلو هؤلاء الشباب إلى أطراف الغابة. أماكن بعيدة، لا يصل إليها صوت ولا ضوء. هناك، بدأوا في تدريبهم.

كيف تمسك البندقية. كيف تصوب. كيف تطلق. كيف تتعامل مع ارتداد الرصاصة.

بعضهم كان خائفاً من الصوت.

بعضهم كانت عيناه تدمعان من دخان البارود.

لكنهم استمروا. كانوا يعرفون أن هذه هي طريقتهم الوحيدة للحرية.

في غضون أيام، لم يعد هؤلاء الشباب فلاحين خائفين. أصبحوا مقاتلين. كانت أعينهم أكثر صلابة. كانت أيديهم أقل ارتجافاً.

الجنوب كان يتحول إلى بركان. ولم يعد هناك ما يمكن أن يوقفه.

---

بعد ساعات من لقائها مع بابلو، عادت للكنيسة ستوصل كلمات بابلو لكوما وستحضر بعض متعلقاتها.

وصلت إلى الكنيسة عند الظهيرة. كوما كان جالساً على مقعده الضخم، ينتظرها. كان يعرف أنها ستأتي.

نظر إليها. رأى التعب على وجهها. رأى أيضاً شيئاً آخر. شيئاً لم يكن موجوداً من قبل. حسم. ربما قبول.

"ماذا حدث؟" سأل بصوته العميق.

جلست جيني على مقعد خشبي قريب. أخبرته بكل شيء.

عن الكهف الهائل، بحجمه المدهش وأعمدته الحجرية الطبيعية.

عن الرجال، عددهم وتنظيمهم وانضباطهم. عن الأسلحة المكدسة إلى السقف. عن الصناديق التي لا تعد ولا تحصى.

وعن الشروط التي فرضها.

"وافقتِ؟" سأل كوما.

"كان علي. هو لا يطلب المساعدة. هو يفرضها. لكنه أيضاً الشخص الوحيد الذي يمكنه إيقاف بيكوري."

كوما كان صامتاً. كان يفكر. جسده الضخم لم يتحرك، لكن عينيه كانتا تعكسان عاصفة داخلية.

"سأبقى هنا." قال أخيراً. "سأعالج الجرحى. وفي حالات الطوارئ... سأتدخل."

جيني نظرت إليه. "أنت توافق؟"

"لدي نفس الخيار الذي كان لديكِ. لا خيار."

صمت طويل بينهما. الكنيسة كانت هادئة. الضوء الخافت كان يتسلل من النوافذ.

ثم قالت جيني: "الكهف منظم بشكل لا يصدق. الرجال مدربون. والأسلحة كثيرة. هو لا يمزح."

"كان هذا واضحاً منذ البداية."

بعد لحظات، وقفت جيني.

"يجب أن أعود. هناك عمل."

"كوني حذرة."

"سأكون."

جمعت بعض متعلقاتها وغادرت الكنيسة وعادت إلى الغابة. كوما بقي وحده.

كان يعرف أن الأيام القادمة ستكون الأصعب.

---

بعد ثلاثة أيام من زيارة جيني، كان القمر في ذروته. السماء كانت صافية.

بابلو وقف خارج الكهف. أمامه، كان ثمانون رجلاً مصطفين في صفوف. ماركو على يمينه. شيغو على شماله.

"الليلة، نضرب قلب الشمال." قال بابلو بصوت منخفض لكنه قطعي. "قصر الأمير ليون. مئة وثمانون جندياً. هدفنا: الأمير نفسه."

نظر في وجوههم. كانوا يعرفون المخاطرة. كانوا يعرفون أن بعضهم قد لا يعود. لكن لم يتراجع أحد.

"اتبعوني."

لم يشرح كيف سيتسللون. لم يقل من سيقودهم. فقط قال: اتبعوني.

الرجال نظروا إلى بعضهم. لكنهم لم يعترضوا. كانوا يثقون به.

"لا تترددوا. لا تتركوا شهوداً. لا تتركوا أثراً."

صمت للحظة.

"تحركوا."

انطلق الرجال كالسيل. ثمانون ظلاً يسيرون في الغابة تحت جنح الظلام.

بابلو كان في المقدمة. ماركو إلى جانبه.

ساروا لساعات. الغابة كانت مظلمة، لكنهم عرفوا الطريق. كانوا قد خططوا لكل شيء.

وبعد منتصف الليل بقليل، وصلوا.

من بعيد، رأوا قصر الأمير ليون.

كان مبنى أبيض كبيراً، محاطاً بجدار حجري مرتفع. على الأبراج، كان هناك حراس يحملون بنادقهم. في الساحات، جنود يتجولون ببطء. كانوا يبدون متعبين. كانوا يبدون غير منتبهين. لا أحد يتوقع هجوماً في هذه الساعة.

بدأ بابلو في استخدام قدرته.

الرجال لم ينتبهوا إليه. كانوا ينظرون إلى القصر، يستعدون للهجوم. لم يروا السماء تتغير.

بدأت تتغير.

الغيوم التي كانت خفيفة أصبحت كثيفة. سوداء. ثقيلة. تجمعت بسرعة غير طبيعية.

ثم هطل المطر.

ليس مطراً عادياً

. كان غزيراً، عنيفاً، كأن السماء تفتحت.

والرياح كانت قوية. تعوي بين المباني. ترفع الغبار. تكسر الأغصان. تجعل الرؤية شبه مستحيلة.

الجنود على الأبراج تشتتوا. بعضهم ركض تحت السقف. بعضهم تمسك بالجدران لئلا تطير به الرياح. لم يروا بابلو. لم يروا رجاله.

بابلو لم يقل شيئاً. لم يشرح.

2026/05/27 · 17 مشاهدة · 1700 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026