توقف بابلو عند حافة الغابة. خلفه، كان الثمانون رجلاً مصطفين في صمت تحت المطر الغزير. الرياح كانت تعوي بين الأشجار، تمزق أوراقها وتكسر أغصانها.

التفت إليهم. صوته كان هادئاً، لكنه قطع الرياح كالسكين.

"انتظروا هنا. لا تتحركوا. سأتصل بكم."

ماركو نظر إليه. "وحدك؟"

"وحدي."

لم يقل أكثر. انطلق كالظل، مختفياً بين قطرات المطر التي كانت تتساقط كالستار. ماركو وشيغو تبادلا نظرة قصيرة، لكن لم يعترض أحد. كانوا يعرفون أن بابلو لا يفعل شيئاً دون سبب.

---

وصل بابلو إلى سور القصر بعد دقائق من الركض في الوحل. كان السور مرتفعاً، نحو ثمانية أمتار، مبني من حجر رمادي صلد، تعلوه أسلاك شائكة صدأت من كثرة الأمطار. فوق السور، كان هناك ممشى للحراس، وأبراج صغيرة على زواياه الأربع، لكن الحراس كانوا مختبئين هذه الليلة.

تسلق بابلو السور بصمت. جسده المدرب تحرك بسهولة، كأنه يتسلق جدار غرفته لا سور قصر محصن. يده التحمت بحافة السور، ثم سحب نفسه للأعلى في حركة واحدة سلسة.

عندما وصل إلى القمة، توقف. انحنى. نظر.

تحت سقف حجري صغير، كان جنديان مختبئان. كانا يشربان من قارورة، يضحكان بصوت مرتفع، يلعنان العاصفة التي أجبرتهما على البقاء في هذا المكان البارد.

"أين ذهب كل الجنود؟" قال أحدهم.

ضحك الآخر.

بابلو كان يراقب.

الرياح كانت حوله. كانت قوية. كانت تنتظر.

الرياح تحركت. شفرة غير مرئية. قطعت رقبة الأول قبل أن يكمل ضحكته. ثم انحرفت بسرعة خاطفة، قطعت رقبة الثاني.

سقطا. لم يصرخا. لم يفه أحد بكلمة.

استمر بابلو في التحرك على السور. كان يزحف على بطنه أحياناً، يمشي منحنيًا أحياناً أخرى، يختبئ في ظل الأبراج. المطر كان يخفي صوته، والرياح كانت تخفي حركته. كلما رأى جندياً، كان يقتله.

شفرة رياح هنا. رصاصة صامتة من مسدسه هناك.

لم يشعر به أحد. لم يره أحد. كان شبحاً في ليلة عاصفة.

بعد قليل من الوقت، كان قد قتل اثنين وثلاثين جندياً على السور وحده. جثثهم كانت ملقاة حيث سقطوا، بعضهم تدحرج من السور إلى الأرض، وبعضهم بقي ممدداً على الممشى. الحراس الذين كانت مهمتهم حماية القصر من الخارج ماتوا جميعاً، ولم يطلق أحد منهم رصاصة واحدة.

---

نزل بابلو من السور إلى داخل القصر. قبل أن يخطو خطوة، توقف عند جثة أحد الجنود. خلع معطفه الأسود المبلل، وارتدى معطف الجندي الرمادي. كان لا يزال دافئاً من جسد صاحبه. أخذ قبعته. وضعها على رأسه، وسحبها إلى أسفل لتغطي نصف وجهه. في هذا الظلام، وتحت هذا المطر، بدا كأي جندي آخر.

تحرك في الساحة الداخلية للقصر. المطر كان لا يزال غزيراً، يخفي ملامحه، يبلل معطفه الجديد. الجنود الذين رآهم لم ينتبهوا إليه. كانوا يركضون من مكان إلى آخر، يحتمون من المطر، يلعنون العاصفة التي جاءت من لا مكان.

اقترب من البوابة الرئيسية للقصر. كان هناك ثلاثة جنود واقفين عند الباب الحديدي الكبير. كانوا يتحدثون بصوت مرتفع ليسمعوا بعضهم فوق صوت الرياح.

"هل رأيت هذا المطر؟ لم أرَ مثله في حياتي. السماء تمطر كأنها تريد أن تغرق العالم."

"ليذهب كل هذا المطر إلى الجحيم. أنا أريد العودة إلى عودتي. عندي نبيذ دافئ هناك."

"اسكت. لو سمعك القائد، لأبقاك هنا أسبوعاً كاملاً."

ضحكوا بتوتر. كانوا خائفين من العاصفة أكثر مما كانوا خائفين من عدو.

لم ينتبه أحد إلى بابلو وهو يقترب.

عندما أصبح على بعد أمتار قليلة، رفع يده تحت عباءته. ركز. لم يحتج إلى رفع مسدسه. الرياح كانت كافية.

شفرة واحدة. ثلاثية الانطلاق.

شقت الهواء. قطعت رقاب الثلاثة في لحظة واحدة. سقطوا. لم يصرخوا. لم يفهموا ما حدث حتى لحظة موتهم.

البوابة كانت مفتوحة الآن، لكن الأبواب الحديدية الكبيرة كانت مغلقة. كان يحتاج إلى فتحها ليدخل رجاله.

توقف بابلو. أخرج حلزون الدن دن موشي للاتصال بماركو.

"تحركوا الآن."

---

بعد اخد الاذن تحرك ماركو والبقية.

ساروا بسرعة تحت المطر. وصلوا إلى سور القصر. تسلقوه.

لم يواجهوا مقاومة. لم يكن هناك حراس على السور. الجثث كانت ملقاة، والدماء كانت تختلط بمياه الأمطار.

عندما وصلوا إلى البوابة الرئيسية، وجدوها نصف مفتوحة. بابلو كان واقفاً هناك، يرتدي معطف الجندي وقبعته. المطر كان ينهمر على وجهه، لكن عينيه كانتا ثابتتين.

"ادخلوا."

دخلوا. نظروا حولهم. رأوا جثثاً ملقاة على السور وفي الساحة. أكثر من خمسين جندياً. كلهم قتلوا برصاصة واحدة أو جرح نظيف. لم تكن هناك علامات على معركة. كانت مجزرة صامتة.

ماركو نظر إلى بابلو. "كل هؤلاء... وحدك؟"

"نحن نضيع الوقت. تحركوا."

لم يقل بابلو أكثر. لم يكن بحاجة إلى تفاخر. الأرقام كانت تتحدث عن نفسها.

قسم الفرق.

"أنا سآخذ ثلاثين رجلاً. سنتجه إلى البوابة الرئيسية للقصر من الداخل. سنضرب في الوجه."

"ماركو، أنت وخمسة وعشرون رجلاً. التفوا حول الجناح الأيمن. اقتل كل من تراه."

"شيغو، أنت وخمسة وعشرون رجلاً. التفوت حول الجناح الأيسر. اقتل كل من تراه."

"نضرب جميعاً في نفس الوقت. ليزرعوا الارتباك في قلوبهم."

أومأ ماركو. أومأ شيغو.

انطلقوا.

---

فتح بابلو الباب الحديدي الكبير الذي يؤدي إلى القاعة الرئيسية. كان هناك حوالي أربعين جندياً بداخلهم، بعضهم جالس على الكراسي، بعضهم واقف يتحدث، بعضهم يأكل. كانوا في حالة استرخاء. العاصفة بالخارج كانت تجعلهم يشعرون بالأمان. من يهاجم في ليلة مثل هذه؟

لم يتوقعوا أحداً.

بابلو رفع مسدسه. رصاصتان. جنديان سقطا قبل أن يفهموا ما حدث. كانا يتحدثان قبل لحظة، ثم أصبحا جثتين.

"الآن!"

رجاله الثلاثون اندفعوا من خلفه. بنادقهم أطلقت دفعة واحدة. صوت الطلقات كان كالرعد، اختلط برعد السماء. الرصاص ملأ المكان. الجنود كانوا غير مستعدين. بعضهم سقط قبل أن يلمس سلاحه. بعضهم ركض نحو أسلحتهم فسقط في منتصف الطريق. بعضهم صرخ دون أن يعرف ماذا يفعل.

في نفس اللحظة، سمعوا طلقات من الجهة اليمنى. ماركو ورجاله. ومن الجهة اليسرى. شيغو ورجاله.

الهجوم كان من ثلاث جهات في وقت واحد.

الجنود تشتتوا. لم يعرفوا أين يتجهون. كانوا يركضون يميناً ثم يساراً، يطلقون النار في كل اتجاه دون هدف. بعضهم أصاب بعضهم بالخطأ. صرخ أحدهم: "العدو من كل مكان!" وصرخ آخر: "لقد حاصرونا!"

في الطابق العلوي، سمع الأمير ليون الضجيج. كان جالساً في غرفته الفاخرة، يرتدي ثوب نوم حريري أرجواني، يشرب كأساً من النبيذ الأحمر. كان يستمتع بالعاصفة من نافذته، يشعر بالأمان في قصره المحصن.

توقف. أصغى.

طلقات نارية. صرخات. ارتطام أجساد بالأرض.

سقط كأسه من يده. النبيذ سال على السجادة الفارسية الثمينة.

"ما هذا؟! من يجرؤ؟!"

صرخ في حراسه. "اذهبوا! انظروا ماذا يحدث!"

الحراس الثلاثة الذين كانوا معه خرجوا مسرعين، سيوفهم مسلولة. لم يعودوا.

سقطوا على الدرج. رصاصات في صدورهم قبل أن يصلوا إلى الطابق الأرضي.

---

ماركو كان كالإعصار في الجناح الأيمن. لا سيف معه، لا بندقية. فقط قبضتاه. جندي رفع بندقيته ليطلق، لكن قبضة ماركو وصلت قبل الرصاصة. تحطمت أنفه، وطارت أسنانه، وسقط على الأرض كالجذع. جندي آخر حاول الطعن من الخلف. التفت ماركو بسرعة، أمسك بمعصمه، ولفه بقوة. سمع صوت تكسر العظام. الرجل صرخ ثم سكت.

شيغو كان في الجناح الأيسر. سيفه كان أهدأ، لكنه كان أسرع. كان يمشي ببطء بين الجنود، وسيفه يتحرك كأن له حياة خاصة. قطع. قطع. قطع. لم يهدر حركة واحدة. كل حركة كانت تقطع عنقاً أو ذراعاً أو ساقاً. لم يصرخ. لم يثر. فقط كان يمشي ويقطع، كأنه يحصد حقلاً من القمح.

لم يصبه أحد. لم يقترب منه أحد. الجنود كانوا يهربون منه قبل أن يصل إليهم.

بابلو كان في القاعة الرئيسية. مسدسه كان فارغاً الآن. رماه جانباً. أمسك بندقية من جندي سقط. واصل الإطلاق. كان يتحرك كالظل بين الرصاص. جسده المدرب كان يعرف أين يتجه قبل أن يفكر. تارة كان يختفي خلف عمود، وتارة كان يطلق من فوق طاولة مقلوبة.

الجنود كانوا يتساقطون حوله. لم يبق منهم سوى القليل. لكن بابلو لم يكن منتصراً بعد.

خسر ثلاثة عشر رجلاً. سقطوا في تبادل إطلاق النار. بعضهم سقط ويده على زناد بندقيته، بعضهم سقط دون أن يفهم كيف. جثثهم كانت ملقاة بين جثث الجنود، مختلطة بدمائهم.

---

في الطابق العلوي، كان الأمير ليون يرتجف. سمع طلقات نارية تقترب. سمع صرخات تتعالى. سمع خطوات على الدرج.

هرب إلى زاوية غرفته. أراد أن يختبئ تحت السرير، لكن كبريائه المزيف منعه. وقف خلف الستار، يرتجف كالورقة.

الباب فتح.

دخل بابلو. معطفه كان ممزقاً، وجهه ملطخاً بالدماء، لكن عينيه كانتا ثابتتين.

الأمير ليون كان شاباً في العشرينات، وجهه ناعم من سنوات الترف، لم تعرف يداه تعباً قط. عيناه الزرقاوان كانتا ممتلئتين بالدموع.

"ماذا... ماذا تريد؟ من أنت؟!"

اقترب بابلو منه. لم يقل شيئاً. كان يريد فقط إنهاء الأمر.

"هل تريد المال؟ سأعطيك أي مبلغ. أي شيء. فقط لا تقتلني." صوته كان متقطعاً، كأنه يختنق. "أتوسل إليك. أنا ولي العهد. أنا الأمير. إذا قتلتني، سيقتلك أبي. سيبحث عنك حتى نهاية العالم."

تقدم بابلو خطوة.

"أبي سيعطيك أي شيء تريده. أرض، مال، منصب. أي شيء. فقط اتركني حياً. أرجوك."

كان يبكي الآن. دموعه كانت تختلط بعرقه. كان منظراً مثيراً للشفقة. لكن بابلو لم يشعر بالشفقة.

رفع مسدسه. لم يكن فيه رصاص. أعاد تعبئته بسرعة. رصاصة واحدة.

صوب نحو رأس الأمير.

الأمير انهار على ركبتيه. "أرجوك... أرجوك..."

بابلو ضغط على الزناد.

سقط الأمير ليون على الأرض. لم يتحرك. دماؤه سالت على السجادة الفارسية، تلونت بالأحمر.

---

نزل بابلو الدرج. الساحة كانت مليئة بالجثث. الرائحة كانت كريهة: بارود، دم، وخوف. ماركو كان واقفاً في المنتصف، ينظر إلى القتلى. شيغو كان يمسح دماء سيفه بقطعة قماش.

"انتهى الأمر." قال بابلو.

"سننسحب. العاصفة ستبقى حتى الصباح. ستغطي انسحابنا."

تحت غطاء المطر والرياح، غادر رجال بابلو القصر. حملوا جرحاهم على أكتافهم. تركوا القتلى حيث سقطوا. لم يكن لديهم وقت لدفنهم، ولم يكن لديهم مكان. كانوا سيبقون هناك، شاهداً صامتاً على ما حدث.

قام رجال بابلو بتشويه وجوه الرجال الثلاثة عشر كي لا يتعرف عليهم أحد.

بابلو وقف عند بوابة القصر للمرة الأخيرة. نظر إلى الجثث الملقاة في الساحة. إلى النوافذ المكسورة. إلى الدماء التي كانت تختلط بمياه المطر وتجري في الباحات كالأنهار الصغيرة.

رفع نظره نحو السماء. ركز. كان متعباً. استخدام قدرته طوال هذه الساعات استنزفه كثيراً. لكنه احتاج إلى بضع ساعات أخرى.

أطاعته السماء. المطر ازداد غزارة. الرياح ازدادت قوة.

أدار ظهره للقصر. انطلق خلف رجاله.

العاصفة كانت تعوي من فوقهم.

بابلو لم يهتم. كان يفكر في الخطوة التالية. في رد فعل الملك. في الثورة القادمة.

كان يعرف أن هذه الليلة ستغير كل شيء.

-------------------------------------------------

Eid Mubarak

2026/05/27 · 28 مشاهدة · 1556 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026