في صباح اليوم التالي، كان قصر الملك بيكوري يعج بالحركة. النبلاء كانوا واقفين في صفوف، وجوههم شاحبة، عيونهم خائفة. ضباط الجيش كانوا خلفهم، يرتدون زيهم الرسمي، أيديهم مشدودة على سيوفهم.
على العرش، جلس الملك بيكوري. لم يكن كالمعتاد. لم يكن غاضباً فقط. كان محطماً.
قبل ساعات، وصل رسول من قصر الأمير ليون. قصره المحروس بأكثر من مئة جندي. قصر ولي العهد. قصر ابنه الوحيد.
الرسول كان يرتجف. لم يستطع النظر في عيني الملك.
"جلالة الملك... الأمير ليون... مات."
صمت القاعة بأكملها. لم يتنفس أحد. لم يتحرك أحد.
بيكوري وقف. لم يصرخ. لم يبكي. فقط نظر إلى الرسول بعيون جاحظة، حمراء، كأنها ستخرج من محاجرها.
"ماذا قلت؟"
"الأمير... قتل. الليلة الماضية. القصر هوجم. كل الحراس قتلوا. قرابة مئة وثمانين جندياً. والأمير..."
لم يكمل.
بيكوري انفجر.
"وااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!"
صرخ صرخة سمعها القصر بأكمله. سمعها الحراس على البوابات. جعلت الطيور تطير مذعورة من فوق الأسوار.
بدأ يحطم كل شيء حوله. رمى كأساً ذهبياً على الأرض فتحطم. أمسك بمصباح زيت من على الطاولة ودفعه بقوة فتحطم الزجاج وتطاير الزيت. قلب كرسيه الخشبي الثقيل كأنه ريشة. ركل الطاولة الكبيرة أمامه فانقلبت على جانبها.
"ابني! ابني الوحيد! ليون!"
سقط على ركبتيه. بكى. بكى بصوت مرتفع كالطفل. النبلاء نظروا إلى الأرض. لم يجرؤ أحد على النظر إليه. الضباط تصلبوا في أماكنهم.
ثم توقف فجأة. وقف. مسح دموعه بكمه. عيناه أصبحت زرقاء باردة كالثلج.
"سأجد من فعل هذا. سأجد كل من تورط في هذا. وسأقتلهم جميعاً. ليس فقط القاتل. كل من ساعد. كل من عرف. كل من سمع. سأقتلهم بيدي."
نظر إلى النبلاء. نظرة جعلتهم يرتجفون.
"سأعلن مكافأة مئة مليون بيلي لكل من يأتي بمعلومة تؤدي إلى القبض على قاتل ابني."
تقدم أحد النبلاء خطوة. كان رجلاً عجوزاً، بلحية بيضاء طويلة، يتكئ على عصا.
"جلالة الملك... هناك تقارير عن شباب في الجنوب يهمسون بالثورة. يتجمعون ليلاً. يتحدثون عن إسقاط التاج. ربما لهم علاقة بهذا."
نظر إليه بيكوري. "سأحرق الجنوب بأكمله إذا لزم الأمر. سأقتل كل رجل، وكل امرأة، وكل طفل هناك إذا كانوا متورطين. سأجعل من الجنوب مقبرة."
نظر إلى قائد جيشه. رجل ضخم الجثة، وجهه مليء بالندوب.
"خذ ثلاثمائة من أفضل جنودك. اذهب إلى الجنوب. اقتل كل من تشكون فيه. اقتل كل من يثير الشبهات. لا تحتاج إلى محاكمة. لا تحتاج إلى دليل. كل من يتحدث عن الثورة، اقتله. كل من يجتمع ليلاً، اقتله. كل من يملك سلاحاً، اقتله."
قائد الجيش أومأ. "كما تأمر يا جلالة الملك."
"وإذا وجدتم أي رابط بين هؤلاء وبين قتل ابني... أخبروني فوراً."
"سأفعل."
خرج قائد الجيش من القاعة. النبلاء تبعوه واحداً تلو الآخر، وهم يهمسون لبعضهم. القاعة أصبحت فارغة. بيكوري بقي وحده.
جلس على الأرض بين حطام الأثاث الذي كسره.
نظر إلى سقف القاعة.
"ليون... سأثأر لك. يا ابني العزيز."
---
في المقر، كانت جيني جالسة في غرفتها الصغيرة التي خصصها لها بابلو. كانت الغرفة بسيطة، لكنها كانت مريحة. سرير ناعم، طاولة خشبية، وكرسي مريح. لكن جيني لم تكن مهتمة بالراحة.
كانت تجلس أمام جهاز اتصال خاص، تستمع إلى محادثات النبلاء، تراقب تحركات النبلاء، وتتنصت على اتصالات القصر. موهبتها في التجسس كانت فطرية تقريباً. كانت تعرف أين تضع أذنها قبل أن يبدأ الحديث.
رن جهاز خاص. سمعت اتصال بين احدى النبلاؤ. بمجرد سماعها لحوارهم. عيناها اتسعتا.
ارتدت ملابسها.
ارتدت قميصاً أسود قصيراً جداً، بالكاد يغطي صدرها الممتلئ. كان القميص ضيقاً لدرجة أنه كان يرسم كل تفصيلة من جسدها. كان ينتهي قبل بطنها بعدة سنتيمترات، تاركاً بطنها الناعم والمنحوت مكشوفاً بالكامل. خصرها النحيف كان يبرز بشكل مذهل. ارتدت بنطالاً ضيقاً جداً من الجلد الأسود اللامع، كان يرسم أردافها المستديرة ويفصل عضلات فخذيها الطويلتين. شعرها الوردي الطويل كان منسدلاً على كتفيها، بعض خصلاته كانت تلامس قماش القميص القصير وتختفي تحته أحياناً.
كانت تعلم أنها جريئة. كانت تعلم أن بابلو سينظر إليها. بل كانت تتوقع ذلك.
لكنها لم تهتم.
خرجت من غرفتها. مشت عبر الممر. الرجال نظروا إليها. توقف بعضهم عن الحديث. بعضهم فتحوا أفواههم. بعضهم صفروا بصوت منخفض. تجاهلتهم تماماً. وصلت إلى غرفة بابلو.
لم تطرق. دخلت مباشرة.
بابلو كان جالساً خلف مكتبه، يقرأ تقارير قديمة. عندما دخلت، رفع رأسه.
توقفت عيناه عند وجهها. ثم انزلقت إلى رقبتها. إلى صدرها البارز الذي كان القميص القصير بالكاد يحتويه. إلى بطنها المكشوف الناعم المنحوت. إلى خصرها النحيف. إلى أردافها البارزة تحت البنطال الجلدي الضيق. إلى فخذيها الطويلتين.
ابتسم ابتسامة بطيئة وواثقة. وضع قلمه جانباً. استلقى على كرسيه، ووضع يديه خلف رأسه، وكأنه يستعد لعرض.
"جيني... أنتِ لم تخبريني أننا سنحتفل الليلة."
"لسنا نحتفل." قالت جيني ببرود.
"إذاً لماذا هذا الثوب؟ أتحاولين إغرائي؟"
"هذه ملابسي المعتادة."
"اتمنى ان ترتدي ملابس مثل هذه كل مرة، لكن البسيها لي وحدي فقط، سيجن جنون رجالي ان بقيت تتجولين بهذه الملابس حولهم."
"هذا يخصهم."
"لا، هذا يخصني أيضاً. كيف أتوقع منهم أن يقاتلوا وأنتِ تمرين أمامهم هكذا؟"
"هذه مشكلتك."
تجاهلت جيني كلماته. وقفت أمام مكتبه، ذراعها متقاطعتان تحت صدرها، مما زاد من بروزه. القميص القصير ارتفع قليلاً بهذه الحركة، وكشف عن المزيد من بطنها.
"لدي أخبار."
"أخبار؟ أم أتيتِ لتريني نفسكِ وأنا أدفع الثمن؟"
"بابلو."
"نعم، أسمع. لكن اعلمي أنني لا أستطيع التركيز وأنتِ بهذا الثوب. يمكنكِ الجلوس، أو على الأقل تغيير ملابسكِ. أو ربما..." توقف للحظة. "البقاء واقفة. هذا منظر جميل أيضاً."
"لن أغير ملابسي."
"إذاً سأتحدث إليكِ وأنا أتخيلكِ بدونها."
هزت جيني رأسها. "الملك بيكوري أعلن مكافأة مئة مليون بيلي على قاتل ابنه. وأرسل ثلاثمائة جندي إلى الجنوب. أوامرهم: قتل كل من يشتبه في تورطه."
تغيرت نظرات بابلو. لم يعد يغازل. أصبحت عيناه حادة. جلس مستقيماً على كرسيه.
"ثلاثمائة جندي؟"
"نعم. وأوامرهم قتل كل من يتحدث عن الثورة. كل من يجتمع ليلاً. كل من يملك سلاحاً."
صمت بابلو لثانية. كان يفكر. عيناه كانتا لا تزالان تتجهان أحياناً إلى جسدها رغماً عنه.
"شكراً يا جيني. هذه أخبار مهمة."
"لا تشكرني. فقط أكمل ما بدأته."
"سأكمل. لكن اسمحي لي أن أقول شيئاً..."
"ماذا؟"
"أنتِ بتلك الملابس وبذلك الخصر النحيف... تجعلين الرجل يفكر في أشياء لا علاقة لها بالثورة."
"هذا ليس شكري."
"هذه حقيقة."
توجه نحو جهاز الاتصال. بدأ يتصل بأحد رجاله الأربعين في الجنوب. جيني بقيت واقفة، ذراعها لا تزال متقاطعة. كانت تراقبه.
بابلو التفت إليها للحظة.
"لا تزالين واقفة؟"
"أنتظر."
"ماذا؟"
"لن تطلب مني البقاء. كالعادة."
ابتسم ابتسامة عريضة.
"ابقِ. لا تغادري أبداً. خصوصا بهذا الثوب."
لم تتحرك.
---
اتصل بابلو بأحد رجاله الأربعين. رجل كان يزرع الفتنة في إحدى قرى الجنوب.
"الجنود قادمون. ثلاثمائة. أوامرهم قتل كل من يشتبه في تورطه."
صمت الرجل للحظة. "ماذا نفعل؟"
"جهز الشباب. وزع عليهم الأسلحة المتبقية. عندما يبدأ الجنود في قتل الناس... هاجموهم. لا تبدأوا الهجوم أولاً. دعوهم يبدأون. ثم اضربوهم."
"ماذا عن الضحايا؟"
"لا يوجد ضحايا في هذه الحرب. الجميع اختاروا طرفاً. حتى أولئك الذين يصمتون اختاروا طرف المتفرج. لن ننتصر بالشفقة."
"سأخبر الباقين."
"أخبرهم. وقل لهم: الذين سيموتون اليوم سيموتون من أجل الحرية. الذين سيهربون سيعيشون عبيداً. الخيار لهم."
أغلق الخط.
نظر إلى جيني. كانت لا تزال واقفة، ذراعاها متقاطعتان. كانت جميلة بشكل لافت في هذا الضوء الخافت.
"أتيتِ بأخبار سيئة."
"الأخبار ليست سيئة. إنها حقيقية."
"ربما. لكن وجودكِ هنا يخفف وطأتها."
"أنت لا تتوقف، صحيح؟"
"أبداً. خاصة عندما تكونين أمامي بهذا الثوب. ألا تشعرين بالبرد؟ القميص قصير جداً."
"لا."
"إذاً لابد أن جسدك دافئ. هل لي أن أتأكد؟"
"لا."
"حسناً. سأصدقك."
هزت جيني رأسها. خرجت من الغرفة دون أن ترد. لكن قبل أن تغادر، سمعته يقول:
"غداً، نفس الثوب من فضلكِ."
أغلقت الباب بقوة.
ابتسم بابلو. ثم عاد إلى التفكير في الخطة.
---
نادى بابلو على ماركو وشيغو.
دخلا. وجوههما كانت جادة. كانا يعرفان أن بابلو لا يستدعيهما إلا لأمر مهم.
"ثلاثمائة جندي في طريقهم إلى الجنوب. أوامرهم قتل كل من يشتبه في تورطه."
ماركو تقدم خطوة. "ماذا تريد منا؟"
"خذوا الرجال. كل من تبقى. اذهبوا إلى الجنوب. ساعدوا الشباب. لا تدعوا الجنود يقتلونهم بسهولة."
"كم رجلاً سنأخذ؟"
"الخمسون الباقون. أنا سأبقى هنا."
نظر إليه شيغو. "وحدك؟"
"جيني معي. وهذا كافٍ."
لم يعلق شيغو. ماركو هز رأسه.
"تحركوا الآن. الجنود سيكونون هناك قبل الفجر."
خرج ماركو وشيغو. بابلو بقي وحده.
لم يشعر برغبة في الذهاب. لا يحتاج إلى ذلك. رجاله يعرفون ما يفعلون. وهو يحتاج إلى الراحة بعد ليلة القصر.
جلس على كرسيه. أغمض عينيه.
كان يعرف أن الأيام القادمة ستكون دامية.
لكنه كان مستعداً.
---
في الصباح الباكر، وصلت قافلة الجنود إلى أولى قرى الجنوب.
ثلاثمائة جندي. خيولهم متعبة. أسلحتهم لامعة تحت شمس الصباح الباهتة. كانوا متعبين من السفر طوال الليل. لكنهم كانوا جاهزين لتنفيذ أوامر الملك.
قائد الجيش كان رجلاً يدعى الجنرال فولكان. رجل ضخم الجثة، وجهه مليء بالندوب، عيناه صغيرتان وحادتان. أخرج سيفه وأشار إلى القرية الأولى.
"ابدؤوا."
الجنود انتشروا في الشوارع.
فتحوا الأبواب. دخلوا البيوت. أخرجوا الرجال إلى الشوارع.
لم يكن هناك تمييز. لم يكن هناك تحقيق. كل من بدا مشبوهاً، يُضرب. يُجر. يُقتل أحياناً.
في حارة ضيقة، رأى جنديان رجلاً في الثلاثينات، كان يخبئ سلاحاً قديماً تحت فراشه.
لم يسألوه لماذا. طعنوه بحرابهم. سقط الرجل على الأرض. زوجته صرخت. صفعوها حتى سكتت.
في ساحة القرية، جمع الجنود حوالي عشرين شاباً. كانوا من الذين يشاركون في الاجتماعات الليلية. كانوا من الذين تحدثوا عن الثورة. كانوا من الذين تدربوا على استخدام البنادق في الغابة.
لم يعطهم الجنرال فولكان فرصة للكلام.
"أعدموهم."
الرصاص دوّى. سقط الشباب الواحد تلو الآخر.
لكنهم لم يكونوا جميعاً. بعضهم كانوا قد رأوا الجنود من بعيد. اختبأوا في الغابة. حملوا بنادقهم. كانت أيديهم ترتجف. لكنهم كانوا مستعدين.
رجال بابلو كانوا معهم. وجهوهم. هدؤوهم.
"انتظروا... ليس الآن....."
"الآن...."
وبدأوا.
الرصاص انطلق من الغابة. أصاب الجنود. سقط ثلاثة جنود قبل أن يفهموا ما حدث.
الجنرال فولكان التفت نحو الغابة. صرخ:
"هناك! امسكوهم!"
الجنود اندفعوا نحو الغابة. لكنهم كانوا غير مستعدين. الشباب عرفوا الغابة أكثر منهم. اختبأوا خلف الأشجار، أطلقوا النار، تراجعوا إلى عمق الغابة.
المعركة الأولى في الجنوب بدأت.
لم تكن معركة منظمة. كانت فوضوياً. الرصاص يتطاير في كل اتجاه. صرخات الجرحى تعلو. أوامر الضباط تختلط بالصياح.
لكنها كانت بداية شيء لن يتوقف.
الدماء سالت على أرض الجنوب لأول مرة.
لكنها لن تكون الأخيرة.