لم تتوقف المدافع عن الزئير.

كانت الأرض تهتز تحت أقدام الجنود، والسماء تمطرهم حديداً وناراً. الكرات الحديدية كانت تمزق الصفوف كما يمزق الإعصار بيوت القش. الجندي كان يركض بجانب رفيقه، وفجأة لم يعد هناك رفيق. كان هناك فقط بقعة حمراء مكان وجوده.

فولكان كان يصرخ بأوامره، لكن صوته كان يضيع بين دوي الانفجارات وصراخ الجرحى.

"تقدموا! تقدموا! لا تتراجعوا!"

لكن الجنود لم يعودوا يسمعون. كانوا يسمعون فقط صوت الموت.

الصف الأول تلاشى بالكامل. الصف الثاني حاول التقدم، فتلاشى أيضاً. الصف الثالث توقف. بدأ الجنود يركضون إلى الخلف. كانت الخيول ترمي فرسانها وتدهس من يقف في طريقها.

فولكان نظر حوله. رأى جثث رجاله متناثرة. رأى الدماء تجري في جداول. رأى السماء ملبدة بالدخان الأسود. عرف أن المعركة انتهت قبل أن تبدأ.

لكنه لم يستطع التراجع. الملك سيقتله.

"أصرّوا! أصرّوا!"

لكن لم يبقَ من يصرّ.

وفجأة، توقفت المدافع.

صمت مخيف.

لم يفهم الجنود لماذا توقفت. ظنوا أن الثوار نفدت ذخيرتهم. بدأ بعضهم يرفع رأسه. بدأ بعضهم يتقدم خطوة.

ثم رأوه.

كوما.

كان يقف في وسط ساحة المعركة كجبل لا يتزعزع. كان طوله يقترب من سبعة أمتار، وجسده كان ككتلة من الصخر والعضلات. كان يمشي ببطء، لكن خطواته كانت تزلزل الأرض.

الجنود نظروا إليه. بعضهم فتح فمه. بعضهم أسقط سلاحه. بعضهم بدأ يركض في الاتجاه المعاكس.

"ما هذا؟!" صرخ أحدهم.

"إنه شيطان!" صرخ آخر.

أمر فولكان رجاله بإطلاق النار. أطلقوا رشقات كثيفة. الرصاص تطاير نحو كوما كالمطر.

لكنه لم يتوقف.

الرصاص ارتطم بجسده وتطاير كأنه حصى. بعضه اخترق ملابسه، لكنه لم يخترق جلده. كان جسده كالصخر، كالحديد.

"أطلقوا! أطلقوا!" صرخ فولكان، وصوته كان مبحوحاً.

أطلقوا مجدداً. ومجدداً. لكن النتيجة كانت نفسها.

كوما استمر في التقدم.

وعندما وصل إلى أول صف من الجنود، رفع يديه.

ودفع.

لم تكن ضربة. كانت موجة من القوة الخارقة. طار الجنود في الهواء كالدمى الممزقة. ارتطموا بالأرض، تحطمت عظامهم، وتوقفوا عن الحركة.

ثم تقدم أكثر. ودفع مجدداً.

كان كالإعصار البشري. كلما تقدم، سقط الجنود. كلما رفع يده، طارت الأجساد. لم يحتج إلى سلاح. جسده كان السلاح.

كوما وحده كان كافياً لتحويل المعركة إلى مجزرة.

وبعد كوما انطلق ألاف الثوار بأسلحتهم واشتبكوا مع الجنود.

---

بينما كان كوما يمزق الصفوف الأمامية، كان ماركو يضرب من الخلف.

كان قد تسلل مع مجموعته السريعة حول الجناح الأيسر، وانتظر حتى تورط الجيش الملكي في القتال. ثم انقض.

لم يكن لديه مدافع. لم يكن لديه أسلحة نارية. فقط قبضتيه. وجسده. وغضبه.

انقض على الجنود كالصاعقة. قبضته حطمت وجوههم قبل أن يروا وجهه. رجلاه أرسلت أجسادهم في الهواء. كان يتحرك بسرعة كبيرة، يضرب هنا وهناك، يسقط جندياً تلو الآخر.

"من أين أتى؟!" صرخ أحد الضباط.

لم يجد جواباً.

ماركو كان في كل مكان.

بحث عن فولكان. لم يجده في المقدمة. كان فولكان قد تراجع إلى الخلف، يحاول إعادة تنظيم جيشه. لكن ماركو رآه.

ركض نحوه. الجنود حاولوا إيقافه. سقطوا جميعاً.

وصل ماركو إلى فولكان.

نظر إليه الأخير بعيون مذعورة. عرف أن هذه هي نهايته.

"استسلم! سأعطيك—"

لم يكمل.

قبضة ماركو ارتطمت بوجهه كالصاعقة. تحطمت عظام وجنته. طارت أسنانه. سقط على الأرض كالجذع. لم يتحرك.

نظر ماركو إلى جثته لثانية. ثم انصرف ليكمل بقية الجنود.

---

عندما رأى الجنود أن قائدهم مات، وأن كوما لا يمكن إيقافه، وأن ماركو يذبحهم من الخلف، انهارت معنوياتهم تماماً.

ألقى بعضهم أسلحتهم. ركع البعض الآخر على الأرض رافعين أيديهم. البعض ركض نحو الغابات القريبة محاولاً الهرب.

الثوار كانوا يصرخون. كانوا يهتفون. كانوا يبكون من الفرحة.

"لقد انتصرنا!"

"النصر لنا!"

"عاشت الثورة! عاشت سوربيت الحرة!"

بابلو، في مقره البعيد، كان يستمع إلى التقارير عبر جهاز الاتصال. كان وجهه هادئاً، لكن قلبه كان ينبض بسرعة.

"كم خسائرنا؟" سأل.

"حوالي ثلاثمائة قتيل. ومئتا جريح." أجابه أحد الرجال.

"والخسائر الملكية؟"

"قتلنا حوالي سبعمائة. أسرنا ألف. والباقون فروا. فولكان مات على يد ماركو."

صمت بابلو للحظة.

"أحسنتم. ابدؤوا بجمع الأسرى. اعزلوا القادة عن الجنود العاديين."

"سيتم."

أغلق بابلو الخط.

نظر إلى جيني التي كانت واقفة بجانبه، تستمع إلى كل شيء. كانت عيناها تلمعان.

"انتهت المعركة." قال.

"انتهت." ردت.

صمت آخر.

ثم قال بابلو:

"هذه هي بداية النهاية للملك بيكوري."

---

في ساحة المعركة، كان المشهد مخيفاً.

الجثث كانت متناثرة في كل مكان. الدماء كانت تغطي التراب. الرائحة كانت كريهة: بارود، دم، وخوف.

الجنود الأسرى كانوا جالسين في حلقات، تحت حراسة الثوار. وجوههم شاحبة، عيونهم فارغة. كانوا يعلمون أن حياتهم تغيرت إلى الأبد.

كوما كان يتجول بين الثوار ويعالجهم باستخدام قدرته. كان يفكر. في الجنود الذين قتلهم. في الفقراء الذين أنقذهم. لكن هناك ابتسامة انتصار لا تفارقه.

ماركو كان يجلس على

صخرة، يمسح الدماء من على قبضتيه. كان متعباً، لكنه كان راضياً. لقد أنجز المهمة.

المعركة انتهت.

لكن الحرب لم تنته بعد.

الشمال لا يزال في قبضة الملك.

2026/05/28 · 18 مشاهدة · 732 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026