في صباح اليوم التالي لانتهاء توزيع المناصب، استدعى بابلو أحد رجاله الموثوقين. كان اسمه دارين. رجل في الأربعينات، صامت، فعال، لا يسأل كثيراً. كان من أوائل الذين انضموا إلى بابلو في ناراكا، وأثبت جدارته في المعارك. بعد الثورة، عينه بابلو كمساعد شخصي له. كان دارين هو الرجل الذي ينفذ المهام الحساسة دون تردد.

"دارين، عندي ثلاث مهام لك."

"أنا أسمع."

"أولاً: أريدك أن تستدعي كوما وجيني. أرسل أحد رفاقك إلى الكنيسة الجنوبية. أخبرهم أنني أريد رؤيتهم غداً."

"سيتم."

"ثانياً: أحصِ عدد القصور التي تخلى عنها النبلاء وهربوا. أريد رقماً دقيقاً."

"سأذهب بنفسي وأعدها."

"ثالثاً: أحصِ عدد الأراضي التي مات أصحابها من الفلاحين في الثورة. هذه المهمة قد تستغرق وقتاً. أرسل من يثق به لإنجازها."

أومأ دارين. خرج من الغرفة.

---

اتصل دارين بأحد رفاقه في الجنوب. "اذهب إلى الكنيسة. أخبر كوما وجيني أن بابلو يريد رؤيتهما غداً."

الرجل انطلق فوراً.

في الكنيسة الجنوبية، كان كوما جالساً على كرسيه الضخم. كان لا يزال يعالج المرضى، لكن عددهم كان أقل من المعتاد. الناس بدأوا يتحسنون. بدأوا يأملون.

جيني كانت إلى جانبه. كانت ترتدي ملابسها البسيطة، لكن عينيها كانتا تلمعان.

دخل الرسول. أخبرهما بالرسالة.

نظر كوما إلى جيني. نظرت إليه.

"غداً." قال كوما.

"غداً." ردت جيني.

لم يسألا لماذا. كانا يعرفان أن بابلو لا يستدعيهما بدون سبب.

---

في الوقت نفسه، ذهب دارين بنفسه لعد القصور. تجول في شوارع العاصمة وفي الضواحي. كان يحسب. كان يسجل.

عاد بعد ساعات. دخل إلى بابلو.

"أربعة وثلاثون قصراً. كلها خالية. النبلاء هربوا وتركوا كل شيء."

أومأ بابلو. "والأراضي؟"

"مازلنا نحصي. سيحتاج بضعة أيام. الفلاحون القتلى تركوا أراضيهم دون ورثة. سنحصل على أعداد كبيرة."

"جيد. استمر."

خرج دارين.

بابلو قرر أن يرى القصور بنفسه. خرج من القصر الملكي وتجول في العاصمة. رأى قصور النبلاء. كانت كبيرة. كانت جميلة. كانت فخمة.

لكنها لم تعجبه.

كلها كانت أقل من القصر الملكي. أقل فخامة. أقل موقعاً. أقل تاريخاً.

عاد إلى القصر الملكي. وقف في ساحته الواسعة. نظر إلى أبراجه العالية. إلى حدائقه الخضراء. إلى موقعه الاستراتيجي الذي يطل على الميناء والغابة والعاصمة معاً.

استدعى دارين.

"اذهب إلى الملك بولدوغ. أخبره أنني سأتخذ القصر الملكي الحالي مقراً لعائلة بابلو. عليه أن يختار قصراً آخر لنفسه. قصر نبلاء مناسب."

صمت دارين للحظة. "سيغضب."

"لا يهم. هذا هو قراري."

ذهب دارين إلى بولدوغ. أخبره بالأمر.

صدم بولدوغ. "ماذا؟ هذا القصر... قصر أجدادي. قصر عائلتي منذ مئات السنين."

"الأمر ليس للتفاوض."

صمت بولدوغ طويلاً. كانت عيناه دامعتين. لكنه كان يعلم أنه لا خيار له.

"حسناً." همس. "سأختار قصراً آخر."

ذهب مع بعض رجاله القلائل (الذين كانوا رفاقه في أيام مجده، والذين استدعاهم مرة أخرى لمساعدته). تجول في قصور النبلاء الخالية. اختار قصراً مناسباً. كان أقل فخامة، لكنه كان صالحاً للسكن.

لم يقل شيئاً. فقط انتقل إليه في صمت.

بعد أن خلا القصر الملكي من بولدوغ، بدأ بابلو في استكشافه.

تجول في أروقته الواسعة. سار على أرضياته الرخامية البيضاء المصقولة كالمرآة. كانت الجدران مغطاة بنقوش ذهبية ولوحات زيتية نادرة، تصور معارك قديمة وملوكاً سابقين. الثريات الكريستالية العملاقة كانت تتدلى من السقف العالي، تتلألأ حتى في وضح النهار.

قاعاته كانت متعددة: قاعة العرش، قاعة الولائم، قاعة المرايا، قاعة الموسيقى. كانت كل قاعة أكبر من الأخرى، وأكثر فخامة.

الغرف كانت لا تعد ولا تحصى. غرف نوم ضخمة بأسرة خشبية منحوتة يدوياً، وستائر حريرية سميكة تمنع حتى أضعف شعاع ضوء. غرف استقبال بأرائك مبطنة بالمخمل. غرف دراسة بمكاتب عتيقة وكراسي جلدية فاخرة.

المطابخ كانت ضخمة، تكفي لإطعام مئات الأشخاص. الأفران الحجرية كانت لا تزال دافئة من أيام الملك. المخازن كانت مليئة بالمؤن والمواد النادرة.

الحمامات الملكية كانت معجزة بحد ذاتها. أحواض كبيرة من الرخام الأبيض، صنابير نحاسية لامعة، وأرضيات مُدفأة. كانت هناك حمامات بخار وغرف استرخاء.

و تحت القصر، كانت هناك سجون ملكية. زنزانات مظلمة ورطبة. كانت لا تزال تحمل آثار السلاسل والدماء الجافة.

أبراج القصر كانت عالية جداً، تطل على الميناء من جهة، وعلى الغابة من جهة، وعلى العاصمة من جهة ثالثة. الأسوار كانت سميكة، شاهقة، لا يمكن اختراقها بسهولة.

نظر بابلو إلى كل هذا. لم يعجبه فقط. أحبه.

"سنبدأ في إصلاحه." قال لدارين. "أريد كل شيء نظيفاً. كل غرفة مفروشة. كل حديقة مشذبة. هذا سيكون مقر عائلة بابلو الجديد."

دارين أومأ. بدأ في تنفيذ الأوامر.

---

في اليوم التالي، وصل كوما وجيني إلى القصر.

كانت جيني ترتدي ملابسها الجميلة. شعرها الوردي كان منسدلاً على كتفيها. كانت سعيدة. عيناها كانتا تلمعان.

كوما كان بجانبها. كان يبتسم. ابتسامة خفيفة، لكنها حقيقية. كان وجهه أقل تجعداً مما كان عليه قبل أشهر. كان يرتدي عباءته السوداء البسيطة، وقبعته ذات الأذنين.

استقبلهما بابلو في قاعة الاستقبال الكبرى. كانت لا تزال فارغة من الأثاث، لكنها كانت مهيبة.

"كوما. جيني. أهلاً بكما."

"شكراً لدعوتنا." قال كوما بصوته العميق.

"أنا من يجب أن يشكركما." رد بابلو. "بدون مساعدتكما، لم تكن الثورة لتنجح."

جيني هزت رأسها. "كلام فارغ. أنت من خطط. أنت من قاتل. أنت من خاطر بحياتك. نحن فقط ساعدنا. نحن من يجب عليهم شكرك."

كوما أضاف: "لقد أنقذت الجنوب. هذا ما كنت أحلم به منذ سنوات."

صمتوا للحظة. كان الجو دافئاً، عاطفياً، مختلفاً عن كل لقاءاتهم السابقة.

ثم غير بابلو نبرته. أصبح أكثر جدية.

"لم أدعوكما هنا للمجاملات."

نظر كوما إليه. نظرت جيني إليه.

"سأكون صريحاً معكما. سؤالي لكم: هل تريدان قضاء حياتكما هنا؟ في كنيسة صغيرة في الجنوب؟ تعالجان الفقراء، صحيح. لكن هذا كل شيء؟"

صمت كوما. جيني كانت تفكر.

"أنا لا أعرض عليكما مغادرة وطنكما. ليس الآن على الأقل. لكني أعرض عليكما شيئاً أكبر."

توقف. نظر إليهما.

"انضما إلى عائلتي."

صمت كوما. جيني لم تتفاجأ. كانت تتوقع هذا.

"عائلة بابلو ليست مجرد عصابات. أنتما رأيتما. مملكة واحدة أصبحت تحت سيطرتنا. قريباً، ستكون هناك مملكة أخرى. ثم أخرى. سأساعد مئات الآلاف من البشر على تحسين حياتهم. سأخوض مغامرات لا تخطر على بال أحد."

غمز لجيني.

ابتسمت جيني. ابتسامة صغيرة، خفيفة، ردا على غمزته. كانت تعلم أن هذه لحظة مصيرية.

"أنا لا أطلب منكما القتال في حروبي. أطلب منكما أن تكونا معي. أن تساعداني في تحقيق ما لا يستطيع أحد تحقيقه وحده."

كوما كان صامتاً. كان يفكر. كان يزن الأمور.

جيني تحدثت أولاً.

"أنا أوافق."

نظر إليها كوما. لم يتفاجأ. كان يعلم أنها ستوافق.

كوما تنهد. كان لا يزال متردداً. كان يكره القتال. كان يكره العنف. كان يحب الهدوء، البساطة، خدمة الفقراء.

لكنه نظر إلى جيني. رأى سعادتها. رأى إيمانها.

ثم نظر إلى بابلو. رأى عينيه الصادقتين. رأى الرجل الذي خاطر بحياته من أجل أناس لا يعرفهم.

"أنا أيضاً أوافق." قال أخيراً.

ابتسم بابلو. ابتسامة عريضة، صادقة، لم تظهر على وجهه منذ وقت طويل.

"مرحباً بكما في العائلة."

مد يده. صافح كوما. ثم صافح جيني.

كانت لحظة تاريخية. بابلو لم يأت إلى سوربيت فقط من أجل الثورة. جاء من أجل هذا. انضمام كوما وجيني. السيطرة على المملكة.

وحقق الاثنين.

بعد أن انتهوا من المصافحة، قال بابلو:

"لدي هدية لكما."

نظر كوما وجيني إلى بعضهما. "هدية؟"

"قصر. من قصور النبلاء الفارغة."

رفع كوما يده. "لا أستطيع قبول هذا. أنا لا أحتاج إلى قصر. الكنيسة الصغيرة تكفيني."

"اسمعني يا كوما. لا أجبرك على العيش فيه كملك. يمكنك تحويله إلى مشفى. إلى كنيسة. إلى ملجأ للفقراء. تعالج فيه من تريد. تطعم فيه الجياع. تؤوي فيه المشردين."

توقف.

"وسأدعمك مادياً. كل ما تحتاجه، سأوفره."

صمت كوما. كان يفكر. كان يعلم كان يعلم أيضاً أن هذه الهدية ستغير حياة الفقراء في سوربيت.

"حسناً." قال كوما. "سأقبل. ليس من أجلي. من أجلهم."

نظر كوما إلى بابلو بعيون مختلفة. إعجاب. احترام. امتنان.

هذا الشاب لم يكن كما تخيله. لم يكن قائد عصابات. لم يكن مستغلاً. كان أكثر من ذلك.

ابتسم بابلو.

"قرار حكيم."

نظر إلى جيني.

"وأنتِ، سأخصص لكِ غرفة في القصر الملكي. ستكونين قريبة مني. لمساعدتي في إدارة الأمور."

ابتس

مت جيني. "لطالما أردت العيش في قصر."

ضحك بابلو. ثم قال:

"الآن، دعونا نبدأ العمل. أمامنا الكثير."

خرجوا من القاعة معاً.

بابلو كان سعيداً. حقق كل ما جاء من أجله.

كوما وجيني كانا معه.

وسوربيت كانت تحت سيطرته.

2026/05/29 · 20 مشاهدة · 1239 كلمة
Aquila
نادي الروايات - 2026