بعد خمسة أيام من المشاهد المثيرة على متن السفينة، ظهرت أخيراً الأرض في الأفق.
جزيرة الصدف.
دخلت السفينة ببطء إلى الميناء المتوسط الحجم. كان الميناء متواضعاً لكنه نشط. قوارب صيد، سفن تجارية صغيرة، وأرصفة خشبية تمتد في المياه الزرقاء الصافية. البحارة وعمال الميناء كانوا يتحركون بتكاسل تحت شمس بعد الظهر.
لكن جمال الجزيرة الحقيقي كان خلف الميناء.
حقول خضراء لا نهاية لها تمتد بقدر ما تراه العين. قمح، أرز، خضروات، وأشجار فاكهة. كانت الجزيرة سلة غذاء المنطقة. كانت خضراء، خصبة، مليئة بالحياة. كانت التلال تموج بالخضرة، والأشجار تصطف على جانبي الطرقات، والأنهار الصغيرة تجري بين الحقول.
آلاف الفلاحين كانوا يعملون في الحقول. بعضهم كان يحصد، بعضهم كان يزرع، بعضهم كان يسقي المحاصيل. لم يكونوا عبيداً، لكنهم كانوا فقراء. كانوا يعملون من الفجر إلى الغسق، وكانت عائلة "الأرز" تأخذ معظم ما ينتجونه.
---
بابلو ترك رجاله على السفينة. أخذ معه جيني وستة من رجاله فقط. لا يريد أن يبدو كجيش غازٍ. يريد أن يبدو كتاجر ثري يبحث عن صفقة.
ساروا عبر شوارع البلدة الرئيسية. كانت المباني بسيطة، معظمها من الخشب والحجر. الأسواق كانت صغيرة، والتجار كانوا يبيعون المنتجات المحلية. كان الفقر واضحاً على وجوه الناس.
ثم رأوا المنزل الكبير.
كان أكبر مبنى في الجزيرة. طابقان من الحجر الأبيض المصقول، أعمدة رخامية عند المدخل، وحديقة واسعة تحيط به. كان محاطاً بجدار حجري مرتفع، وعند البوابة، وقف حراس مسلحون.
"هذا هو." قال بابلو.
اقترب من الحراس. بدا واثقاً، هادئاً، كتاجر كبير.
"أنا تاجر من ناراكا. أريد عقد صفقة كبيرة مع حكام هذه الجزيرة."
الحراس نظروا إلى بعضهم. أحدهم دخل إلى الداخل. عاد بعد دقائق. "سيدنا يقابلك."
---
دخل بابلو وجيني وستة رجال.
الداخل كان فخماً. أثاث من الخشب الثمين، سجاد فارسي، وثريات كريستالية. لم يكن قصر ملك، لكنه كان قصر أغنى عائلة في الجزيرة.
في نهاية القاعة، جلس رجل عجوز على كرسي كبير.
كان طويل القامة، نحيل الجسد، وجهه متجعد من العمر. عيناه كانتا صغيرتين، زرقاوين، وحادتين كالصقر. شعره الرمادي القصير كان مشذباً بعناية. كان يرتدي ثوباً أبيض فاخراً، وعلى إصبعه خاتم ذهبي كبير. كان يبدو كرجل عاش في الرفاه طوال حياته.
نظر إلى بابلو. حدق فيه طويلاً. ثم اتسعت عيناه.
"بابلو... رئيس عائلة بابلو."
صمت للحظة. ثم قال بصوت بارد:
"أنت قاتل القرصان بولي. أنت الذي تسيطر على جزيرة ناراكا."
لم يذكر سوربيت. لم يكن يعلم. لم يكن أحد يعلم عن سيطرة العائلة عن سوربيت تحت أوامر بابلو بقيت الأمور سرية تفاديا لإغضاب الحكومة، كل ما كان معروفاً عن عائلة بابلو هو أنها تسيطر على جزيرة ناراكا الصناعية، وأنها قتلت القرصان بولي.
ابتسم بابلو. "أرى أن سمعتي سبقتني."
"سمعت عنك كثيراً. لكن لم أرك قط. أنت أصغر مما توقعت."
"العمر لا يساوي شيئاً. القوة هي ما يهم."
تنهد العجوز. "حسناً. ما هي الصفقة التي تريدها؟"
نظر بابلو إليه مباشرة. صوته كان هادئاً، لكنه كان حاداً كالسكين.
"ستصبح هذه الجزيرة لي. محاصيلها. أراضيها. فلاحوها. جنودك سيكونون جنودي. كل شيء سيكون تحت إمرتي."
توقف.
"وفي المقابل... سأبقي على حياتك."
صمت العجوز للحظة. ثم انفجر ضاحكاً. لم تكن ضحكة فرح. كانت ضحكة ساخرة.
"أنت طفل! طفل تحكم في جزيرة صغيرة بالحظ. ناراكا كانت مجرد مصنع. لا جيش لها. لا دفاعات. قتلت قرصاناً واحداً وتظن أنك تستطيع تهديدي؟"
وقف العجوز من كرسيه. كان أطول مما بدا. كان طوله يقترب من مترين.
ثم هجم
اللكمة الأولى
كانت سريعة. أقوى مما توقع بابلو. كانت لكمة رجل عادي. لكنها كانت سريعة. تفاداها بابلو بسهولة.
ابتسم بابلو. "هذا كل ما عندك؟"
رد العجوز: "لم أبدأ بعد."
فجأة، بدأ جسد العجوز يتغير.
لم يكن تغيراً بطيئاً. كان عنيفاً. سريعاً. نبت من تحت جلده فرو أبيض كثيف. وجهه استطال، وتحول إلى وجه كلب ضخم. أسنانه أصبحت أنياباً حادة. يداه تحولتا إلى مخالب. جسده تضخم. أصبح طوله ثلاثة أمتار. كان هجيناً بين الإنسان والكلب.
فروته البيضاء كانت كثيفة ونظيفة. عيناه أصبحتا صفراوين، تحترقان بغضب حيواني. كانت أنفاسه ساخنة، تتصاعد كالدخان في الهواء البارد.
"إينو إينو نو مي. نموذج كلب الصيد." قال العجوز بصوت أصبح أجش، يكاد يكون عواءً.
ابتسم بابلو. "إذاً أنت أيضاً أكلت فاكهة شيطان."
"أكلتها منذ ثلاثين عاماً. قتلت بها أعدائي. وسأقتلك بها أيضاً."
---
التفت بابلو إلى جيني. "ابتعدي. اخرجي من المنزل. خذي الرجال معك."
نظرت إليه جيني. كانت عيناها خائفتين.
"هل ستكون بخير؟"
"سأكون بخير. فقط اخرجي."
تراجعت جيني إلى الخلف. أشارت إلى الرجال الستة. خرجوا جميعاً من القصر. وقفوا خارج البوابة. كانوا يسمعون الأصوات من الداخل، لكنهم لم يروا شيئاً.
---
انقض العجوز كالكلب المفترس. كان أسرع مما توقع بابلو. مخالبه انقضت على وجهه. تفاداها بابلو بقفزة خلفية. شعر بالهواء الحاد يمر بجانب وجهه.
"أنت سريع." قال بابلو.
"أنت أيضاً."
هجم العجوز مجدداً. هذه المرة بسلسلة من اللكمات. كانت قوية. عنيفة. بابلو تصدى لبعضها بذراعيه. شعر بالألم. كانت ضربات العجوز تؤلم. لكنه لم يتراجع.
رد بابلو بركلة في صدر العجوز. ارتد العجوز خطوة. اندهش.
لدى بابلو قوة هائلة. بعد أشهر طويلة من التدريب اليومي، وبفضل موهبته الكبيرة أصبحت قوته تعادل قوة مستخدم فاكهة زون عادية.
"كيف..." همس العجوز. "هذا مستحيل. أنت لا تملك فاكهة شيطان!"
"لست بحاجة إلى واحدة."
تقدم بابلو. بدأ بتبادل اللكمات. كانا متساويين. كلما ضرب العجوز، رد بابلو. كلما ركل بابلو، تصدى العجوز.
العرق كان يتصبب على جبين بابلو. كان العجوز أيضاً يتعب. كانا متعادلين.
"أنت قوي." قال العجوز. "لكنني أقوى."
هجم بعنف. مخالبه قطعت قميص بابلو. ترك جرحاً سطحياً على ذراعه.
تراجع بابلو. نظر إلى ذراعه. كان ينزف.
ابتسم. "لن تدوم طويلاً."
---
بدأ بابلو يشعر بالتعب. لم يكن يريد إطالة القتال ففي النهاية لن تكون لدى بابلو قدرة تحمل توازي أكل فاكهة شيطان حيوانية.
الرياح كانت موجودة. كانت خفيفة، لكنها كانت كافية.
بدأت الرياح تشتد.
العجوز شعر بالتغيير. توقف عن الهجوم. نظر حوله. "ما هذا؟"
لم يرد بابلو.
الرياح تحركت.
تيار قوي دفع العجوز إلى الخلف. حاول التقدم، لكن الرياح كانت تعيقه. كانت تضربه، تدفعه، تمنعه من الاقتراب.
ثم شفرات الرياح.
انطلقت شفرة غير مرئية. قطعت كتف العجوز. نزف. صرخ.
شفرة أخرى. قطعت ساقه. ترنح.
شفرة ثالثة. كادت أن تقطع أذنه. تفاداها بصعوبة.
"ما هذا؟! ما هذه القوة؟!" صرخ العجوز. "أنت... أنت تملك فاكهة شيطان أيضاً!"
بابلو لم يرد. استمر في الهجوم. الرياح كانت تطيع أوامره. كانت تضرب العجوز من كل اتجاه.
العجوز تراجع. كان ينزف. كان يتعب. كان خائفاً.
سقط على ركبتيه. تحول إلى شكله البشري بصعوبة. كان مرهقاً. كان منهكاً.
كان العجوز يركع على الأرض. كان يرتجف. كانت عيناه دامعتين. كان خائفاً من الموت.
"أنا... أنا أستسلم. سأعطيك كل شيء. فقط اتركني حياً. أتوسل إليك."
نظر إليه بابلو. لم يكن غاضباً. لم يكن شامتاً. كان بارداً.
"سأبقي على حياتك."
تنفس العجوز الصعداء. كاد يبكي.
"لكن..."
تجمد العجوز.
"ستبقى هنا تعمل من أحل العائلة في هذه الجزيرة. ستكون وجهاً فقط. ستفعل ما أقول. ستنفذ أوامري. إذا عصيت..."
توقف. نظر إلى عيني العجوز.
"ستتمنى أنني قتلتك اليوم."
أومأ العجوز برأسه. "سأفعل. أي شيء. فقط لا تقتلني."
ابتسم بابلو ابتسامة صغيرة.
مد يده. ساعد العجوز على الوقوف. كان لا يزال يرتجف.
---
فتح بابلو الباب. خرج من القصر.
جيني ورجاله الستة كانوا واقفين خارج البوابة. كانت جيني تعض على شفتيها من القلق. عندما رأت بابلو، ركضت نحوه.
"هل أنت بخير؟"
"أنا بخير."
نظرت إلى جرح ذراعه. "هذه ليست علامة 'بخير'."
"جرح سطحي. لا شيء."
ابتسمت. ارتاحت.
"ماذا حدث للعجوز؟"
"العجوز الآن معنا. سيمثل العائلة في هذه الجزيرة."
نظرت جيني إلى العجوز وهو يخرج من القصر بخطوات واهنة. كان لا يزال يرتجف.
"أخضعته؟"
"أخضعته."
نظرت إليه بعيون مليئة بالإعجاب.
لكنها
لم تقل شيئاً. فقط ابتسمت.
بابلو نظر إليها. غمز لها.
ثم التفت إلى رجاله.
"الآن... لنبدأ في تنظيم الجزيرة."
خرجوا من بوابة القصر معاً. العجوز يمشي بصعوبة. بابلو إلى جانبه. وجيني خلفهما.
كان النصر حليفه.
والجزيرة أصبحت له.