بعد أن عمّ السواد مجددًا، ليس فقط في أعماق الفضاء، بل حتى ابتلعَ آخر شرارة من شاشة ' الإكس بوليتاس ' التي انطفأتْ كعينٍ أُغمضتْ بقسوة. خيّم صمت ثقيل على المكان، نظراتُ الحاضرين التصقت بعطارد بدهشةو ريبة، تحملُ مئة سؤال بلا إجابة.

وسط هذا السكون، ابتسم عطارد، كانت ابتسامة هادئة، لكنها بدت مصطنعة، كأنها مجرد قناع يخفي حقيقته. استدار إلى الحاضرين، وقال بنبرة مرحة متعمدة:

"لا تنظروا إلي هكذا! دعوني أقم بواجبي الآن..."

وقبل أن يكمل، تقدّم الزهرة نحوه بملامح غير واضحة، ولوّح بيده ليضربه ضربة خفيفة على ظهره وهو يصرخ:

"ما الذي تقوله أيها الغبي؟!"

لم يغضب عطارد، بل أدار عينيه نحوهم بنظرة استهتارٍ متعمّد، كما لو كان يتوقع رد الفعل مسبقًا. لكن الزهرة لم يتراجع، بل أكمل بجديّة:

"إنه واجبنا جميعًا!"

هذه المرة، كانت ابتسامته صادقة، مخلصة لمشاعره، ألقى بنظراته حوله، إلى رفاقه... لم يكن عطارد وحيدًا. فقد في عيونهم ذلك الدعم الذي يحتاجه قبل دخول هذه الملحمة المصيرية.

و في بقعة مجهولة من الفضاء اللامحدود.. و على عكس خصمه القادم، كان بلوتو لا يزال جاثمًا على كرسيه، متجهمًا، ساكنًا في مقرّه المتجمد. ذقنُه يرتكز على قبضة مشدودة، وحاجباه المشدودان، بديا كأنهما يحاكمان كل فكرة تمرّ بعقله.

وأخيرًا، أرخى جسده. هل كان ذلك راحة بعد تحقيق رغبته بمواجهة تلميذه السابق؟ أم أنه يهيّئ جسده للمعركة المرتقبة؟

لم يدم الصمت في المقرّ أكثر من ذلك، حتى دوّى صوت المجهول بنبرة غاضبة:

"بلوتو! ماذا تظن نفسك فاعلًا؟! هذا ليس جزءًا من الخطة!"

رفعَ بلوتو عينيهِ ببرود، قبل أن ينهض بهدوء من كرسيه، الذي أحدث صوتًا مزعجًا أثناء قيامه، قائلاً:

"اهدأ... فقط تذكرت كلماته في ذلك الكاي. أردت البدء به هو. هل أزعجك ما قمت به؟"

ازدادت انفعالات المجهول، و هو يصرخ بغضب متزايد:

"إذا كنت تريد البدء بذلك القصير... فأكمل الخطة وسيموت هو أولًا من بينهم!"

لكن بلوتو رد بنبرة خامدة، كانت خالية من العواطف:

"حقًا؟ وكيف ذلك؟ آه، نسيت... إنه رئيس أقرب كوكب إلى الشمس... لا بأس.. فالانتقام ليس استعادةً للعدل، بل توازن بين الألمين."

قطع المحادثة إستدارة بلوتو نحو الجدار الذي يبعد عنه بمسافة ليست بقريبة ثم قال و كأنه يحدث نفسه:

" أدخل.."

فور ان أنهى تلك الكلمة حتى فُتح الجدار فجأة، و دخل وجه مألوف يسأل بقلق:

"سيد بلوتو... ماذا حصل؟"

لوح بلوتو بيده مشيرا الى أن يقترب و هو يتحدث:

" هاي تشارون! تعال إلى هنا.."

اقترب هذا الأخير، و ملامح التوتر قد تلبّسته، فقد كان ينتظر النتيجة بفارغ الصبر:

"إذًا، مالذي حصل؟"

لم يُجبه بلوتو، بل سبقه الظل الذي بجانبه قائلاً بصوت ساخر:

"تريد أن تعلم؟ كل ما خططنا له... كل تعبنا، وكل جهدنا... ذهب أدراج الرياح."

بدت على القمر الصدمة، كأنه يرفض تصديق ما يسمع. التفت ببطء إلى رئيسه، و كأنه يتوسل في أعماقه أن يكون ما سمعه مجرد هذيان. لكن بلوتو أجاب بجفاف:

"نعم... لقد طلبت مواجهة ضد عطارد.."

"ماذا؟ لكن... لماذا؟"

سأل تشارون بتردد، قبل أن يجيبه بلوتو بلا اكتراث:

"ليس لدي سبب وجيه.. فقط أردت مواجهة من أهانني... من نعتني بالضعف."

و عِوض من الرفض أو الغضب، بدت على وجه تشارون ملامح رضا تامة. هذا القمر كان وفيًا، فولاؤهُ لسيدهِ يفوقُ كلَّ شك.

وعند خروجه من المقر، قال بلوتو:

"عزيزي تشارون.. هيا بنا لساحة التدريب فالمعركة في الكاي القادم"

تبعه تشارون بثقة عمياء:

"حاضر سيدي!"

─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ──

في الجانب الآخر من هذا الصراع المحتدم، كأنما قرأ البقية نوايا عدوهم. عطارد الآن يتدرّب مع بقية الرؤساء.. كيف لا، و الكل يعول عليه لإيقاف جنون بلوتو.

وسط حلبة التدريب، وقف عطارد في مواجهة أربعة رؤساء. فقد غاب الأرض بسبب الخراب الذي يعم كوكبه، زحل اختفى لسبب غير معروف، و أخير، نبتون تعذر عن المشاركة متسببًا بإنشغاله في التحقيق حول قضية الخيانة.

كان من المفترض ان لا يشارك أورانوس معهم بسبب تورطه في تلك المشكلة، لكنه أصر على أن يدرب عطارد ايضا ليخفف الشبهات.

أما أورانوس، كان من المفترض ان لا يشارك معهم بسبب تورطه في تلك المشكلة، لكنه أصر على المساهمة آملا في تبديد الشبهات.

كان يقف وحيدًا في قلب الدائرة، يترقّب الهجوم الأول.

وفجأة، اندفع الزهرة نحوه بسرعة جنونية، عاري اليدين، دون سلاح. تهيّأ عطارد للرد أيضا، و إذ بالأرض الساخنة إنشقّت من تحته، مُخرجة ' الدينكو ' الخاص بالمريخ كهجوم مباغت. بالكاد تفاداه بصعوبة، ليتلقى بعدها لكمة سريعة من أورانوس على وجهه.

من أين أتى هذا الأخير؟ لم تكن الضربة قاتلة، فقد أمسك عطارد بمرفق أورانوس قبل أن يشدّد قبضته.

توالت الضربات عليه، لكنه لم يكن هيّنًا.

تجمّع الرؤساء حوله، يستعدون للانقضاض عليه. لكن عطارد، و بنظرة ثاقبة، أطلق قوته.

سلاحه الكوني تجسد كقفازات سوداء محمّلة بشفرات رمادية، وهاجمهم دفعة واحدة.

و استمر التدريب على هذا النحو... بصراحة، لقد قسوا عليه كثيرا.. لكنه تحمّل..

كل ضربة كانت من أجلِ هدف واحد: الانتصار، مهما كان الثمن..

─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ──

في صمتٍ مريب، انبثق كوكب عطارد كشبح يطل من وراء حجاب الزمن، سطحه الدائم التوهج، بدا باهتاً الآن. حتى ضوء الشمس، الذي كان دائماً يغمر أقرب الكواكب اليه، بدا الآن متردداً في لمس صخوره و تضاريسه.

وقف رئيسه وحيدًا هناك، عينيه مغمضتين، كأنما يخزن كل ذرة طاقة بداخله.

لم يكن البقية بقربه. بل كانوا يراقبون هالته المنخفضة من خلال شاشة الإكس بوليتاس، التي تلألأت وسط مقر المريخ.

الكل في ترقب، في إنتظار طويل و صعب، حتى شوهدت هالة عطارد الرمادية الفضية ترتفع شيئًا فشيئًا، عندها علموا أنه حضر.

خطواته بطيئة، عميقة... كأنه مجرم خرج من زنزانة قضا فيها كل دهره.

التقت العيون أخيرا، ألوانها مختلفة لكنها تحمل نفس الشرر.

وقف الخصمان وجهًا لوجه على أرض الكوكب المهجورة، عطارد صاحب الكوكب الأقرب إلى الشمس، في معركة ليست بودية مع صاحب الكوكب الذي أصبح يُعَد الأبعد عن الشمس.. بلوتو..

لا أحد على الكوكب سوى هذين الإثنين. لم تدم تلك النظرات طويلا حتى هاجم بلوتو أولا...

فكيف ستكون نتيجة هذا القتال؟

— نهاية الفصل—

2025/04/10 · 73 مشاهدة · 922 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026