20 - معركة من أجل الغاية الأسمى...

حين التقت عيناه بعيني الخصم المقصود، تطاير الشرر بينهما، فقد عرف الظّال طريقه و بطل اللعبة الآن سيواجه الشرير النهائي.. بل الوصف المثالي لذلك سيكون:

" المعلم ضد التلميذ "

و نُطق الإسم أخيرًا...

"عطارد..."

لم يهمس أحد.. بل نظرات هذين الاثنين إلى بعضهما تربعت على عرش الترقب.. كانت عميقة، حتى ظننتها أطول من عمر النجوم في الكون، لم تخلُ من الغضب أو التحدي، و كأنهما يتبادلان الضربات قبل أن يبدأ القتال..

لكن ذلك الهدوء المشحون لم يدم.. فصوت الزهرة المحتقن بالرفض والغضب مزّقه بقوله:

"ماذا؟ هذا مستحيل! لن نقبل بهذا أبدًا! تجميد الشمس؟!أتظننا بنفس غبائك كي نصدق هكذا فكرة مجنونة؟! هل أنت بكامل قواك الإدراكية أم أن خروجك قد أثر عليها؟ فكرة تجميد الشمس؟!"

تم تأييد كلام رئيس الكوكب الثاني من ِقبل المشتري، عيناه التان تألقتا بألوانهما المختلفة تبرزان الشك الذي لم يفارق صاحبها:

"مجرد مرور الفكرة من على رأسك يدل على الجنون! مهما فعل، كلنا نعلم كم من كيان حاول ذلك طيلة ملايين السنين الكَونية. فهي في النهاية... الشمس!!"

استدار بلوتو بهدوء، مولياً ظهره للمجلس، كأنه يستهزئ بقلقهم، ثم قال بنبرةٍ مزيفة التواضع:

"هه... حسنًا... حسنًا... لديكم وجهة نظر في ذلك... لا، بل أنتم محقون."

سكت قليلًا، قبل أن يرتجف جسده بالكامل، و يكشف عن وجهه الحقيقي.. سُمع صوت قهقهاته التي بدت ترتفع شيئًا فشيئًا، و استدار إليهم فجأة و قد إنفجر بالفعل.. ضحكته كانت غريبة، متقطعة، مزيج من الهوس و الانكسار، كأنما خرجت من أعماق كائن كتم كل آلام ماضيه.. ثم إنبثقت نحو الحاضر.

فتح ذراعيه كالمجنون، و عيناه شبه مختفيتين تحت ظل جفنيه، حتى صوته هذه المرة بدى أشبه بإمتداد كصدى في فراغ المجرة:

"هاهاها! لقد صدقوني... صدقوني حين قلت إنهم محقون… يريدون أن ينتهي الأمر هكذا؟ هاهاهاها! يا للسذاجة..."

لكن ضحكاته توقفت فجأة، كما و كأن بلوتو نفسه إنزعج منها، لكن حل محلها غضبٌ أسود حالك. كشر بعدها عن أنيابه التي تداخلت من قوة شدها.. حتى انفجرت هالته الزرقاء حوله كعاصفةٍ جليدية، كانت مروّعة، مرسلت موجات من الرعب في أرجاء القاعة.

ثم زأر:

"أتظنونني لا أعلم أن الشمس يصعب تجميدها؟ أتظنونني أحمقًا؟! أيها الحمقى المغفلون؟!"

- " كل ما في الأمر... " قالها و هو يقترب من جهاز التجميد، ذلك الذي تألق بالقرب من المجهول، ثم وضع يده عليه بقوة حتى ارتجفت الشاشة التي تنقل المحادثة، أسطوريته خُلّدت، لدرجة أن مجرد لمسه قد أطلق صدى عبر ملايين الكيلومترات. ثم أكمل:

"أنا أعلم علم اليقين أن هذا الوحش لن يتمكن من تجميد الشمس... لكني بحثت في حقيقة هذا النجم العظيم... و بمساعدة أبحاث هاوميا أيضا.. وجدت نقطة ضعفه."

تنهد قليلًا، و كأن ما سيقوله سيغير مصير التاريخ:

"الشمس الآن في منتصف عمرها... في الواقع، تزداد إضاءتها بنسبة 1% كل مليون سنة كونية.. لكن، و بفضل هذا الجهاز، سأتمكن من تسريع تفاعلاتهة النووية القابعة قلبها، مما يضاعف معدل احتراق الهيدروجين."

ابتسامته المرعبة، التي كادت تصل إلى عينيه، تحذر مما سيقال:

"الخلاصة هي... أن شمسكم ستصل إلى مرحلة ' الوهج القاتل '، حيث تزداد إشعاعاتها بنسبة 40% خلال 500 ألف قرن كوني.. لكن هذا لن يحصل... فجهازي هذا سيسرع العملية... لتصبح الشمس عملاقًا أحمر... ثم تقذف طبقاتها الخارجية، وتنهار… إلى قزم أبيض… في خمسة آلاف قرن كوني فقط!"

اهتزت سيرومي من تحت أقدامهم، فمع كل كلمةٍ تنهمر من فم بلوتو، كانت كقطرات الزيت الحارق على النار.

لا يوجد مجال للشك، لا في تحقيقه الذي يتدفق كالسيل الجارف، ولا في جنونه الذي تألق أمامهم كالنجم المحتضر.

ساد الصمت مجددًا، شعر المريخ بقدميه تغوصان في كوكبه، كما لو كانت رمالاً متحركة، لكنه تمالك نفسه، و حاول أن يرد، أن يوازن الكفة:

"نحن لا—"

لكن صوتًا قطع خاصته، لكنه و على عكسه، تميز بالهدوء الحازم:

"أنا موافق..."

كان عطارد، رئيس الكوكب الأول، يخطو ببطئ منزلًا عينيه الرماديتين، و هو يحتل كل الأنظار و الأفكار.. ثم أكمل كلامه ناظرًا مباشرة نحو بلوتو و الشرر يتطاير منهما و كأنهما يتحدثان دون أن يسمعهم أحد.. لا أستغرب ذلك.. ففي الأخير بلوتو هو أول من إلتقى بعطارد.. ليس ذلك وحسب كان أول من دربه..

" أنا موافق على شرطك يا بلوتو.. "

كل ما قاله، كان و كأنما أنزل نيازكه الحارقة على القاعة التي لم تخلو من القلق منذ بداية الإجتماع.

لكن الزهرة إنقض صارخًا:

"أنت... عطارد... ماذا تفعل؟!"

عطارد لم يرد، بل رفع يده ببطء و وضعها على صدر الزهرة، طالبًا منه التراجع دون الحاجة إلى الكلمات..

فهم الكل الرسالة... نفادهة أن عطارد اتخذ قراره.

وهذا كل ما احتاجه بلوتو ليكمل، بابتسامة ساخرة:

"هه... أخيرًا، سأواجهك، أيها الفاشل... لنرَ الآن، من هو الضعيف الذي يحتاج للكمات قاسية ومؤلمة."

بدأت شاشة الإكس بوليتاس تغلق شيئًا فشيئًا، لكن وجه عطارد مازال متعلقًا بنظرات خصمه القادم، و العزيمةٌ الصلبة في عينيه قصّت ما قاله فمه:

"رغم أنك حرّفت المقولة... إلا أني سأبرحك ضربًا حتى تنطقها مرة أخرى بالشكل الصحيح."

و بإنتهاء الكلمات الأخيرة التي نطقها بلوتو:" كوكبك سوف يكون شاهدًا على موتك" ، لم يكن هناك مجال للعودة.

المعركة أُعلنت بالفعل... لكنها لم تكن مجرّد صراع آخر في سجلّ تلك المعارك الكونية، لم تكن مواجهة عابرة تمضي كما مضت سابقاتها.

هذه المرة... كان الخصمان و لأول مرة؛ اثنان من قادة الكواكب، وجهاً لوجه، يحمل كلٌ منهما غضباً دفيناً تجاه الآخر، و هدفاً مشتركاً.. لكن بأسلوبين متناقضين.

لكن الأهم من ذلك كله:

معركة من أجل الغاية الأسمى...

حين أُسدل فيها الستار على هذا المشهد، بدا الكون كله وكأنه يتقلص حول حلبة الصراع المُعلنة، ليصبح مجرد خلفية لمعركةٍ ستحكم على الكل إما بالفناء، أو بالخلاص.

— نهاية الفصل—

أتمنى أنه أعجبكم ❤️‍🔥

2025/04/08 · 50 مشاهدة · 863 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026