وقفا بالقرب من بعضهما أمام شيء ضخم، يخفيه لحاف أسود كبير، وكأنهما يواجهان قطعة من الماضي لا ينبغي لها أن تعود، لأنها ستدمر المستقبل.

عين بلوتو اخترقت ذلك الغطاء بنظراته التي كان أشبه بمثقابٍ يخترق الصخر تحت الأنفاق، جسده لا يتحرك كتمثال قديم، وكأن روحه انفصلت عنه من دون علمه.

أما المجهول، ذلك الكائن الذي ظل مقنعاً حتى النفس الأخير، فقبضته المشدودة نحو ذلك الشيء تحكي عن جبروته المخفي.

"هاي.. إنزع عباءتك هذه، نحن وحدنا..." كان صوت بلوتو قد إنبثق ليغير من حركة شفته، التي كادت تلتصق من فرط صمته المديد.

و على إثرها، بدأت ملامح المجهول تتضح، حيث بانت ابتسامته التي رُسمت على وجهه منذ البداية، لكن الآن، لم يعد هناك داع لإخفائها. أزال الرداء الذي كان يحمي وجهه من النور. في الختام، كشفت الإضاءة الضعيفة عن شاب وسيم، ذو شعر أزرق قصير، أطول من بلوتو ببضعة أمتار، ولكنّ ملامحه لم تخلُ من الخبث.

ملامحه إلتقت مباشرة بنظرات بلوتو، الذي ضحك ضحكة غير مألوفة، تحمل سخرية وغموضًا في آنٍ واحد:

"يا لك من وغد حقير... أورانوس."

قهقه هذا الأخير بدوره، ثم وضع يده على كتف بلوتو، قبل أن يعوِدا النظر إلى ذلك الشيء الضخم المُستر أمامهما.

"آه... حليفي بلوتو... لقد حانت أخيرًا، الخطوة الأخيرة التي انتظرناها طويلًا... منذ كم سنة كونية؟؟"

إبتسم بلوتو ساخرًا، فقد أدرك أن هذا السؤال ليس إلا محاولة لاستفزازه:

"تشه... 25 سنة كونية.. يا ضعيف الذاكرة."

تمتم أورانوس بنبرة تحذيرية خافتة:

"هه، لا تنادني بذلك مجددًا."

لكن بلوتو لم يتوقف عن التبسّم كعادته، كأنه تجاهل تحذير الآخر:

"لا أصدق أننا وصلنا إلى هنا بهذه السرعة القياسية..." قالها و هو يلمس اللحاف الأسود.

ارتفع حاجب أورانوس بدهشة مصطنعة، و إستكمل:

"يا صاح، لقد أهلكتني معك... كلما أنهينا خطة، اندفعت إلى التالية دون أن تمنحنا قسطًا لنجع افكارنا نحوها!"

نظر إليه بلوتو بتهكم، وكأن ما قيل لم يترك أثرًا عليه:

"أنا لا أطيق الانتظار... ثم هل تعتقد أن كل شيء سار كما خططنا؟ لقد تم خيانتـ... خيانتنا."

أورانوس أدار عينيه بضجر واضح، ثم دوى متسائلًا:

"أ تقصد قمر ذاك... أليس الأهم أنه اعترف؟"

لكن بلوتو زأر، ونبرته حملت ثقلًا لا يحتمل:

" و هل نسيت حادثة إختفاء قمرك؟ "

و أكمل محدقًا في عينيه:

" ثم... أنت لا تفهم شيئًا! أنا الذي جُلتُ الكواكب و جمعت الموارد، أنت فقط عدّلت القطع و ركّبتها... حتى أنك لم تستخدم قواك!"

ارتسمت على وجه أورانوس تعابير الغضب و عينيه اشتعلتا بوميض حاد، قبل ان يكشر بقوله:

"كيف تجرؤ على قول هذا يا ناكر الجميل؟! أنا من بحث عن القفل والمفتاح النجمي! حتى أقماري بذلت جهدًا أكثر من أقمارك، أ نسيت من هاجم على قمر المريخ، كل شيء كان من تخطيط من منذ البداية؟!"

ثم أشار إلى نفسه بإبهامه الأيمن مستكملًا:

"كل خطة كان أنا من قدمتها لك! كل خطوة أنا من ساعدك على تقدمها.. الفضل كله يعود لي، وكأنهم طردوني أنا!"

شعر بلوتو حينها بغضب كان من المُستحسن كبته، تلك الكلمة تحديدًا أصبحت أفضع ما عرفه. لكنه لم ينفجر، بل تقدم خطوة، مستعيدًا هدوءه، ابتسامة خافتة كادت لا تُرى رُسمت على شفتيه ثم تمتم:

"حسنًا... لكن..."

تابع، تحركه حتى تجاوز أورانوس، حيث تلاقت ظهورهما، ثم هم بالقول بصوت باهت:

"أتذكر ذلك العهد؟"

أورانوس أغمض عينيه قبل أن يتنهد ببطئ، ثم قال بنفس نبرة الصوت:

"بالطبع..."

ثم نطقا بتوافق غريب، كأنما يقرآن من نفس السيناريو الخفي:

"مهما واجهنا، لن نفترق أبدًا. سنظل حماة الكون، وكرامتنا مرتبطة بحماية هذا النظام الشمسي إلى الأبد."

لم يقل بلوتو شيئًا بعدها، فقط لوّح بيده في الهواء و هو يتوجه نحو البوابة الجليدية العملاقة:

"جيد أنك ما زلت تتذكر..."

انعكست ملامحه بظلٍّ الذكريات، وصوته إرتفع بعد إنخفاضه و هو يسترجع ما حدت. ثم نظر الى الأرض الذي أخطأ في إسمه.. أو لم يكن كذلك.. تلك الابتسامة التي تعلو وجهه... كم كرهها.. لكنه لم يقل شيئًا احترامًا لصاحبها.

بدلًا من ذلك، التفت إلى الجهاز الذي بدى كالوحش متربعًا خلفه، و فتح ذراعيه إلى أقصى حد، ثم تحدث بنبرة مشتعلة رغم برودة شفتيه:

"حتى لو اجتمعتم لإيقاف جليد هذا الوحش، لن تتمكنوا حتى من زعزعته حتى لو نصف متر."

تشنجت الأجساد أمامه، كلمات اللعن نُطقت في أفواه، و إسم بلوتو من أفواه أخرى، و التساؤلات لم تغادر ' سيرومي '.

لم ينطق احد حتى جاء صوت بلوتو مدويا:

" هذا لن يحدث.."

ارتفعت الأنظار بعدما سحبتها جاذبية كوكب المريخ، سؤال واحد تردد في الأذهان:

"ما الذي يقصده بلوتو؟!"

ثم، و بإبتسامة صغيرة مريبة، أغمض عينيه، ورفع كتفيه قائلًا:

"نفّذوا شرطي الوحيد، ولن تتجمد شمسكم العزيزة."

تلاقت الأعين ببعض، ثم استدارت الرقاب نحو بلوتو الذي بدا و كأنه سيُلقي بحكمه الأخير:

" اريد منكم ان تنفذوا آخر جملة قيلت في ذلك العهد الكاذب.. اريد منكم أن تحموا النظام الشمسي من خطر محدق.. أو علي القول.. أن تحموه.. مني.."

ثم أكمل مقترحا عليهم شرطه الوحيد:" فكما قال مستخدم الدينكو ذلك.. الحجر الأساس في هدم الصداقات هي المواجهة.. أنا أريد مواجهة أخيرة... ضد...."

[ تبّا.. أخبرنا من هو و أرحنا!! ]

حين التقت عيناه بعيني الخصم المقصود، تطاير الشرر بينهما، فقد عرف الظّال طريقه و بطل اللعبة الآن سيواجه الشرير النهائي.. بل الوصف المثالي لذلك سيكون:

" المعلم ضد التلميذ "

و نُطق الإسم أخيرًا...

"عطارد..."

فهل حقًا سينفذ الرؤساء شرط بلوتو الغريب؟

— نهاية الفصل—

2025/04/05 · 48 مشاهدة · 825 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026