أصبحت الأصوات ذكريات، و تراجعت الكلمات إلى الظل.

في القاعة، حيث ساد الصمتُ، لكنه لم يكن ذلك السكوت العابر الذي يسبق العاصفة، بل كان ذلك الذي بعدها. كأن كل شيئ توقف، متجمّدًا في ذلك السكون الذي لم يجرؤ أحد على كسره.

كل العيون، بتلك الألوان المُختلفة التي تحمل في أعماقها تناقضًا بين الثقة و الخيانة، تُحفر في جسده بنظراتٍ أشدّ من رصاصات لا نهاية لها. هو الآن ليس سوى مجرمٍ بائس، تعلقت بيده السكين التي يسيل منها الدم بينما الجثة ما زالت دافئة.

و احزر ماذا؟! إبن تلك الجثة واقف أمامك!!

مستحيل!

يده المرفوعة بنفس الوضعية التي اتخذها الظل بجانب بلوتو كانت كإعتراف صامت، إعتراف أوضح من أي دليل..

أورانوس لم يتحرك، لم يرمش، كتمثالٍ رخامي لإمبراطورٍ غدر أبناء شعبه. ولكن هذه المرة، التمثال كان تمثالًا أزرق يرجف.

صدمتهم لم تكن عادية، بل كانت مزيجًا من والخيانة والريبة.

لكن خاصته.. لم تكن أدنى، فقد كان يصارع تلك المشاعر المتضاربة خلف وجهه الشاحب الذي بدا وكأنه قناع مكسور لدميةٍ مهترئة.

لكن الأسوأ... ذلك الجمود الذي كان أطول من المعتاد.

أسئلة لا حصر لها طفت في فوق الرؤساء، لكن.. لم يجرؤ أحد على الهمس حتى. أورانوس نفسه لم ينطق، لم يتحرك، لم يدافع عن نفسه، فقط وقف هناك... لا حياة في عينيه ولا ردة فعل تُذكر، صمته كان صرخةً أعلى من كل الكلمات.

مراقبًا المشهد، ركز بلوتو حولهم كملك يشاهد سقوط أحد جنوده في فخ نصبه هو بنفسه. لم يبدُ عليه التأثر، بل بدا له كأن هذه النتيجة كانت محسوبة منذ البداية. ثم، تنهد ببطء، قبل أن يرخي جسده على كرسيه، وكأنه فقد اهتمامه بالموقف برمّته. عيناه المتوهجتان بالحقد الذي لم يفارقه منذ ذلك الكاي المشؤوم.

وأخيرًا، اخترق صوته الأجواء المشحونة زائرًا:

"إذن؟ ماذا الآن، يا رؤساء الكواكب؟"

رفع حاجبًا بتهكم، وهو يمرر نظره بينهم واحدًا تلو الآخر، قبل أن يضيف بنبرة مشوبة بالغضب:

"هل ستطردونه أيضًا؟ هل ستنفونه أيضا؟ إذا كان الأمر كذاك فـ 'الإخوة الأربعة عشر ' أصبحوا..."

و بحركةٍ غريبة، رفع يده كما لو كان يعد بأصابعه، وقال مدعيًا الدهشة:

"سبعة... تبقى سبعة فقط..."

زفر ببرود، وألقى نظرةً على الجميع قبل أن يتمتم بازدراء:

"كما قلت سابقا، يا للوقاحة و العار التي وصلت إليها هذه المجوعة.."

لم يهنأ باله بعد، حتى ألقى كلمات التهديد تلك عليهم:

"خمسة وعشرون سنة كونية، و أنا أبني، وأجهز، وأخطط... و.. أنتظر."

ثم رفع رأسه ببطء، محدّقًا نحو السقف، كأن كلماته ليست موجهة لهم، بل لشيء آخر... لشيء أكبر.

في خضم ذلك، انشق الصمت مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن بلوتو الفاعل، بل شخص آخر.

تحرّك المجهول الذي يُجاور بلوتو، اقترب منه قليلًا وهمس له بشيء لم يسمعه أحد. لم تكن أكثر من بضع كلمات، لكن وقعها كان كفيلًا بجعل بلوتو يضحك ضحكةً خفيفة، قبل أن يتنهد ببطء، و يرفع إصبعه القصير مشيراً إلى رئيس الكوكب الثاني بسخرية:

"هو؟؟"

ثم لوح بيده في الهواء، كمن يضرب شيئاً غير مرئي، وتمتم ساخرا بصوتٍ مسموع مغطيًا فمه من الجانب:

"لا... يا حليفي... لقد — أوه، عذراً! لقد تحدثنا معا، و أنتم لا زلتم هنا!"

اقترب أكثر من الجهاز الذي كان يصور من خلاله، وهمس مرة أخرى:

"لقد سألني عن هوية ذلك الشخص الذي يقف بجانب الأرض... فقلت له:' أنا لا أعتبره موجودًا من الأساس، فـ ' سولاريس ' صديقي مات في الحرب قبل عشرات آلاف السنين الكونية."

الزهرة، بملامحه المظللة وشعره الأحمر الذي انسدل ليخفي جزءًا من وجهه، لم يبدُ عليه التأثر. لم يكن غاضبًا، لم يكن سعيدًا، بل كان تعبيره محايدًا... غامضًا، كعادته حيث من المستحيل قراءة مشاعره.

ثم، بابتسامة خفيفة.. أو ربما لم تكن سوى ردة فعل لا معنى لها فهي بالكاد تُرى، أردف بلهجة هادئة:

"لن أجيبك الآن... سأذهب إليك، وأضرب رأسك الفارغ هذا، حتى تعود إلى رشدك."

لأول مرة منذ بداية اللقاء، بدا على بلوتو الذهول. فهو لم يكن يتوقّع رد فعل كهذا، لكنه بالكاد استوعب كلمات الزهرة حتى تبعتها رصاصة أخرى، اخترقت كرامته مباشرة:

"لكن لا تقلق... لن أذهب إلى كو— "

توقف لبرهة، ثم ابتسم ببرود وأكمل:

"آه، عذرًا... لم يعد كذلك."

لكن، و على حين غرّة، كانت المفاجأة عندما تحولت القاعة من جوّ الرعب إلى هتافاتٍ مفاجئة. قفز الجميع وكأن شيئاً لم يكن. الزهرة لم يرد الصاع صاعين لبلوتو فحسب، بل نجح في نزع تلك السحابة السوداء التي طال أجلها.

[ ياله من وغد حقيقي ]

من جهته، عبس بلوتو قليلًا، وانفرجت عيناه كأنه أمام مشهد مقزز، ثم تمتم بضيق:

"تشه... تفاهة ركيكة."

لكن سرعان ما استعاد هدوءه، وتنهّد قبل قوله:

"تبًا لكم... كنت أرغب في إكمال الحديث، لكنكم أغضبتموني."

قام من على كرسيه، ذراعاه انفتحتا كجناحي شيطانٍ يستعد لإسدال ظلامه على العالم. رفع رأسه بتحدٍّ، وعيناه اللتان تشعان بوهجٍ مجنون تحدقان في شيءٍ ما وراءهم، كأنه يرى ما لا يراها سواه. ثم، بحركة بطيئة، التقط جهاز التصوير بيد مرتعشة، وجّهه ببطءٍ نحو الأعلى، حيث تتدلى الشمس التي بدت رغم بعدها الشديد كشاهدٍ صامت المحاكمة.

همس بصوت كان كهدير بركانٍ قبل ثورانه:

"آآآه... الشمس..."

كلمته الأولى خرجت من حنجرته كأنها أنين جريح، ثم تابع:

"أمّنا... التي وهبتنا الحياة... لنحميها جميعًا... ونحارب لأجلها.. غير مُبالين ببلوراتنا..."

ثم جاءت الجملة الأخيرة، بعد أن زفر الهواء من صدره كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة:

"من المؤسف حقًا... أن تتجمد.."

ما قاله لم يكن تهديدًا، بل إعلانًا لكارثة. شُلّ ' المركز الأحمر ' حيث لم يصدق أحد ما سمعه، عندها، أدرك الجميع الحقيقة المرة؛ الكارثة لم تعد احتمالاً، بل قدرًا محتومًا.

إذًا... هاذا ما يسمى بالجنون؟!

وكأنه قرأ ما يفكرون به بالفعل، تنفس ببطء، ثم قال بهدوء و كأن كل حرف مستقل بذاته:

"الآن، انظروا إلى نجمكم العزيز... قبل أن يتحوّل إلى كرة جليدية."

ثم سكت قليلًا، قبل أن يتابع:

"ألفان و خمسمئة كاي... مروا و نحن نصنع ونبني لبلوغ هدف واحد... الانتقام."

و أخيرًا، وصلنا إلى ذروة مخططه الطويل، رفع يده مشيرًا إلى الخلف. هناك، خلف المجهول الذي رافقه طيلة الوقت، تجسدت الكارثة: 'جهاز التجميد '

أطلّ من بين الظلال ككابوس متجسد، كتلة ضخمة من المعدن الأسود الغريب، ينبعث منه ضوء أزرق خافت كأنه أنفاس الموت ذاته، هيكله الخارجي الذي كان مفتوحاً على مصراعيه، بدى كفم وحش يرغب في إلتهام كل شيئ.. أطرافه التي تدعمه، و بندقيته التي ترأيت الهيكل لم يكونا أقل إرعابًا من سابقاتهم..

لم يكن مجرد سلاح، لم يكن أداة عادية، بل كان شيئًا... شيئًا لا يجب أن يكون موجودًا.

كان الصمت أمثل خيار للتعبير عن ما رأوه.. فلو أن ' باور ' نفسه عاد إلى الحياة، لما أصيبوا بمثل هذا الذهول.

لكن وسط كل هذا الفزع، برز شبحٌ وحيد، لم ينحنِ للهلع. لم تنقبض يداه و لم تتسع عيناه كالباقين... بل كانت شفتاه تُرتسم عليهما ابتسامةٌ غامضة، كمن يعرف اللغز الذي سيحل كل مشاكلهم...

الأرض.

وقف من على كرسيه الخشبي ببطءٍ يوحي بثقةٍ لا تتزعزع..

"لكن..." صوته انطلق مباشرة نحو هدفه.. كي يقطع حبل الصمت المشدود.

ثم قال و هو يريح يديه على الطاولة التي تُحاط بهم:

"...ما ذنب الشمس فيما قلناه نحن، بتولو ؟؟؟"

كان من المفترض أن يغضب بلوتو، أن يصرخ، أن يبدي أي ردة فعل تدل على أنه تأثر بسؤال الأرض المستفز. لكن بدلاً من ذلك...

...ابتسم؟

كانت ابتسامةٌ عريضةٌ غير متوقعة، ابتسامةٌ تثير قشعريرة كل من رآها... أو الحنين..

كان كما أنه رأى الفرج أخيرًا في هذا الجحيم..

فلماذا إبتسم بلوتو؟

— نهاية الفصل—

أتمنى أنه أعجبكم

2025/04/04 · 47 مشاهدة · 1142 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026