ألصق بلوتو ظهره في كرسييه حتى أصبح و كأنه جزء منه، و رفع يده إلى وجهه بحركة غير منتظمة، أصابعه متباعدة بشكل غير متناسق، كاشفة عن إحدى عينيه الواسعة التي لمعت بشررٍ مجنون. القاعة كلها احتشدت في صمتٍ رهيب، حتى الرياح التي تدوي خارجًا بدت كجريمة، قبل أن تتردد كلماته كضربة على الجدران كانت ستُسمع صداها لو كانت محسوسة:
" و الآن ... لنبدأ المرح، أيها الحمقى ... "
اهتزت الأجواء في ' المركز الأحمر '، لكن لم يكن السبب مجرد إنعكاس صورة بلوتو المشوهة على شاشة الإكس بوليتاس، بل شيء أمَرّ، شيء كان يجول في أجواء سيرومي كتيار كهربائي غير مرئي.
كان المريخ لا يزال منشغلاً بالتفكير في ذلك الملثم، رغم إختلاط المشاعر عليه بيناشتياقه العميق لبلوتو، و صدمته التي لم تنفك تغادره، لكنه كان متأكدًا من أنه سيأتي مهما طال ترقّبه.
صوّب عينيه الحمراوتين نحوه بحدة وقال بصوت أجش، كان كافياً ليسمعه الجميع:
" يبدو أنك جلبت زائرًا هذه المرة .."
بلوتو، و بردّ فعل أقسى من صقيع كوكبه، تمتم متهكمًا:
" هذا صحيح، أيها الأحمر ... لقد قدّم لي ما لم يقّدمه إخوتي إلي ... "
ثم إنفجر.. ضحكة هستيرية اهتزت لها القاعة، بل أكثر.. ارتعش البعض رغم محاولتهم لإخفاء ذلك.
كان ضحكه أكثر من مجرد سخرية، كان كفكرة قاتمة تسللت إليه منذ طرده. وعندما هدأ، أضاف بنبرة مشبعة باليقين:
" لم تعد لتلك الكلمة وجود في قاموسي ... لا يوجد سوى أعداء ... وحلفاء... "
الأرض، الذي سعى جاهدًا للحفاظ على هدوئه، تدخل مباشرة، محاولًا تخفيف التوتر الذي بات يخنق الجميع:
" إذا... نحن أعداؤك الآن؟ "
تحولت نظرات بلوتو إلى صاحب السؤال، و عيناه تبرقان بغضب خام، وكأن كلماته تُنطق وحدها. أومأ رأسه، و نظر إليه طويلاً قبل أن يرد بصوت خافت لكنه مزلزل في الوقت ذاته:
" لا تنسَ ذلك، حسنًا؟ "
ثم استرخى فاردًا ظهره الى الخلف و كأن الحديث أرهقه، ثم رفع ساقاً فوق أخرى و كأنه ليس في حضرت من عاشرهم سابقًا، قبل أن يتابع باستهزاء:
" لماذا كل هذا التوتر؟ أليس هذا إجتماعكم الخامس والعشرين إن صحت حساباتي منذ أن أزحتموني من هنا؟ " صوته رغم رقته، بدى و كأنه وسواس لا يمكن مجابهته.
" أريد أن أعرف كل شيء... كل شيء تحدثتم عنه.. كل مشكلة واجهتموها... كل حرف همستموه لبعضكم.."
مع كل جملة، تزداد نبرته حدة، وكأنها تخترق الفضاء الذي يفصلهم. وقبل أن يتجرأ أحد على مقاطعته، أضاف ببطء مدروس:
"لكنني لن أكون فظًا مثلكم... فعلى الرغم من أنني الضيف هنا، سأبدأ أولاً... أممم... مشكلتي الرئيسية الوحيدة... هي أنتم.."
رغم كل الإضطراب و القلق الذان يسيطران على كل ركن من 'المركز الأحمر' إلّا أن شجاعة عطارد كانت كفيلة ليشارك الحديث مع الآخر:
"يبدو أن شجاعتك قد زادت لتتحدث مع رؤساء الكواكب بهذه الطريقة..."
حاول رئيس الكوكب الأول مستعينًا بكل ما تبقى له من رباطة جَأش أن يخفف من حِدة التوتر الخانق الذي إستحوذ على القاعة. تحركت شفتاه المرتعشتان محاولة نطق تلك الكلمات المطمئنة، لكن جسده خانَهُ بوضوح كأنه يصرخ بالحقيقة التي يحاول إخفاءها.
و مستغلًا ذلك، قهقه بلوتو من وراء الشاشة المتوهجة، كانت ضحكة خفيفة تحولت سريعًا إلى سخرية لاذعة:
"صه أيها الضعيف عديم القدرات... لدي معك حساب، سأصفيه بعد قليل..."
كان الوعد الأخير أشبه بحكم إعدام غير مُعلن.
ثم، و بنظرات متفحصة، راح يحدق في كل واحد منهم، حتى توقفت عيناه عند رئيس الكوكب السادس، فقال ضغطًا سبابته ووسطاه معاً في حركة متكررة في إيقاع هزلي:
"آه، نعم... أنت، أيها الضخم... من نعتني بالعبء حينها. صاحب أكبر كوكب في النظام الشمسي... تشه! أفضّل أن أكون قصيرًا على أن أكون طويلاً بدون إدراك للواقع.."
توترت أجواء القاعة أكثر فأكثر، لم يتمكن المشتري من الرد فورًا، و كأنه يحاور نفسه.. لكنه لم يدع بلوتو يتمادى أكثر، فصاح بقوة:
"تبا... صدق الأرض حين قال... عليك أن تحذر من القصير قبل الطويل!"
و بأسلوبه كوميدي، وضع الأرض إصبعه على وجهه، كأنه يقول: "لا تزد الطين بلة."
لكن بلوتو لم يعر انتباهًا لتصريحاته، بل حوّل عينيه الزرقاوين نحو زحل الذي لم يُبعد نظراته عنه، لوح بيده اليمنى وقال ببرود فتّاك:
"يوو... يا قليل الكلام... كيف حالك؟ تدّعي الأخوة، لكنني لم أستبعد فكرة أنك من المتورطين في إقصائي... لماذا..."
كانت الكلمة الأخيرة ساخرة بشكل فاضح، لأنه و كما يدرك الجميع أن زحل ينهي حديثه دائمًا بـ' لماذ ' لسبب لا يعلمه أحد. لكن هذا الأخير، و بفضل طبعه الهادئ، تجاهله، مدركًا أن صديقه السابق يحاول استفزازه عمدًا، مانعًا المشتري من الرد للدفاع عنه.
بعدها، وضع بلوتو يده على صدره، مغلقًا عينيه، قبل يفتحهما و يقول بنبرة تمثيلية ساخرة:
"أوه، ماذا لدينا هنا؟ رئيسا الكوكبين الصخريين اللذان يعتبران نفسيهما محققين في سبيل النظام الشمسي... أوووه.. لقد تأثرت حقا!"
خيّم السكون مرة أخرى، لكن الأرض والمريخ شعرا بأن إحدى بلورتيهما قد تحطمت من قوة الصدمة. كيف علم بلوتو بتحقيقهما حول المعلومات المسربة؟ عندئذٍ، أحس الأرض بذلك الإحساس القاسي الذي حذره منه المريخ مسبقًا:
"هل كانت تلك التسريبات مجرد فخ؟"
لكن بلوتو لم يمنحهما وقتًا كافياً لاستيعاب ما ورد منه، بل حوّل نظراته إلى العملاقين الجليديين، وحدق فيهما بنظرة شؤم مريبة، قائلاً:
"وأنتما، أيها الأزرقان... لقد خيبتما ظني بمسايرتكما لهؤلاء... وبالأخص أنت، يا أورانوس..."
ثم وقف من على كرسيه بتمهل أشبه بدهر من الترقب، وضع يديه خلف ظهره، ناظراً إليهم من الأعلى، كحاكم يحكم على عبيده:
"آه، لطالما انتظرت هذا الكاي... خمسة وعشرون سنة كونية... لم تمر بسرعة كما اعتدت، ثقل كل كاي منها عليّ... من تخطيط، و إنجاز، و تكرار مستمر... لكنني لم أكن وحدي كما تعتقدون... كان هذا الشخص الذي يقف بجانبي معي طوال الوقت... إنه حليفي الوحيد."
همس بلوتو وهو يمد يده نحو الظل الذي تحرك بدوره. لكن قبل أن تتلامس أيديهما، حدث ما لم يتوقعه أحد.
التفت الجميع إلى مصدر الحركة المفاجئة.
عيناه اتسعتا بذهولٍ غير مصدقة لما حدث، كمن يستيقظ من حلمٍ ليجد يديه ملطختين بدمٍ غريب. أصابعه ارتعشت في الهواء، كأنها تخضع لقوةٍ تسحبها نحو مصير لا ذنب له فيه..
"ماذا...؟" همست شفتاه المرتعشتان، لكن يده استمرت في إتباع المجهول، وكأنها تعيش حياةً مستقلة عن جسده.
حتى الكلام لم يكن ليساعده حينها.. أدرك أورانوس ذلك وسط نظرات الخيبة المؤلمة...
أورانوس...؟