كان 'المركز الأحمر' في سيرومي يبدو أكثر قتامةً من المعتاد. القاعة الكروية الشاسعة، المبطنة بجدرانها الحمراء المزينة بنقوش تاريخية، كانت تعكس خفوتًا غريباً هذا الكاي، وكأن الضوء نفسه يتردد في اختراق ذلك الجو المشبع بالثقل.

اجتمع رؤساء الكواكب كعادتهم، ولكن هذه المرة، كانت الأجواء مشحونة بتوتر غريب، و ثقيل بالكتمان.

القاعة الضخمة، التي أضيئت بأضوائها الباهتة، زادت من حدة القلق السائد. كان الجميع على دراية بأن الاجتماع هذه المرة ليس كأي اجتماع آخر؛ فقد تسربت معلومات غامضة، هزت النظام الشمسي بأسره. نظرات متبادلة، حذرة، مليئة بشكوكٍ لم تُنطق.

وقف المريخ من على مكانه، بملامحه الحادة وعينيه المتوهجتين مثل جمرات حارقة، أعلن بدء الاجتماع بصوته الجهوري المعتاد:

" أُعلن بداية إجتماع رؤساء الكواكب.."

لكن بدلًا من أن تتوالى الكلمات كما هو معتاد، ساد صمت مطبق حيث لم يتجرأ أحد على الكلام، وكأن كلمة واحدة قد تشعل حربًا كونية أخرى. نظراتهم تتصادم ثم تتهرب، كل منهم يحاول أن يقرأ ما تخفيه عيون الآخرين، لكن الجميع كانوا مقفلين كالقلاع المحصنة.

أخيراً، انطلق صوت أحدهم، محاولًا كسر الصمت الجاف: "حسنًا.. ماذا حدث معكم؟" لكن السؤال ضاع في الفراغ، وكأنه لم يُسمع، حتى أن نبتون ظلّ يرمق كل فرد منهم ليجيبه.

في محاولة يائسة لكسر القيود، بدأ الأرض بالتحدث عن حال كوكبه بصوتٍ متذبذب:

"لأول مرة منذ سنوات كونية طويلة، لم تحدث كوارث جسيمة على كوكبي. يبدو أن الأمور بدأت تتحسن أخيرًا."

و أخيرً، و منذ بدء الإجتماع، تغيرت تلك الملامح الجامدة؛ إذ ارتسمت على وجوه الحاضرين ابتسامات خافتة، رغم أغلبها لم يخلُ من السخرية.

كان الجميع يعلم أن الكوكب الثالث من المجموعة الشمسية يعاني كل كايٍ من الكوارث الطبيعية والإجرامية، وأن ما يقوله ليس سوى هدوء في بحر من الفوضى. لكن المريخ لم يتمالك نفسه و لم يتردد في السخرية من صديقه بشكل غير مباشر، مشيرًا إلى ضعف سكان كوكبه:

"ربما سكانك استنفدوا طاقتهم في التخريب.. فقرروا أخذ إستراحة!"

اشتعل لهيب غضب الأرض فقد احمرت عيناه، لكنه كتم ردَّه وسط ذلك الجو الذي أصبح أكثر توترًا، كخيط مشدود على وشك الانقطاع.

توالت الأحاديث عن أوضاع الكواكب و أقمارها، المشاكل و الإقتراحات، حتى قطعها صوت جهوري، هادر كالرعد:

"كفانا تسويفًا.. لماذا.."

كان المتكلم هو زحل، الذي دوى صوته في القاعة ليعيد الجميع إلى الموضوع الأساسي و أكمل:

" لنتحدث عن المعلومات التي تهمنا جميعًا الآن.. لماذا.."

تحرك نبتون أخيرًا، وعيناه البارقتان تكشفان عن عدم يقين، قائلاً بصوت بارد:

"لم أعثر على أي أدلة بشأن تلك المعلومات."

ثم تابع الزهرة:

"لقد زرت إيريس بالفعل، لكنه لم يكن يعلم شيئًا.. لكنه أشار إلى أن المصدر الوحيد الممكن للمعلومات هو.. كوكب... بلوتو."

أصيبة القاعة بشلل مؤقت بعد ذكر ذلك الإسم الذي كان كافيًا ليغمر المكان بموجة من المشاعر المتضاربة؛ حزن، شفقة، وربما رهبة.

لكن المشتري كسر ذلك الجمود سريعًا، نافياً ما قيل:

"مستحيل! بلوتو لن يفعل أي من ذلك!"

لكن أورانوس، الذي كان صامتًا مذ أكمل الحديث عن كوكبه، فاجأهم أخيرًا بصوت منخفض:

"ربما لم يكن هو، بل أحد أقماره." نظر الجميع إليه مندهشين من إستنتاجه الطائش.

لكن عطارد، و بنبرة مشبوهة، أيّد جزءًا من فكرته:

"إذا كان هذا صحيحًا.. فهناك احتمال ثانٍ؛ ربما تكون التسريبات مجرد فخ.."

ثم أضاف جملة أثارت الرجفة في نفوسهم:

"إلا إذا كان بلوتو يخطط لشيء ضخم.. لا يمكننا مواجهته.."

عمّ الترقب أرجاء القاعة، و مع ذلك، و بعد تردد بسيط، رفع الأرض المعلومات على الإكس بوليتاس، الشاشة الكونية العملاقة أين ظهرت خريطة نظام الشمسي تمتد من كوكب عطارد حتى كوكب بلوتو، تتخللها خطوط ملونة، بعضها يتجه نحو الشمس... و البعض الآخر يشكل شبكةً معقدةً حولهم جميعاً.

إلتقط المشتري مستعينًا بنظراته الفاحصو التفصيل الأكثر رعبًا و الذي لم يدركه أحد:

"انظروا! الخط الذي يمتد من بلوتو إلى الشمس يحمل نفس اللون الذي يصل كوكب بلوتو بكوكب أورانوس!"

التفت الجميع نحو هذا الأخير، الذي تغيرت ملامحه فجأة، وكأنه قد طُعن بخنجر الحقيقة، لكن قبل أن ينطق بكلمة، قفز نبتون فجأة، مشيرًا إلى تغير في طبيعة الخطوط:

"هنا.. كل خط في هذه الخريطة مختلف عن الآخر! هناك شيء غير طبيعي!"

ارتجفت أصابع الأرض و هو يحدق في المُشتبه بعينين تشعان بوهجٍ غريب. داخله، كانت عاصفة من الشك واليقين تتقاتلان على الفوز

"لا.." همس في نفسه، وصوته الداخلي يهتز كخيط مشدود على وشك الانقطاع. "أورانوس..."

لكن شفتيه ظلتا مغلقتين بإحكام. فالأرض و على غير عادته كان متأكداً هذه المرة من تورط أورانوس متأكداً تأكد القاتل الذي لا يأتي إلا عندما تغط ضحيته في سبات عميق..

لكن هذا مستحيل! ما زالت الأدلة ناقصة.. فقط دليل واحد قد يحوّل شكوكه إلى حقيقة مطلقة.

حتى المريخ سيطر عليه نفس اليقين، رغم أنه أراد تجنبه منذ البداية.

بلغت الأزمة ذروتها، وكأن الجميع يقفون على حافة كارثة.

ثم... ظهر أخيرًا...

تشوشت شاشة الإكس بوليتاس و كأنها تحذر من خطر.. قد حضر بالفعل، قبل أن يظهر ذلك الوجه المألوف..

بلوتو...

جالسًا على كرسيه المتآكل، جسده المحصّن بدروعه الزرقاء، المنحني قليلاً إلى الأمام لم يكن بحاجة إلى الحراك ليثير الرعب... مجرد وجوده كان كافياً لشل حركة الجميع.

نظراته اخترقتهم واحدة تلو الأخرى، بطيئة، متعمدة، لم يكن يحتقرهم فحسب... بل كان يستصغر وجودهم بالكامل.

عمّ الصمت، ولم يجرؤ أحد على النطق، كان الوضع أشبه هالة مرعبة تترصّد إشارة واحدة من هذا الكائن لتعلن بدأ النهاية.

بوقار مطلق، غيّر بلوتو وضعية جسده، وكأن ظهوره أمامهم أمر طبيعي، لكن الحقيقة كانت أبعد ما تكون عن ذلك.

لم يلتقي أحد به منذ خمسة و عشرين سنة كونية.. منذ ذلك الكاي المشؤوم.

لم يستطع عطارد كبح نفسه، فوقف مدعيًا الصلابة، قائلاً: "مرحبا بلوتو.. مر وقت طويل.. ماذا تريد من رؤساء الكواكب؟"

لكن ابتسامة شريرة قد زحفت على شفتيه قبل أن تتحول إلى لوحة تعبر عن حقدٍ دفين. ثم همس بصوتٍ لم يسمعوه منذ ربع قرن كوني:

"ألا تتذكر ما قُلت قبل خروجي من هذا المكان القذر، أيها الفاشل؟ تشه.. لا بد أن الأرض نقل عدوته لكم.. كان سؤال ذلك الأزرق هو آخر ما سأجيبكم عليه.. والآن..."

ألصق ظهره في الكرسي، و وضع يده على وجهه بطريقة غير منتظمة، حيث تباعدت أصابعه بشكل غير متناسق، كاشفة عن إحدى عينيه الواسعة التي اشتعلت بنظرة مجنونة، قبل قول تلك الكلمات:

"لنبدأ المرح، أيها الحمقى..."

لكنّ الصدمة لم تبلغ ذروتها بعد..

تحرّك بلوتو ببطءٍ مخيف.. و كشف عن "ضيف الشرف" في مسرحيّته المروّعة. كان جسده ككتلة ضباب أسود متحرك، يرفض الضوء أن يكشف عن تفاصيله. عباءته السوداء تموج كدخانٍ حيّ، أما عن قناعه المعدنيّ الذي لم يكن سوى لوحةٍ فارغة تخفي كل تفاصيل وجهه.

لكن إبتسامة رئيس الكوكب الرابع كسرت الترقب الذي يسبق الكارثة؛ تلك الابتسامة التي تظهر على وجه الجندي حين يرى العدوّ الذي حذّره منه رفاقه القتلى...

"إنّه هو.." همس في دهشة، بينما تتسارع ذكريات حديث فيبوس الأخير في رأسه:

" خطى بينهم شخص، لم أتمكن من رؤية ملامحه، كان قناعه غريبًا، وعباءته تخفي كل تفاصيله. اقترب مني، كانت مشيته بطيئة، متعمدة، كأنما يستمتع برؤيتي محاصرًا..."

"لقد ظهرت أخيرًا... أيها الجبان.."

اللعبة تبدأ أخيرًا! لكن كيف ستكون نهايتها؟

— نهاية الفصل—

أتمنى انه أعجبكم

2025/04/01 · 75 مشاهدة · 1084 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026