وسط سكون الفضاء اللامتناهي، وقف الأرض واضعًا يده على أذنه متحدثًا بصوت هادئا لكنه حاد:
" أنا عند الكوكب التاسع... ماذا عنك؟"
على بعد مليارات الكيلومترات، كان المريخ يضغط على سماعته الخاصة بقفازته المدرعة السوداء. صوت الأرض خرج واضحاً، كأنه يقف بجانبه، رغم المسافات الشاسعة بينهما. المريخ أجاب بنفس الجدية:
*"ممتاز... أنا الآن في الكوكب الثامن. لا تنسَ رمز التسجيل كالعادة."
ما إن أنزل يده، معبرًا عن انتهاء المكالمة، شعر هذا الأخير بوجودٍ غريب.
شخصٌ يقترب منه، لكن دون أي صوت خطوات. رفع رأسه ليرى من هو أطول منه، كانت تكسوه دروع زرقاء خافتة تتلألأ بلمسات بيضاء كالثلج، عيناه تتوهجان بهدوء مريب، كنجمين في ظلام الفضاء.
أورانوس، رئيس الكوكب الثامن، كان أمامه، بابتسامة هادئة لم تفارق وجهه.
تقدم أورانوس نحوه بخطى سلسة، أشبه بانسياب الموج على شاطئ جليدي، وبحركة متقنة مد يده نحوه في تحية غير مألوفة. مد المريخ يده بدوره، وتصافحا بطريقة جمعت بين الرسمية والألفة، لكنها حملت شيئًا من الغموض حيث التقت قبضة كليهما في منتصف المسافة.
الصمت الثقيل ساد بينهما كالطاغية، حيث لم يكن هناك سوى صوت صفير الرياح الذي دوى بين دروع الرئيسين. ثم انسحبت الأيدي ببطء
في عيني أورانوس، رأى المريخ وميضاً غريباً، كان شيء أشبه بحسرة قديمة مدفونة تحت طبقات من الجليد. بينما في قبضة المريخ الحارقة، شعر أورانوس برعشة خفيفة، ليست ضعفاً، بل كأنها تحذير من عاصفة قادمة.
رفع الزائر عينيه ليتأمل الكوكب المحيط به. كان كوكب أورانوس يغرق في زرقة صافية لا تشبه أي مكان آخر، غلافه الجوي يضج بالعواصف، لكن سطحه كان أشبه بلوحة فنية متجمدة، مزيج من الظلال والضوء يعكس هدوءًا زائفًا.
سرعان ما انهال أورانوس على المريخ بأسئلته التي لا تنتهي.
كلماتُه تتساقط بلا توقف كقطع جليد حادة. عيناه الواسعتان تومضان بشراهة الباحث عن الحقيقة، بينما أصابعه الطويلة ترسم أشكالاً غير مفهومة في الهواء، كأنها تحاول التقاط الأفكار نفسها من الفراغ.
منذ الأزل كان هذا الرئيس فضوليًا بالفطرة، باحثًا عن المعرفة، وعقله الحاد لم يترك فرصة لتمضي دون محاولة كشف خباياها.
محاولات المريخ في إلتقاط أنفاسه بين الأسئلة باءت بالفشل، لأن أورانوس لم يترك له فجوةً لذلك؛ كان كعالم مجنون أمام عينة نادرة. حتى حركات جسده القوس كانت منفعلة يرفع حاجباً هنا، يميل للأمام هناك. يُمكن وصف حالته بكلمت واحدة:
إنه هوس! هوسٌ مخيفٌ بكشف كل سر، بمعرفة كل شيء، بفك شفرة الكون نفسه لو استطاع.
"انتظر!" حاول المريخ أن يقاطع، لكن أورانوس كان قد انتقل بالفعل إلى سؤال آخر، صوته يعلو قليلاً بعد كل نقطة إستفهام في كلامه.
لكن سؤالاً واحداً جعل المريخ يوقف سيل أسئلةالآخر:
"كيف حال قمرك الآن؟"
تردد واضح ارتسم على ملامح المريخ، قبل أن يجيب:
"بعد أن استجوبناه... قال لي بأن... ميراندا وبقية أقمارك هم من هاجموه."
- ميراندا؟! قمري؟! مستحيل!!"
كانت كلمات أورانوس مشوشة، لكن عينيه.. كانتا تقولان شيئاً آخر مخالفًا لنبرة صوته.
المريخ لاحظ ذلك بالطبع... لم يكن أورانوس مثل إخوته، دائمًا ما كان محافظًا على هدوئه، دائمًا يخفي مشاعره، لكن الآن؟ كان مكشوفًا بشكل غير طبيعي.
حاول المريخ كبح شكوكه وسأل مدعيًا الجهل:
"كيف؟ أتعني أن قمري يكذب بشأن هذا الخبر؟ أين كان ميرندا وقتها؟"
كان صاحب السؤال يريد الظغط عليه أكثر ليُخرج كل ما في جعبته.
ازدادت توتر أورانوس، تردد في الرد قبل أن يقول بصوت متقطع:
"لقد... لقد كان هنا... في كوكبي... أين يمكنه أن يكون؟"
لكن كلماته بدت مشتتة، متكسرة كزجاج رقيق يحاول تحمل وزن ثقيل و مع كل سؤال جديد كان وجهه الشاحب يخون مشاعره أكثر، عيناه الباهتتان تتسعان ثم تضيقان، شفتاه ترتجفان ثم تنغلقان فجأة، وكأنه يحاول احتجاز الحقيقة بداخله بالقوة.
لم يتغير المشهد أبدًا:
أسئلةٌ عديدة... و في المقابل إجابات متناقضة...
المريخ، الذي كان يحلل كل حركة و حرف، لم يعد بحاجة لمزيد من الأدلة. التناقضات كانت كافية، الارتجافات، التلعثم، نظرات العين الهاربة كلها تشير إلى حقيقة واحدة:
هذا ليس أورانوس الذي يعرفه... هذا نذل يحاول يائساً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من حطام كذبة كبرى.
وأخيرًا، و قبل مغادرته، ألقى المريخ قنبلته الأخيرة:
- هل ميراندا هنا الآن؟
- لـ... نـ... نعم.. نعم.. إنه هنا، شكرًا على اهتمامك.
حدق به المريخ باشمئزاز، لم يعد متأكدًا مِن الشخص الذي يقف أمامه. ثم قال بجملة جعلت أورانوس يرتجف:
"هل يمكنك أن تستدعيه إلى هنا؟"
صمت قليلًا، لكنه استعاد توازنه مغمضًا عينيه، واضعًا يده على صدره، ثم دوى صوت ثالث؛ حاد ومفعم بالولاء:
"بماذا أساعدك، سيدي؟"
ظهر أخيرًا، انبثق فجأةً من الظلال كشبحٍ ملثم، قامته القصيرة تناقضها هيئةٌ صلبة كصخرة من الألماس. شعره الأسود القصير كان أشبه بخوذة معدنية ملتصقة بجمجمته، بالكاد يُرى تحت الأضواء الخافتة. لكن كل شيء كان ثانوياً أمام تلك الندبة؛
الخط الذي يقع تحت شفته السفلية، لامعًا كسيفٍ منقوش على وجهه. لم تكن تشوهه، بل كانت علامة جعلت ملامحه القاسية أصلاً تبدو أكثرَ جمالًا.
حتى ابتسامته - إن صح تسميتها بذلك - كانت تجعلها تتمطط كثعبان ينقض على فريسته.
رفع عينيه أخيرًا، ناظرًا إلى المريخ، قبل أن يخفضها مجددًا قائلًا باحترام:
"سيد مريخ.. نرحب بك على كوكبنا الثامن من المجموعة الشمسية."
أعجب المريخ دومًا بأسلوب ميرندا الموزون في الحديث، مختلف تمامًا عن ديموس المتهور.
تحيته كانت ودية، لكن المريخ لم يرد إضاعة الوقت وسأله مباشرة:
"هل سمعت بحادثة فوبوس؟"
لم يتردد ميرندا، فقد أجاب بثقة:
"نعم، سيد مريخ... وقد زرته أيضًا بعدها."
لكن أورانوس، الذي كان يراقب الحديث كطرف ثالث، تغيرت ملامحه فجأة عند سماع رد المريخ:
"أين كنت وقتها؟ لا تستغرب، إنه مجرد فحص بسيط."
وضع ميرندا يده على ذقنه مفكرًا، ثم هم بالإجابة بنفس نبرته الجادة:
"كنت في... كوكب نبتون! كنت مع أقمار السيد نبتون في مهمة استكشافية في حزام كايبر."
تجمد أورانوس في مكانه. لم يحاول حتى إخفاء ارتباكه، لكن ميرندا لم ينظر إليه، بل واصل حديثه بثبات.
اكتفى المريخ برفع يده في حركة جافة، قطعاً للحديث قبل أن تسقط بثقل إلى جانبه. لم ينتظر رداً، لم يلتفت حتى. خطواته الثقيلة على الأرض الجليدية كانت كدقات ناقوس الموت.
حتى اورانوس لم يحاول القيام بأي رد فعل، فقط نظر إلى قمره بنظرةٍ طويلة، يمكنها أن تعبر عن كل شيئ، لكن الغضب؟ لا أثر له.
" مالذي تحاول أن تخفيه؟ أم أن السؤال الصحيح هو من تحاول أن تحميه؟ "
همس المريخ لنفسه و هو يتوجه نحو بوابته الفضائية.
─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ──
أنزل الأرض يده من على أذنه ببطء، عينيه تتحريان المكان كأنه يبحث عن شيء ما او شخص ما.
كان من المفترض أن يكون نبتون هنا، لكنه لم يأتِ. أمر غريب... فمهما تأخر، لم يكن يتجاهل الحضور بهذا الشكل.
نظر حوله بتفحص، والضوء الأزرق الداكن الذي يغلف المكان أعطاه إحساسًا غامضًا بعدم الارتياح.
إن كان كوكبه يسمّى بالكوكب الأزرق، فما المفترض ان يُلقب كوكب نبتون الذي كان دائمًا مختلفًا عن بقية الأجرام السماوية، هالته الباردة تحيط برئيس الكوكب الثالث، كما لو كان يخفي أسرارًا في أعماقه التي تمتد بلا نهاية.
لم يضيع الأرض المزيد من الوقت، بل توجه مباشرة إلى مقر نبتون. البوابة الضخمة، المزينة بزخارف فضية تعكس ضوء الكوكب، انفتحت أمامه ببطء، كأنها تحذير لما هو قادم. وما إن خطا خطوته الأولى حتى وجده هناك... خلف الباب مباشرة.
نبتون وقف كأنه كان يستعد للخروج، عيناه التقتا بعيني الأرض بعد ان رفع رأسه، قبل أن يبتسم ابتسامة صغيرة، مجاملة أكثر من كونها ترحيبًا.
"أووه، أهلاً بك أرض!"
قال بصوته العميق، حتى أن عينيه الرماديتين الواسعتين بدى عليهما التفاجأ ثم أكمل: "ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
شعر الأرض بوخزة شكّ حادّة، و رفع حاجبه باستغراب، فمنذ متى كان نبتون لا يتوقع قدومه؟ لكنه لم و لن يُظهر شكوكه. نبتون، و بِرد فعل غير متوقع، حاول تحويل الأمر إلى مزحة خفيفة، مستفيد من ضحكته التي ترددت في القاعة الفسيحة، لكنها لم تمر مرور الكرام على الأرض، الذي وضع هذه الملاحظة في حسبانه.
"ماذا كنت تفعل هنا؟ هل كنت على وشك المغادرة؟"
سأل الأرض مباشرة بنبرته هادئة لكن عينيه كانتا تدرسان كل حركة يقوم بها الآخر.
أجاب نبتون بسرعة، دون تردد: "كنت ذاهبًا لزيارة أحد أقماري."
لم يلاحظ الأرض أي ارتباك في إجابته، كان هادئًا كعادته. لكن مع ذلك، شيء ما لم يكن صحيحًا... فقرر تغيير خطته فور سماع أن القمر الذي سيزوره هو تريتون، هذا الإسم الذي تمنى الأرض لقاءه منذ أن نطق فيبوس إسمه: "في هذه الحالة، أرغب في زيارته معك."
لم يبدِ نبتون أي اعتراض، بل وافق فورًا.
عبر الاثنان البوابة الصغيرة، التي كان ضوؤها الساطع يناقض ظلمة المكان عند عبورها، وجدا نفسهما على سطح القمر. كان تريتون يقف هناك، ذلك الذي أشار إليه نبتون، يتحدث مع شخص آخر. استشعر تريتون البوليتاس الخاص بسيده، فاستدار فورًا، وكذلك فعل الآخر. الأرض لم يحتج تفسيرًا ليدرك أنهما من الأقمار السبعة الباقية لنبتون... من أصل أربعة عشر.
أرخى نظراته قليلاً، وابتسامة حزينة مرت على شفتيه وهو يهمس في نفسه مستذكرًا ذكريات الماضي المؤلمة:
"أنا... أكره هذا الرقم."
طلب نبتون من ساو، القمر الذي كان بجانب تريتون، المغادرة. لم يتردد بل غادر فورًا دون أن يهمس بحرف.
وقف الأرض، متابعًا المحادثة بين الرئيس وقمره باهتمام، متجنبًا التدخل... حتى سمع تلك الكلمات التي هزت كيانه بالكامل:
"بالنسبة لحادثة فيبوس، سيدي..."
غير الأرض وضعيته، واقترب خطوة دون وعي، عيناه معلقتان على تريتون الذي بدا جادًا أكثر من المعتاد. أما عن نبتون فلَم يبدِ أي رد فعل، بينما واصل قمره:
"لقد حصلت على إذن من السيد المريخ لفحص موقع المعركة التي خاضها مع مجموعة من أقمار أورانوس الجبناء."
عينا الأرض اتسعتا قليلاً، عقله يعيد تحليل كل كلمة قيلت.
" أقمار أورانوس؟ كيف؟ "
"جميل جدًا! هل قال لك قمر المريخ عن الفاعلين؟" سأل نبتون،
بنبرة هادئة كعادته، ثم التفت فجأة نحو الأرض الذي كان يحاول إخفاء صدمته متسائلًا "هل صحيح أن أقمار أورانوس هم الفاعلون؟ لقد نسيت الأمر تمامًا."
هز الأرض رأسه مؤيدًا، لكن داخله كان في حالة فوضى عارمة.
استمر الحديث كالمعتاد، لكن الأرض بالكاد كان يسمع ما يُقال. كلمات تريتون علقت في ذهنه، تعيد نفسها مرارًا وتكرارًا.
بعد قليل، استأذن الأرض المغادرة، محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه.
وافق نبتون، قائلاً بهدوء: "سألقاك بعد عشرين كاي في الاجتماع إذا."
تحرك الأرض مغادرًا، لكن تركيزه لم يكن حاضرًا معه. الحقيقة التي بدأت تتشكل أمامه كانت مزعجة أكثر مما تخيل...
─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ──
و أخيراً... بعد رحلةٍ مليئةٍ بالخداع و الغموض، التقيا في واحةٍ بدت و كأنها أجمل ما في الكون.
مكانٌ بدى وكأن الزمن توقف فيه، حيث الخضار يمتد و كأن لا نهاية له. الشمس الذهبية تلقي بأشعتها عبر أوراق الأشجار العملاقة، فترسم ظلال متشابكة على وجهيْ الشخصين الواقفين تحت ظل... ظل لذلك الشيء الضخم الذي يلامس السماء بأذرعه.
وقف الأرض والمريخ وجهاً لوجه، تفصل بينهما خطواتٌ معدودة. في عيني الأرض، رأى المريخ شرارة التحدي التي عرفها منذ الأزل. أما عن نظرات المريخ الحمراء، فقد أوضحت للأرض عزمًا لا يلين.
ثم، وكأنما تحركا كجسدٍ واحد، انطلقت الكلمات من حنجرتيهما في انسجامٍ رائع و غريب في الوقت ذاته:
"لقد تقلصت الاحتمالات..."
ريحٌ عابرةٌ حركت أوراق الأشجار الصفراء قبل نُطق الحملة التالية:
" بقي هما الاثنان فقط."
لكن المفارقة كانت في ما جاء بعدها.
الأرض، بعينيه الخضراوتين، همس باسمٍ كالصاعقة:
"نبتون.."
إبتسم المريخ قبل قوله بصوته الحاد، كصوت قطع السيوف:
"و.. أورانوس."
للمرة الأولى منذ بدء التحقيق... اختلفا.
في ذلك المكان الهادئ، حيث لا يوجد سوى حفيف الأوراق وهدير المياه البعيدة، بدأت المعركةٌ الجديدة... لكنها تختلفعن سابقاتها في شيئ واحد:
"إذا كان علينا أن نشكك في إخوتنا، فمن بقي لنا لنُؤمن به؟"
— نهاية الفصل—
ملاحظة1: لا بد و أنكم لاحظتم غياب بلوتو في الفصول الثلاث الأخيرة لكني أعدكم أنكم ستملون منه في المستقبل 😅
ملاحظة2: "بعد فصول طويلة من الترقب، انتهى زمن التمهيد أخيرًا… و الآن تبدأ اللعبة الحقيقية. الفصل القادم لن يكون مجرد محطة عبور، بل بوابة إلى الجنون. استعدوا… فكل الأوراق و الألغاز ستُكشف بداية من الفصل القادم!"