14 - هما الإثنان فقط {ج2}

انفجرت الغازات الملونة في سماء كوكب المشتري كألعاب نارية كونية، بينما كانت العواصف الأبدية تزمجر كوحش جريح. في قلب هذه الفوضى، وقف المشتري على منصته العائمة، جسده الضخم يلقي بظل مهيب على المريخ الذي بدا كجندي صغير أمام إمبراطور. عيناه ذو اللوننين المختلفين، بدتا كقرصين لامعين ضائعتان داخل زوبعة لا تنتهي، كانتا تراقبان الزائر بتركيز غريب.

كان رئيس الكوكب السادس، بطبعه الحذر، قد فهم فورًا أن المريخ لم يأتِ هنا للزيارة فقط، بل لإخباره بشيء أكثر أهمية. لم يكن بحاجة لسماع الكلمات ليقرأ ما بين السطور.. فالمريخ لم يكن من النوع الذي يزور الآخرين دون سبب وجيه.

لقد حضرت أخيراً. أ يجب أن يشغل بالك شيئ حتى تزورني؟" قال المشتري بصوته الذي يشبه دوي الرعد، ثم أكمل بنبرة أكثر حذر:

"أعلم أنك تحمل شيئاً في صدرك... فليخرج."

تنهد المريخ بهدوء، تجاهل إستهزاء الآخر متجاهلا إياه، ثم أطلق قنبلته بلا تردد:

"أ لم تتساءل أبدًا عن حادثة قمري؟ أم... أنت تريد تجاهل الأمر.. "

- لم أفهم ما ترمي إليه.. أ لا يكنك التحدث دون ألغاز رجاءا؟

رُسمت على وجه المريخ إبتسامة صغيرة بينما كان يرمقه بخيبة قائلا:

" ظننتك أذكى من هذا.. أقمارك أيها الضخم.. مجموعة من أقمارك هم من هاجموا فيبوس."

لم تتغير ملامح المشتري، لكنه ظل صامتًا، كأنه يحلل كل حرف في الجملة. لم يكن من النوع الذي يُظهر انفعالاته بسهولة، لكن ذكاءه الخارق كان معروفًا للجميع.

ثم، بدأ جسده يتقلص، كأنما يُسحب منه الحياة دفعةً دفعة، مثل بالونةٍ مفرغة تُذويها يد خفية، حتى تساوى في الحجم مع المريخ؛ ذلك الرئيس الذي كان يبدو بجانبه كطفل صغير. والآن، وقف أمامه نداً لند، وكأن الكون نفسه يمحو الفروقات بين العمالقة.

وبسخرية خفيفة، ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، قبل أن يجيب بنبرة هادئة ولكنها تحمل ثقلًا خفيًا:

"هل حقًا يكونون أقماري أم... أقمار أورانوس؟"

عندها، انطلقت ضحكة خفيفة من الرئيس الأحمر، كان هذا تمامًا ما توقعه، فالمشتري لم يكن لينساق بسهولة إلى ذلك الفخ الواضح.

كل خطوة من خطوات المريخ، كل كلمة نطق بها، كانت تمر تحت مجهر ذلك العقل الجبار الذي لم يُهزم منذ ملايين السنين الكَونية.

لم يكن رئيس الكوكب الرابع بحاجة لقول المزيد، فالمشهد عاد إليه كما لو كان يحدث أمامه من جديد...

فقبل خروج المريخ و الأرض من غرفة الكاستيباس بعد إستجواب فيبوس، وقف هذا الأخير أمام البلورة التي كان يقبع داخلها قمر المريخ المتضرر، نظر إليه بتمعن، بينما كانت عيونُ الجميع تترصدُ الأرض بترقب ممزوج بالريبة، وبحركةٍ بطيئةٍ متعمدة، مالَ قليلاً نحو البلورةِ الشفافةِ التي يحتَجِزُ فيها فيبوس، حتى أنَّ أنفاسَه تركَّعتْ على السطحِ البارد.

"استمع إليَّ جيداً..." همسَ بصوتٍ هادئ كالسكين قبل الطعن، لكنّه متعمدًا جعلهُ مسموع لكلِّ الحاضرين، و أكمل :"عندما تخرج من هنا، ستذهب مباشرة إلى المشتري..."

توقَّفَ بنية القصد، بينما كانت عيناهُ الزرقاوتان تلتقطانِ ارتعاشةَ ذعرٍ خفيفةٍ في عيني فيبوس "وستُخبره أنَّ الذين قاتلتَهم... كانوا أقمارَ أورانوس."

قالها بينما ظلّ فيبوس واقفاً كتمثالٍ من جليد، عيناهُ تتسعانِ وهو يدركُ فداحة اللعبة التي أصبحَ جزءًا لا يتجزأ منها، ليس وحده، بل كانت الإجابة واضحة في عيون الجميع:

هذهِ ليستْ خطة.. بل إعلانُ حرب.

أغمض المريخ عينيه، ثم فتحهما مجددًا، كأنه استرجع كل الأحداث في عقله بسرعة. لكن المشتري دمر مخزن ذكرياته، و مد يده العملاقة، وكأنه يحاول الإمساك بالهواء نفسه قائلا:" لقد كشفت اختبارك الصغير... كما كشفت أمراً آخر." توقف، ثم أطلق العنان لضربته القادمة التي جعلت الآخر يتسمر في مكانه: "هناك خائن بيننا... لقد إكتشفت ذلك منذ يوم إصابة قمرك."

لكن المريخ سرعان ما استعاد هدوءه، كان يعلم أن ذكاء المشتري استثنائي، لكنه لم يتوقع أن يكشف كل شيء بهذه السرعة. مع ذلك، لم يكن هذا مفاجئًا تمامًا، فالجميع يعلم أن المشتري وهاوميا كانا أذكى العقول في المجموعة، لكن الآن... لم يبقَ سوى هذا الضخم.

و بمسافة ليسة ببعيدة، عند وصول الأرض إلى الكوكب المجاور للمشتري، استقبله زحل بفرح واضح. كان زحل شخصية خجولة وقليلة الكلام، لكنه كان أحد أقوى المقاتلين عندما يتعلق الأمر بالأسلحة الكونية، إن لم يكن أقواهم..

امتدت أمامهم حلقات ذهبية، تدور بلا توقف حول الكوكب العملاق، كساعة كونية لا تعرف العجلة، عاكسةً بريقًا ساحرًا تحت ضوء الشمس البعيد. السحب الكثيفة التي تغطي سطحه بدت وكأنها تخفي الكثير من الأسرار، تمامًا مثل رئيسها.

بعد التحية، وبينما كان الأرض يهم بالكلام، استدار فجأة متفاديًا حلقة ضوئية ذهبية على شكل نصف دائرة، اندفعت نحوه بسرعة خاطفة، كادت تقطعه نصفين!

ابتسم زحل ببراءة، رغم أن عينيه الزرقاوين كانتا كجليد القطب الشمالي، كأن شيئًا لم يكن، ثم قال بنبرة هادئة:

"حذر كالعادة. لماذا.."

ضحك الأرض ساخرًا، و مقلدًا صوته بطريقة مضحكة زأر:

"حذر كالعادة؟! كدت تقتلني، أيها الطويل الأخرق!"

لكن ابتسامة زحل تلاشت، وحلت محلها ملامح جادة، قبل أن يقول بصوت منخفض ولكن ثقيل المعنى:

"إذن... يوجد خائن بيننا.. لماذا.."

لم يستوعب الأرض صدمته بعد، حتى تابع رئيس الكوكب السابع بنبرة مشوبة بالقلق:

" أنت هنا لتخبرني بذلك.. بحادثة فيبوس... وإشاعات طرد بلوتو... و دون نسيان المعلومات المسربة المشفرة... لماذا..

تبا، ماذا يحدث في مجموعتنا؟ لماذا.."

نظر إليه الأرض بدهشة، لم يكن يتوقع أن زحل يخفي في جعبته كل هذا، حتى إشاعات طرد بلوتو، فكيف وصلت إليه تلك المعلومات؟

كأنه قرأ أفكاره، أجاب زحل بابتسامة هادئة:

"إشاعات طرد بلوتو علمتها بفضل توكيل مجموعة من أقماري للتحري في كل ما هو غير عادي بعد انتهاء المعارك.. لماذا.."

تجمدت ملامح الأرض، ظل واقفاً كتمثال من الرخام الصلب. عيناه الزرقاوتان اتسعتا قليلاً، بينما شفتاه المشدودتان ارتختا وكأنهما تريدان النطق بشيء ما... لكنه ظل صامتاً.

أكمل زحل، وهو يضع يده على ذقنه متفكرًا:

"أما عن حادثة فيبوس، فقد كنتُ معكم أثناء استجوابه، وقال حينها إنه ليس 'ميراندا' من فعل ذلك، بل تريتون: قمر نبتون.. لماذا.."

ثم، بابتسامة غامضة، أنهى حديثه بـ:

"وأخيرًا، بالنسبة للمعلومات المسربة... فـ... أنا من سربتها لكم يا رفاق... هه. لماذا.."

كان المُختار يعلم أن زحل مثل بئر غارق في الأسرار، لكنه لم يكن يتوقع أن يفوق توقعاته بهذا الشكل. أخذ نفسًا عميقًا، ثم سأل باستغراب:

"لكن كيف وصلتك المعلومات أصلاً منذ البداية؟ ولماذا سربتها لنا من الأساس؟"

أغمض زحل عينيه، ثم فتحهما مجددًا، قبل أن يجيب بصوت هادئ ولكنه يحمل في طياته ثقلًا خفيًا:

"سأحتفظ بإجابة السؤال الأول، أما عن الثاني... فـ... أنا لا أجيد التعامل مع هذه الأمور، هه. لماذا.."

ابتسامته التي انسابت على شفتيه بينما وضع يده على مؤخرة رأسه، لم تكن سوى قناع شفاف يحاول إخفاء ما يعتمل في داخله

لكن الأرض لم يبتسم في البداية.. فقد أدرك ذلك دون الحادة للتعبير.

و ها نحن نقترب من النهاية.. لقد انتهى الأمر بالنسبة لرئسي الكوكبين الصخريين، الأقرب إلى حرارة الشمس اللاهبة، وبعد أن تم كشف نوايا العملاقين الغازيين اللذين يحيطان نفسيهما بالغموض، لم يتبقَ سوى أولئك الجليديين... الغارقين في ظلمة الفضاء البعيد، حيث تُدفن الأسرار تحت جليد لا يذوب، وحيث الحقيقة قد تكون أشد برودة من صقيعهم القاتل.

فكيف سيكون الوضع مع رئيس الكوكب الثامن و التاسع؟

— نهاية الفصل—

أتمنى أنه أعجبكم..

2025/03/27 · 85 مشاهدة · 1073 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026