13 - هما الإثنان فقط {ج1}

كان كوكب عطارد يلمع تحت أشعة الشمس القريبة، كجمرة ذهبية معلقة في الفراغ. الهواء كان مشحونًا بحرارة لا تُطاق، لكنها لم تكن شيئًا يُذكر أمام حرارة التدريبات التي كان يخوضها رئيسه الذي وقف في قلب ساحة التدريب، حيث

كان جسده في حالة منهكة، لكن ملامحه لم تعكس أي تعب.

قفازاته الذهبية تتألق ككائن حي، بينما كانت تتمدّد مثل أفاعي معدنية، مُطلقةً عشرات الشفرات الحادة في الهواء في حركات متقنة. كل ضربة كانت تُحدث صوتًا كأنه يمزق الزمكان نفسه.

فجأة...

توقفت شفراته التي مزقت الصخور حوله دون جهد يذكر في منتصف الهواء. و التفت ببطء، وعيناه الضيقتان التقتا بنظرة المريخ الحادة.

"آه... زائر متوقع!" قال رئيس الكوكب الأول بابتسامة لطيفة، بينما كانت قفازته تتراجع إلى حالتها الأصلية بسرعة خاطفة.

اقترب منه المريخ، كان يمشي بخطوات ثابتة، وابتسم قائلاً: "تدريب مكثف كعادتك، لم تتغير أبدًا."

ضحك عطارد، وأجاب بحزم لا يتزعزع : "وأنت لم تتوقف عن التجول في الكواكب كما أرى."

بدأ الاثنان بالتجول عبر الكوكب الأقرب الى الشمس، سار الاثنان عبر سهول عطارد المُغطاة ببحيرات من الحمم البركانية المتجمدة، حيث الأجواء الساخنة تُذيب حتى الصخور المتصلبة.

كان المشهد مثيرًا رغم قساوته؛

الشمس بحلتها الضخمة و الزاهية، تملأ السماء التي يسيطر عليها السواد و تبعث الحرارة العالية جاعلة كل ما على الجرم السماوي ينبض كأنهحترق من الداخل.

لا توجد رياح، لا توجد غيوم، فقط صمت مطلق قبل إختفائه بوقع خطواتهما.

لكن المريخ لم يكن هنا للسياحة. هذا ما توقعه عطارد و أكّده الرئيس الآخر بأخذه لوضعية القتال التي لم تكن غريبة كوضعية قتال الأرض.

تجمد عطارد في مكانه، لم ينبس ببنت شفة. لم يكن حتى بحاجة إلى السؤال، فقد فهم على الفور… ان المريخ يريد إجابات على أسئلة.

لم يكن يريد مجرد تدريب، و لا تحديًا وديًا. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يُجبر فيها عطارد على الإفصاح عن كل شيء.

كل حركة، كل ضربة، كل نبضة في جسده ستكشف ما يحاول إخفاءه. وإن حاول الكذب؟ سيظهر ذلك فورًا…

المريخ يعرف هذا جيدًا، فقد خاض معه معارك لا تُحصى. رأى كيف ينهار تماسكه تحت ضغط القتال، كيف تفقد ضرباته دقتها عندما يحاول التستر على شيء.

والآن… حان وقت كشف المستور.

سمعتُ شيئًا..." بدأ المريخ بالهجوم فجأة، لكن بدون استخدام سلاحه، سدد قبضة قوية متجهة مباشرة نحو وجه خصمه و أكمل بعد ان تفاداها هذا الأخير برشاقة قافزًا في الهواء:

"معلومات تتسرب من خارج حزام كايبر. معلومات لا يعرفها أحد."

ضحك عطارد بإستهزاء، لكنه قبل رد الهجوم و في لمح البصر، خرجت من قفازاته شفرتين طويلين لكنها لم تكن مجرد أسلحة عادية، بل كانت تحفًا قاتلة تنبض بطاقة لا تهدأ، حادة كأنها شُحذت من قلب نجم محترق، تعكس أي ضوء يلامسها كأنها مرايا من نار.. و أكمل بعد ان انقض عليه بسرعة لا تصدق:

"إذا كنتَ تشك فيّ، فليكن! لكنني اعلم أن الكذاب يُكتشف في ساحة المعركة أسرع من أي مكان آخر!"

تصادم سلاحهما ببعضهما، نعم.. لم يتردد المريخ في إخراج خاصته بعد هجوم الآخر و مع كل تصادم، كانا يتركان آثارًا محترقة خلفهما، بينما الجاذبية المحيطة بدأت تتلاعب بالصخور وتجذبها نحو الرئيسين.

كان سلاح المريخ مميزًا بشكله الفريد و تصميمه الأخّاذ، لكن شكله يخفي طاقة لا نهائية من القوة الضاربة و المدمرة؛ بين يدي حاملهما، يتشابك الخنجران القرمزيان كثعبانين هائجة، تلمع شفرتاهما بلون يشبه الدم المتخثر تحت الجلد الميت. كل خنجر يحمل في صميمه نقوشًا غريبة تتوهج بنفس اللون عندما تستشعر خطرًا، كأنها عيون شيطان تراقب ضحيتها. من مقبضيهما الأسودين الكئيبين، تتدلى سلاسل سوداء مطلية بلوني الذهبي و الفضي، مرنة كأمعاء حية لكنها صلبة كقوانين الكون.

كل ضربة من عطارد كانت كالشرارة الخاطفة، لكن المريخ كان جدارًا من الفولاذ. الشفرات الذهبية تغير شكلها باستمرار حسب الموقف، بينما حركات المريخ كانت ثقيلة وحاسمة، فقد كان قتاله صعبًا بسبب تلك السلاسل التي ليست مجرد قيود تربط المقبض بالخنجر، بل هي أذرع مميتة تمتد عبر الأبعاد، تتلوى في الهواء كوحوش تطارد الفريسة الهاربة.

"مَن أخبرك؟!" صرخ عطارد بينما كان ينقضّ مثل العاصفة.

"لا يهم!" رد المريخ وهو يصد هجومًا قاتلًا، ليس بالنسبة له بل بالنسبة لأي وحش آخر عداه.

رد عطارد، وهو يزيد من سرعة هجماته و كأن الحماس أعماه عن سبب هذا العراك: "وهل تتهمني بالكذب؟"

لكن المريخ و بإسدائه ضربة مفادها إخراج كل ما عند خصمه:

"ربما! أنا أستفسر فقط.."

بدا عطارد هادئًا تمامًا، لم يتردد، ولم يظهر عليه أدنى إرتباك.

"لا، لم أسمع شيئًا عن ذلك."

المريخ لاحظ ملامحه المنغمسة في القتال، طريقة تنفسه، إيقاع هجماته السرعة، و خرج بإستنتاج كان متأكدا منه: كان عطاردصادقًا في كل ما قاله.

لكن المعركة إستمرت و إستمرت معها صوت صرير السلاحين و هما يتصادمان.

"هذا يكفي." قال المريخ وهو ينفض الغبار عن درعه، ثم ابتسم: "أنا متأكد الآن أنك لست الخائن."

ابتسم عطارد، وأعاد قفازاته إلى شكلها الطبيعي، رغم أنه كان يريد استمرار القتال:"كنت لتكتشف ذلك منذ البداية لو سألتني مباشرة، لكنني أعرفك… أنت لم تنس الشرط أيها الأحمر."

ضحك المريخ، ثم استدار مغادرًا، ملوحًا بيده في الهواء "إلى اللقاء، أيها القصير."

لكن عطارد لم يهنأ له بال حتى سأله:

"هاي.. أ لم تقل الآن أنك تثق فيّ.. أخبرني بما تعرفانه أنت و الأرض بالظبط."

لكن في مكان آخر، حيث تشتعل السماء بدلًا من السيوف، كان اختبار آخر قد بدأ بالفعل... على بعد 0.33 أسترونوميكل من هنا انفتحت بوابة زرقاء على سطح كوكب الزهرة، حيث الأرض خرج منها ليجد نفسه وجهًا لوجه مع الرئيس نفسه.

"أخيرًا، ظهرت."

كان الزهرة يقف هناك، بينما كانت السحب الحمضية تلفّ الكوكب كحارس خفي، أمام البوابة مباشرة، وكأنه كان يتوقع مجيئه.

لم يتفاجأ الزائر بذلك بل كان يعلم أن الزهرة هو القائد الوحيد الذي يعرف البوليتاس الخاص بالرئيس الذي يأتيه فور دخول هذا الأخير بوابته.. بفضل... أو بسبب ما حصل معه .

سماء الكوكب مغطاة بسحب صفراء كثيفة، تمنع رؤية أي شيء وراءها و كأنها تخفي أسرار قائدها.

الأرض المحتضرة تئن تحت وطأة الحرارة الخانقة، حيث تتصاعد الأبخرة الساخنة من سطحها المتشقق كأنها أنفاس وحش ضخم يحتضر. القشرة الأرضية تشققت كجلد محروق، تاركةً شقوقًا عميقة تنبعث منها غازات سامة.

لم يكن المكان مجرد بيئة قاسية... بل كان تجسيدًا للكراهية الكونية. كل ذرة من ترابه، كل نسيم من هوائه، كل قطرة من مياهه... كانت تصرخ برسالة واحدة واضحة: "لا مكان للحياة هنا". تمامًا مثل سيده الذي وقف في قلب هذه الجحيم متسائلا ببرود عاقدًا ذراعيه.

"لماذا أتيت؟"

لم يجب الآخر مباشرة، بل اختار أن ينصب فخًا. و لم يُضع الوقت حيث همس بصوت مدروس:

"هناك شيء مريب في حزام كايبر..." و أكمل بعد ان نظر الى السماء التي تسيطر عليها الغازات:

" معلومات مسربة.. لا يعلم بها أحد غيرنا.."

ظل الزهرة صامتًا قليلًا، ثم أغمض عينيه مفكرًا. بطبيعته الحذرة والشديدة الشراسة، لم يكن ليتجاهل مثل هذه المعلومات بسهولة، ثم قال بحزم:

"علينا إجراء اجتماع فوري لمناقشة هذا."

مد يده إلى أذنه، حيث كانت 'البيتا'، أداة الاتصال الخاصة بالجميع، ثم همّ بإرسال نداء لجميع القادة...

لكن يد الأرض امتدت فجأة، متشبثة بذراع الزهرة بقوة مفاجئة. توقف الزهرة في مكانه، تفاجأه واضح في عينيه الذهبيتين المتسعتين.

ابتسم رئيس الكوكب الحي ابتسامة هادئة، لكنها تحمل في طياتها شيئاً منعزلاً..

"لا داعي لذلك."

حدّق الزهرة به، عيناه تضيآن بالشك والغضب. "ماذا تقصد؟"

ساد صمت ثقيل، كان كالذي يسبق العاصفة. ثم... انفجر الزهرة كبركان خامد تماما كما إنفجر على كوكبه حينها:

"تكلم ايها الوغد.. مالذي تقصده بكلامك. " صوته ارتجّ في الجو الحارق، وأصابعه انقبضت قبل أن يخبر الأرض بكل ما يعلم.

لم يتراجع الأرض، بل اقترب خطوة أخرى، ابتسامته لا تزال مرسومة على وجهه. " لكن الخائن الحقيقي لم يكن ليرد بهذه الطريقة بل كان سيحاول إقناعي بخلاف ذلك.." ثم أومأ نحو صديقه:

"لكنك اشتعلت غضباً كالنجم المحتضر. وهذا ما كنت أبحث عنه."

زمّ الزهرة شفتيه حتى صارتا خطاً واحداً غير مرئي، وعروقه تنتفخ على جبينه. لكنه... لم ينبس بحرف.

استدار الأرض ببطء، متجهاً نحو بوابته الذهبية المتلألئة. وقبل أن يخطو عبر البوابة، التفت مرة أخيرة، عيناه الخضراوتان تلمعان بذكاء غامض:

"شكراً على وقتك الثمين أيها العنيف.

أنت... قاسٍ... لأن هذا طبعك... لكنك لست خائناً، وهذا كل ما أردت معرفته منذ ان نويت المجيئ الى هنا."

ثم أضاف، وكلماته الأخيرة تتردد في الفضاء كصدى لنبوءة:

" بالنسبة لمن جعل قمر المريخ في تاك الحالة؛ فهم فريق من أقمار المشتري...

وبينما اختفت صورته عبر البوابة، بقي الزهرة واقفاً وحيداً، يداه لا تزالان ترتجفان من الغضب... و كلمات الأرض تتردد دون توقف في رأسه.

بعد ذلك، و في أعماق الفضاء، حيث يعم السكون و لا يُسمع سوى زمجرات العواصف الرعدية، وقف الأرض و زحل وجهًا لوجه، تحيط بهما هالة من الترقب. لم تكن هذا مجرد لقاء عابرة، بل لقاء بين إرادتين ثقلهما بحجم تاريخ النظام الشمسي نفسه.

في الجهة الأخرى من هذا الفراغ اللامحدود، وقف المشتري و المريخ. كأنهما في نفس المكان الذي التقيا به الآخران لكنه مختلف. كانت نظرات المشتري تترقب المشهد بصمت، في حين كان المريخ يرمقه بابتسامة ثقة مفرطة.

فهل اللقائين مع العملاقين الغازيين سيكونان اتفاق... أم صدام جديد؟

ملاحظة: فيما يتعلق بالمسافات المتوسطة لكل كوكب عن الشمس فهي تُقاس بالوحدة الفلكية "أسترونوميكل"

حيث يمثل الواحد منه 150 مليون كيلومتر.

2025/03/26 · 88 مشاهدة · 1415 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026