تخيم ظلمة غير طبيعية على مقر بلوتو، وكأن الفضاء نفسه يحبس أنفاسه. الأضواء الخافتة في الغرفة كانت تلقي بظلال طويلة على الجدران، مما زاد الشعور كآبة و رهبة.
بلوتو، الذي كان يدور حول قمره الثاني بخطوات بطيئة ومرهقة، و هو يردد تلك الكلمات السابقة.
بدا وكأنه يحمل ثقل الكون على كتفيه. عيناه الزرقاوتان كانتا تحملان نظرة حادة، مليئة بالشك والتساؤلات التي لم تجد لها إجابات حتى الآن.
نيكس، القمر الهزيل ذو الجسد النحيف بعض الشيئ، الذي يتمبز بشعره الرمادي الفاتح، كأنه مزيج بين الظلال والضوء الخافت، كان يقف في وسط الغرفة، بدا متوترًا للغاية. عيناه كانتا تتحركان بسرعة متجنبة أي إتجاه يقصده سيده. جسده كان يرتجف قليلاً، وكأنه يحاول أن يخفي شيئًا ما. توقف بلوتو أمامه، ونظر إليه بنظرة ثاقبة لم يستطع قمره تجنبها، ثم دوى بصوت بارد و حاد جعل نيكس يهتز من شدة الخوف:
"أنت تعرف لما أنت هنا يا نيكس... لا تحاول الإنكار."
شد نيكس قبضته محاولًا الحفاظ على تماسكه، ثم غمغم بصوت متوتر:
"لا... لا سيد بلوتو، أقسم لك أنني لم أفعل شيئًا مما تظنه! لا علاقة لي بما حدث!"
لم يكن بلوتو مقتنعًا، كان يزداد غضبًا و شكًا مع كل حرف ينطلق من فم قمره، فقد تقدم نحوه بخطوات هادئة لكنها مليئة بالثقل، مما جعل أنفاس نيكس تضطرب أكثر.
"نيكس، أنت تعلم أنني أعرف عندما تكذب عليّ،" قال بلوتو بصوت هادئ لكنه يحمل في طياته تهديدًا خفيًا. لم يكتفي الرئيس السابق بذلك، بل و أكمل أسئلته بنظرات كادت تقطع نيكس:
"كفاك كذبًا، ما الذي تخفيه؟"
هز المتقبّل رأسه بسرعة، ونبرة صوته كانت مليئة بالإصرار
حيث قال بتلعثم:
"أنا لم أخفِ شيئًا، سيدي. أنت تعلم أنني دائمًا ما أكون صادقًا معك!"
اقترب بلوتو أكثر، صوته أصبح أكثر انخفاضًا، لكنه كان أشد رعبًا، خطا خطوة أخرى نحوه، مما زاد الضغط على الغرفة بأكملها:
"لا تحاول أن تخدعني، نيكس. أنت تعلم أنني أعرف الحقيقة. اعترف!"
نيكس، الذي كان يحاول أن يبقى هادئًا، بدأت أنفاسه تتسارع، و بدأ يفقد السيطرة على أعصابه. عيناه امتلأتا بالدموع، وصوته ارتجف عندما صرخ بإنفعال شديد:
"أنا لم أفعل شيئًا!!! لماذا لا تصدقني؟! لقد كنت دائمًا مخلصًا لك، سيد بلوتو!"
توقف بلوتو عند رؤية قمره في تلك الحالة، دموعه كانت تتدفق بغزارة، وكأنه يحاول أن يغسل كل الشكوك التي كانت تحوم حوله. تردده تسلل إلى أعماقه.
نظرة نيكس المليئة بالألم واليأس جعلته يتساءل عما إذا كان قد أخطأ في حكمه. لكنه حاول أن يخفي تلك المشاعر المتضاربة.
هل يعقل أنه أخطأ؟ هل يعقل أن الضغط الذي وضعه على نيكس كان ظلمًا؟ كان يثق به دائمًا... فكيف يمكن أن يخونه؟
العديد و العديد من الأسئلة تحوم حول بلوتو الذي كاد رأسه ينفجر بسببها.
تراجع قليلًا، وتنهد وهو يشيح بنظره، و لوّح بيده مفيدا الى خروج قمره المسكين الذي تراجع بسرعة، وجهه محمرّ وهو يركض مبتعدًا بدموع لم تتوقف عن الإنهمار.
كان بالكاد قادرًا على الوقوف على قدميه. ترك خلفه صمتًا ثقيلًا، لكن شيئًا داخل بلوتو لم يكن مرتاحًا، لا.. منذ طرده.. بلوتو نفسه لم يكن كذلك.
وقف وحده، في قاع أفكاره المتشابكة وكأنه يعيش في صراع نفسي لا نهاية له. لكنه لم يبقَ وحده طويلًا.
خطوات واثقة شقت طريقها نحوه، كأن صاحبها يسير دون أي قلق في هذا الظلام المخيف. كان المجهول الذي لم نعرف سره الى الآن..
صوته كان يحمل في طياته سخرية خفية حيث سأل بلهجة واثقة: "هل اعترف قمرك بفعلته؟"
رفع بلوتو عينيه نحوه، ثم أجاب بسرعة بنبرة خالية من المشاعر:
"نعم... لقد اعترف بكل شيء، لكنني متفاجئ، كيف لم أكشفه منذ البداية؟"
لمعت عينا المجهول... لكنه لم يبتسم. على العكس، بدا وكأن هناك شرارة ارتباك خاطفة مرّت على وجهه، لكنها اختفت بسرعة. و كأنه لم يتوقع هكذا إجابة. ثم سرعان ما استعاد رباطة جأشه، و قال مبتسمًا:
"ممتاز، إذن الخطة تسير كما هو مخطط لها..."
لاحظ بلوتو ذلك جيدًا. لكنه كعادته لم يبدِ أي رد فعل يجلب إليه الشكوك.
كان المجهول يجب أن يكون سعيدًا بسماع هذا، لكن لماذا ارتبك؟
بلوتو لم يرد. بقي صامتًا، يدرس الموقف بدقة، كان في وضعية تفكير جدية لم يشهدها الكون من قبل. عيناه كانتا تحملان نظرة عميقة، وكأنه يحاول أن يفكك كل الألغاز التي تحيط به. لكن الآخر قاطع حبل أفكاره بثقة مفرطة:
"بالمناسبة، الشعاع في مرحلته الأخيرة. قريبًا، سيكون جاهزًا."
نظر بلوتو بعيدًا في زاوية الغرفة التي تتزيّن بطاولة جليدية صغيرة نسبيًا، وُضع عليها عدة أشياء كان أبرزها قلادة بيضاء ناصعة ، ثم تمتم لنفسه لكن بصوت مسموع:
"على الأقل... هناك شيء جيد يسير على ما يرام."
لكن، رغم محاولته لتجاهل الأمر...
لماذا ارتبك ***؟
[ إسم المجهول عبارة عن *** حتى إشعار آخر ]
هل حقًا قال الحقيقة؟ أم أن نيكس كان تلاعب بمشاعره بدهاء؟
الشك بدأ يتغلغل بعمق أكثر… و الظلال التي تتحرك في الظلام لم تغادره مطلقًا.
─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞
كان الجو في المكان يبعث بالسلام والهدوء، حيث الخضار الممتدة بلا نهاية والأزهار التي تزينه بألوانها المختلفة، تتمايل بلطف مع النسيم العليل. الشمس كانت تلمع بلطف، و كأنها ترسم لوحة من الألوان الزاهية على الأرض. في وسط هذا الجمال الطبيعي، كان المريخ و الأرض يتجهان نحو بعضهما بخطوات واثقة، و ابتسامة لم تفارق وجهيهما. كانت تلك الابتسامة تحمل في طياتها شيئًا من التحدي والتفاؤل، و كأنهما يعلمان أن شيئًا كبيرًا على وشك الحدوث.
فجأة، توقفا في مكانهما. نظراتهما ارتفعت نحو السماء، حيث كان شيئًا ضخمًا يلوّح في الأفق. كان ذلك الشيء يبدو و كأنه يشير إلى نهاية شيء ما و بداية شيء آخر. المريخ و الأرض تبادلا نظرة سريعة، ثم قالا في نفس الوقت، وكأنهما يرددان كلمات محفورة في ذاكرتهما: "لقد تقلصت الاحتمالات... بقي هما الاثنان فقط."
كانت كلماتهما تُبرزز توترًا خفيًا، وكأنهما يعلمان أن المعركة الحقيقية على وشك أن تبدأ و أن اللعبة التي دامت طويلا ستنتهي عاجلًا أو آجلًا.
فماذا اكتشفا الرئيسين الصخريين؟