وقف المريخ والأرض أمام جدار غرفة الكاستيباس المخفية، نظراتهما الى بعضهما تحمل نوعا من التحدي، كيف لا و الحقيقة التي يبحث عنها الجميع تقبع داخلها..
عند دخولهما، وجدا فيبوس داخل كبسولته العلاجية، كان جسده مغطى بالكدمات والجروح، وعيناه مليئتان بالإرهاق والشك. كان من الممكن أن يلقى قمر المريخ حدفه وقتها، لكن القدر كان له السلطة العليا في بقائه على قيد الحياة للكشف عن الأسرار المخبأة بين طيات الكون.
بجانبه، وُجد ديموس الذي لم يترك أخاه طيلة الكاي الماضي، يراقب حالته باستمرار و يتفقد الكبسولة التي تحميه.
لكن المفاجأة الكبرى كانت عندما سقطت نظرات الرئيسين الصخريين على أحد القادة..
"مرحبًا بكما.. أرض و مريخ.. لماذا"
كان زحل، بنظراته الهادئة التي تشع رزانة و حكمة عمرها ملايين السنين الكونية، وصوته الذي يبعث الطمأنينة في كل نفس تسمعه، يقف هناك بوقار.
لم يتساءل أحد عن سبب وجوده هناك، فكل من في النظام الشمسي يعلم أن من عادات رئيس الكوكب السابع القدوم إلى هنا كل كاي لتفقد ضحايا الحرب الكونية الأولى.
كان حضوره يشبه حضور أبٍ يزور أبناءه بعد معركة طاحنة، يحمل في عينيه همومًا لا تُحصى، لكنه يخفيها وراء ابتسامة هادئة.
بعد السلام والكلام العابر، الذي كان يحمل في طياته دفءً نادرًا في هذا المكان البارد، نُطق السؤال المنتظر بصوت هادئ لكنه مشحون بالقلق:
"ماذا حدث وقتها؟"
كان رئيسه هو من توجه بالسؤال إليه. الجو في الغرفة أصبح أكثر كثافة، وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة، منتظرًا سماع الكلمات التي ستخرج من فم فيبوس قمره. الجميع كانوا ينظرون إليه، وكأنهم يعلقون آمالهم على كلماته.
بينما كان فيبوس يبدو وكأنه يسترجع ذكريات مؤلمة، كأن كل كلمة ستكلفه جهدًا كبيرًا ليقولها.
تنهد بعمق، و تردد قليلاً قبل أن يبدأ بسرد ما حدث:
"بعد رصد تلك الهالة الغريبة التي إستشعرتها في أقصى جنوب كوكب المريخ، لم أتردد بل و أسرعت نحوها بعد موافقة سيدي.. كلما إقتربت من هناك، كان جسدي يرنجف لا إراديًا، و كأنه يرفض التقدم.
كانت هالة مألوفة قليلًا بالنسبة لي، لكنني لم اعرها اهتماما، كل ما كنت افكر به هو القضاء على الدخيل."
كانت كلماته تخرج ببطء، وكأن كل جملة تحمل في طياتها ثقل الذكريات التي لا تُنسى. الجميع في الغرفة كانوا ينظرون إليه بتركيز شديد، ثثم تابع:
بمجرد أن لامست قدماي سطح الكوكب، سرت ببطء، خطواتي ثابتة لكن روحي متأهبة، عينيّ تراقبان كل زاوية، كل ظل، كل اهتزاز خافت في الهواء. كان الصمت مشحونًا، وكأن المكان نفسه يحبس أنفاسه انتظارًا لما سيحدث.
ثم... شعرت به.
حركة خاطفة خلفي، خفيفة كهمسة ريح، لكنها مشحونة بالنية القاتلة. لم يكن هذا هجومًا عشوائيًا، بل كان موجّهًا بدقة إلى نقطتي العمياء، ضربة كانت كفيلة بإنهاء كل شيء في رمشة عين. لكنني لم أكن غافلًا، بل كنت أنتظرها.
قبل وصولي، كنت قد أحطت نفسي بطبقة غير مرئية من الـ"كيندو"، التي تتربص بصمت، وبمجرد أن لامس المعتدي دفاعي، لم أتردد...
بهدوء قاتل، ضغطت إصبعي الأوسط.
انفجر "الكيندو" أمامه، انفجار لم يكن مجرد قوة، بل كان عاصفة حادة مزّقت الهواء، حوّلت هجومه إلى خطأ قاتل. تراجع في ذهول، الدخان يتصاعد حوله، وعيناي وحدهما كانتا كفيلتين بأن تخبره:
بأنه هو الفريسة منذ البداية.
تلاقت أعيننا بعدها، كان يرتدي قناعا غريبا يحيط كل تفاصيل وجهه الا نظراته التي بدت مؤلوفة بعض الشيئ، كان الترقب وحده من يسيطر على الموقف، لكنني أردت كسره بهجوم مباغت لكنني لم أتمكن من ذلك، او بالأحرى لم أجرأ على فعلها، بسبب ظهور شخصان آخران عدى ذلك الأول. يرتديان نفس القناع ذو الشكل الغريب لكن مع إختلاف طفيف في الألوان.
بلا ملامح، بلا كلمات، هاجماني دون سابق إنذار..."
ارتفع التوتر في الغرفة، كان ديموس في زاوية بعيدة يستمع بصمت، قبضته تنقبض لا إراديًا.
تابع فيبوس، لكن هذه المرة، صوته يزداد اضطرابًا:
"حاولت القتال، الذي كان عبارة عن دفاع و تفادي هجماتهم، لم أتمكن حتى من تلويح يدي لرد هجومهم.
كان قتالا يدويا بدون قوى، إستغربت من ذلك في البداية لكنني أدركت أنهم يحاولون إخفاء هوياتهم.
توقف قليلًا، وكأنه يسترجع تلك اللحظات المرعبة، ثم تابع و نظراته متوجهت نحو المريخ:
" لكن لم يمر وقت طويل حتى انضم إليهما اثنان آخران... ثم اثنان آخران... قبل أن أستوعب الأمر، كنت في مواجهة سبعة خصوم... إنهالوا عليّ بالضربات بلا رحمة، كانوا يتحركون كأنهم جسد واحد، لم أستطع سوى الصدّ و الدفاع الذان كانا غير مجدين في معركة كهذه..."
كتم رئيس الكوكب الرابع أنفاسه، بينما أغمض الأرض عينيه، محاولًا استيعاب حجم الخطر. لكن الوحيد الذي كان هادئًا و لم يتزعزع بكلمات القمر، كان زحل، الذي لم يرفع عينيه من على الأرض و كأنه يحلل كل ما قاله.
"لم يكونوا يهدفون لقتلي... كانوا يريدون شيئًا آخر... إبقائي حيًا ليشهد شيئًا... عندها، سمعت صوتًا يوقف القتال، صوت خشن دب الرعب فيّ مع كل حرف نطقه.
خطا بينهم شخص لم أتمكن من رؤية ملامحه، كان قناعه غريبًا، وعباءته تخفي كل تفاصيله. اقترب مني، كانت مشيته بطيئة، متعمدة، كأنما يستمتع برؤيتي محاصرًا... ثم نطق بجملة واحدة لم أفهمها..."
خفض فيبوس عينيه المثقلتين بالتعب، ثم رفعهما بسرعة ناظرًا إليهما مباشرة، قبل أن يكرر بصوت خافت مليء بالارتباك:
"ليس ذنبكم أنه هو المخطئ، لكن لا تقلقوا... أنتم تسيرون وستسيرون وفق خطتي."
ساد هدوء مشحون بالتوتر، كأن الغرفة أصبحت أضيق، الهواء أثقل. ارتجف ديموس قليلًا، بينما تبادل الأرض والمريخ نظرات حادة، كل منهما يحاول فك شفرة هذه الكلمات.
أخذ فيبوس نفسًا مرتعشًا، ثم أكمل بصوت خافت:
"بعد أن غادر، لم يتركوني وشأني... انهالوا عليّ من كل جهة، لكني شعرت بشيء غريب... كانوا يقاتلونني، لكنهم لم يحاولوا قتلي. وكأنهم كانوا ينتظرون ردة فعل معينة... عندها، بالكاد تمكنت من النطق، وقلت لهم بصوت بالكاد يُسمع: 'إنه آتٍ... اهربوا بسرعة.'"
اتسعت عينا المريخ، بينما عبس زحل و الأرض.
"بمجرد أن سمعوا ذلك الاسم... فروا جميعًا دون تردد، كأنهم عرفوا أنني أقصد السيد مريخ، لكن... كان هناك شخص واحد لم يهرب، قبل أن يبتعد، رفع طرف قناعه قليلاً، كاشفًا عن ندبة تمتد من تحت فمه... ثم تمتم بجملة، وكأنها لغز يجب حله قبل حلول كارثة: 'لسنا نحن، أيها الكويكب.' ثم اختفى."
كان الأرض هو أول من تحدث، بصوت حاد كالنصل:
"ندبة تحت فمه... هل تعرف من يكون؟"
صمت فيبوس. كأنه أراد الإنكار، كأنه يخشى النطق بالاسم. لكن بعد صراع داخلي، تمتم بصوت بالكاد خرج من مكبراتالكاستيباس:
"إنه... ميراندا."
وكأن صاعقة ضربت الغرفة. اتسعت عينا المريخ، زحل الذي لم يبد أي ردة فعل، رفع رأسه و كأنه غي. مصدق، جمد الأرض في مكانه، أما ديموس... فقد اهتز جسده بالكامل، نظراته تحمل خليطًا من الصدمة والغضب.
لكن قبل أن ينطق أحد، دوى فيبوس بنبرة مختلفة:
"هذا مستحيل... ميراندا! لا يمكن أن يكون هو.
إضافة الى ذلك، فإن هناك شخص واحد فقط في النظام الشمسي يناديني بـ ' الكويكب' ."
إنه ...
فور إعلانه عن الإسم، ترك الجميع في دوامة من الشكوك، كيف لا و قد سيطرت الهلاوس و التخيلات عليهم بعد كل هذا الكم من المعلومات.
عندما انتهى الاستجواب، وقف الأرض أمام كبسولة فيبوس، حدق فيه للحظات قبل أن يقترب منه، خافضًا صوته، هامسًا بكلمات جعلت عيني فيبوس تتسعان في صدمة. للحظة، بدا كأنه يريد أن يرفض، أن ينكر... لكن في النهاية، أومأ موافقًا، بصمت.
خرج زحل من الغرفة بخطوات ثقيلة، لكن ثابتة، كأنما يحمل على كتفيه عبئًا أثقل من الجاذبية نفسها. لم يلتفت إلى الخلف، رغم إدراكه أن الأرض والمريخ ما زالا هناك، يخططان، يناقشان، يرسمان ملامح المستقبل.
عندما وصل إلى بوابته الكونية، وقف ناظرًا إلى الفراغ الممتد أمامه. شعر بريح خفية تهب، رغم عدم وجود هواء في هذا المكان. لوهلة، تردد، كأن شيئًا ما داخله أراد أن يبقى، أن يعود، أن يقول شيئًا لم يقله. لكن... لا وقت لذلك.
تنفس بعمق، ثم خطا إلى الأمام، تاركًا وراءه أكثر من مجرد غرفة... تاركًا المصير ينساب بين النجوم.
"لا املك اي ذرة شك في ذلك، فحسب تحليلاتي و كلام فيبوس، و بعد استبعاد كل الإحتمالات الممكنة فالإحتمالية الوحيدة الباقية هي الحقيقة مهما كانت قاسية.."
ثم رفع عينيه ببطء، والتقت نظراته بنظرات المريخ مباشرة. كان في عينيه يقين لا يمكن زعزعته، كأن الحقيقة انكشفت أمامه ولم يعد هناك مجال لإنكارها.
"يوجد خائن بيننا."
وقف المريخ متجمّدًا في مكانه، عيناه متسعتان، لكن الكلمات... خانته. لم يستطع النطق بحرف، لم يتمكن حتى من تحريك شفتيه، كأن قوة غير مرئية سلبت منه القدرة على الكلام.
لم يكن مجرد صدمة، بل شعور أشبه بتلقي مئات الضربات على رأسه في آنٍ واحد، كل ضربة تطيح بجزء من يقينه، من ثقته، من إدراكه لما يجري.
حاول أن يستجمع أفكاره، أن يقول شيئًا—أي شيء—لكن الفراغ كان كل ما وجده في عقله. كأن الزمن نفسه تجمد حوله، بينما الحقيقة التي سمعها تردد صداها داخله بلا رحمة.
و أخيرا، و وسط ذلك الجو المشحون بالتوتر، نطق رئيس سيرومي بتقطع:
"مـ... مستحيل! مالذي.. مالذي تقوله؟ أتدرك خطورة ما تحاول إيصاله لي؟!"
بقي وجه الأرض متجمّدًا، ملامحه صارمة، وكأن تعابيره نفسها تقول: عليك أن تتقبل هذه الحقيقة... لا مجال للإنكار.
انتظر المريخ، لعلّه يسمع ضحكة ساخرة، تعليقًا مستفزًا، أي إشارة تدل على أن هذا مجرد مزاح ثقيل... لكنه لم يسمع شيئًا.
لا ضحكات، لا سخرية، لا محاولة لتخفيف وقع الصدمة. فقط صمت قاسٍ يزداد وزنه مع مرور الوقت.
حينها، أدرك المريخ... هذه ليست مزحة. ليست وهماً. ليست كابوسًا سينتهي عند استيقاظه. أما عن شكوكه، فقد تبخرت بمجرد أن رأى فيها الأرض يعبس أكثر، كأن الجدية التي يحملها أثقلت عليه هو نفسه. لقد كانت الحقيقة أقسى من أن تُقال... لكنها كانت تبقى حقيقية.
كان التوتر يزداد كايًا بعد كاي، وكأن الوقت نفسه أصبح عدوا لهم. كل كاي كان يشعر وكأنه يحمل رسالة مشفرة، لكنهم لم يتمكنوا من فك شفرتها بعد. كانوا يعيشون في حالة من الترقب الدائم، وكأنهم على حافة اكتشاف شيء عظيم، لكنه يبقى بعيدًا عن متناول أيديهم
جلس الرئيسان الصخريان في نفس غرفة الاجتماعات داخل سيرومي، وسط ضوء خافت يلقي بظلالهما على الجدران، بينما ارتسمت أمامهما خريطة ثلاثية الأبعاد للنظام الشمسي، حيث تتراقص فيها الأقمار والكواكب كأنها قطع شطرنج على رقعة حرب لا تنتهي.
كان الصمت يلف المكان، لكنهما كانا يعملان بأقصى طاقتها. أعاد المريخ تشغيل التسجيل الصوتي بصوت منخفض، مجددًا صدى الكلمات الغامضة التي نطق بها الأعداء:
"ليس ذنبكم أنه هو المخطئ، لكن لا تقلقوا... أنتم تسيرون وستسيرون وفق خطتي."
"لسنا نحن، أيها الكويكب."
و بين كل جملة و أخرى، يملأ المكان صوت خشخشة متقطعة، تتخللها تشويشات إلكترونية تشبه أنفاسًا مقطعة عبر موجات الأثير.
ضغط الأرض يده بقوة على سطح الطاولة، ناظرًا إلى المريخ، الذي كان مستغرقًا في التفكير، أصابعه تتلاعب بشظية صغيرة من الدينكو، عيناه مثبتتان على الفراغ.
ثم دوى هذا الأخير بصوت منخفض لكنه مشحون بالغضب:
" لا أفهم... من هو الذي يتحدث عنه؟ من هو 'المخطئ'؟
لكن الأرض بهدوء متزن، لكنه يحمل توترًا خفيًا قال:
" إنهم لا يشيرون إلينا مباشرة... بل إلى شخص ما، شخص يعتبرونه سببًا لكل هذا."
حدق المريخ في كلمات العدو المكتوبة أمامه، محاولًا ربطها بأي شيء، بأي حدث في الماضي أو الحاضر:
" ليس هذا فقط بل الجزء الثاني أكثر غرابة... 'أنتم تسيرون وفق خطتي'.
هل يعني أننا مجرد ألعاب؟ أن كل خطوة نقوم بها كانت متوقعة؟ "
ارتفع التوتر في الغرفة، بينما تبادل الاثنان نظرات مليئة بالقلق. ثم ألقى المريخ الشظية التي كان يحملها على الطاولة بينما أردف الآخر بصوت حاد:
" لا تنسى الأسوأ... 'لسنا نحن، أيها الكويكب.'
هذه الجملة وحدها تحمل عشرات الاحتمالات. هل يعني أن هناك جهة أخرى تعمل في الظل؟ أم أن هناك شخصًا يحاول توريط طرف بريء؟
صمت الاثنان، وأدركا أن ما بين أيديهما ليس مجرد لغز... بل تحذير بأن اللعبة التي يشاركان فيها أكبر مما توقعا.
فمن سيفوز في هذه اللعبة؟