الفصل عبارة عن فلاش باك
إستمتعوا ..
─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ─
اجتمع رؤساء الكواكب للمرة العاشرة في المركز الأحمر، حيث كانت أجواءه مشحونة بالحذر والترقب.
في وسط القاعة، تألّقت شاشة ضخمة متّصلة مباشرة بجدار القاعة، يُطلق عليها "الإكس بوليتاس"، و هو الشاشة الكونية الناطقة باسم الشمس، وهي أعقد نظام معلوماتي في النظام الشمسي، مبرمج لنقل الأخبار والقرارات المصيرية إلى الكواكب وقادتهم.
يمتلك القدرة على كشف أسرار الكون بناءً على البيانات المتدفقة من الشمس، لكنه لا يملك وعيًا خاصًا، بل يعمل كوسيط حيادي يعكس ما يراه ويرصده. مع ذلك، رغم قدراته الهائلة، يبقى محدودًا أمام بعض الظواهر الغامضة، ولا يستطيع التدخل في القرارات أو إبداء رأي. يعتمد القادة على الإكس بوليتاس لاكتشاف المستجدات، لكنه يمتلك نقطة ضعف غيرت مصير التاريخ...
عندما بدأ الاجتماع، انبعث من الشاشة ضوء ذهبي دافئ، قبل أن يصدر صوتٌ هادئ لكنه مهيب، يعلن خبراً قد يغيّر توازن القوى في النظام الشمسي:
"لكل منكم أقمار، و هي اجرام سماوية مثلكم وهم جزء لا يتجزأ من وجودكم، دوركم هو الإعتناء بهم كمساعدين لحل مشاكلكم و دورهم هو خدمتكم بكل ما أوتوا من قوة، فبعد كل شيئ أنتم من اختار عددهم حتى قبل خلقكم.."
[ "القمر" او "مون" في المصطلح الكوني تعني "الحامي الصامت" ]
ساد الصمت في القاعة، قبل أن يقطع المشتري الهدوء بصوته العميق:
"إذا، أولئك الصغار بسمون بالأقمار..."
التفت الجميع إليه، ليتابع زحل بتردد ملحوظ:
"لقد وجدنا العديد منهم و.. نعرف كيفية الوصول إليهم ايضا.. لماذا.."
عيون بقية الرؤساء اتجهت نحو العملاقين الغازيين في دهشة واستنكار، فقبل تلك المدة لم يثقوا في بعضهم ابدا كانت الشكوك تسيطر عليهم و الحذر هو الغالب بين أولئك الأربعة عشر لكن قبل أن يتمكن أحد من طرح الأسئلة، تابع زحل بصوت منخفض وهو ينظر بعيدًا و الإبتسامة تعلو محياه هذه المرة:
- في الأخير.. مقدر لهم ان يكونوا اتباعنا.. لا.. بل مساعدينا في حماية شمسنا.. لماذا..
ارتفع همس خفيف في القاعة، فيما عقد أورانوس حاجبيه وقال بحدة:
- إذن أنتما تعرفان كيف نجد.. أقمارنا..
المشتري أومأ بثقة، ثم بدأ يشرح، وزحل يكمل عنه بين الحين والآخر. كشفا أن الأقمار ليست مجرد أجرام تدور حول كواكبها، بل كائنات فريدة ذات وعي خاص. بعضها مختبئ في أماكن محددة، والبعض الآخر
بعد انتهاء الشرح، نظر الجميع نحو "الإكس بوليتاس"، الذي تألق مجددًا وأعلن:
"عدد الأقمار الخاصة بكل واحد منكم معروف لدينا... استعدوا للبحث عنها، هذه هي مهمتكم القادمة يا حماة الكون."
لكن المفاجأة الكبرى كانت عندما نظر الزهرة إلى اسمه ولم يجد أي عدد مسجل له. لم يصدق ما رآه و قد كان سيثور على الإكس بوليتاس طالبا تفسيرا، لكنه سريعًا ما أخفى صدمته بتكلف اللامبالاة، فهو أكثر من يدرك ان تلك الشاشة لا تخطأ في هكذا معلومات، مكتفيًا بعبارة مقتضبة:
- تشه، لا أحتاج إليهم."
لكن المريخ هو الوحيد الذي لاحظ الانقباض في عينيه.
أما عطارد، فلم يكن بحاجة إلى رؤية رقمه، لأنه ببساطة لم يكن يهتم. منذ البداية، لم يكن يريد أقمارًا... لطالما كان مقاتلًا منفردًا، يرى أن الاعتماد على الآخرين هو طريق الضعف. بالنسبة له، كان البحث عن أقمار مجرد خطوة لا طائل منها بالنسبة له.
- هاااااا...
علا صوت صاخب في المكان، لنرى ان رئيس الكوكب الثالث ينظر في صدمة تامة، و كأنه رآى شيئا قد خرب مزاجه و أكمل بصوت أقل صخبا:
"تبا، قمر واحد فقط؟! لقد بدأت انزعج من حظي التعيس..."
لكن الإكس بوليتاس دوى بجملة رُسخت في ذهن كل الحاضرين :"نعم.. انت صاحب اسوء حظ بينهم، لكن ليس بسبب القمر الوحيد.."
لم يفهم الجميع ما كان يشير اليه و وسط تلك الجلبة اتسعت عينا باور بحماس بالغ و دوى بصوت عالٍ:
هااااا... قمر واحد فقط؟!
وهكذا، انتهى الاجتماع العاشر بقرار واحد:
"كل قائد سينطلق في رحلته للعثور على أقماره..." طبعا باستثناء الرمادي القصير و ذلك الأحمر الغاضب.
─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ──
فوق سطح الأرض، الكوكب الأزرق الغني عن التعريف، الكوكب المتميز بتضاريسه المتنوعة و محيطاته الشاسعة، و المفعم بالحركة و التغير المستمر.
وقف رئيسه في مكان يملؤه الثلوج، على أعلى قمة جبل جليدي تحيط به رياح ثلجية قاسية، متربعًا متأملًا بعيون حادة فيما أخبره به الإكس بوليتاس.
" لقد قال المرتشي (Jutiper) ان الذين يسمون بالأقمار يمكن الوصول اليهم ببوابات خاصة تكون اصغر من بوابات الإنتقال بين الكواكب. إن كانت هذه القاعدة صحيحة، فعليّ البحث عن البوابة المطابقة للون قمري.. "
نظر إلى الأسفل، حيث لمح دائرة صغيرة بلون رمادي مع مسحات بنية خفيفة.
" لنرى.. لقد برز قمري ان لونه رمادي نوعًا ما اذا فالمفترض ان تكون هذه هي البوابة المقصودة."
أشار الأرض الى تلك البوابة الصغيرة، لم يتردد رئيس الكوكب الثالث بل اندفع نحوها بخطوات واثقة، متخيلًا اللقاء الذي طال انتظاره... كيف سيبدو قمره؟ كيف سينسجمان معًا ليشكلا ثنائيًا أعظم وأقوى من الجميع؟
لكن الواقع كان مخالفًا تماما لتوقعاته..
ما إن اجتاز البوابة، حتى وجد نفسه في عالمٍ غارق في الصقيع. الرياح الجليدية تعوي من كل اتجاه، والثلوج تكسو الجبال العملاقة التي تمتد بلا نهاية. لم يكن يتوقع هذا المشهد... لم يكن يفترض أن يكون قمره بهذا البرود القاتل!
"درجة الحرارة هنا أقل بمئتي مرة من حرارة كوكبي..."
صال الأرض و جال حيث تقدم بخطوات ثقيلة، محاولًا فهم هذا المكان، لم يمض الكثير من الوقت حتى سمع صوت خطوات راكضة. لم تكن خطوات عادية، بل و كأنه صاحبها يحاول الهرب من مصيرها.. أو انه يسرع نحو شيئ مجهول.
توقف الأرض، ثم، دون تفكير، أخذ وضعية القتال؛ كانت وضعية غريبة، حيث مدّ يده اليسرى إلى الوراء، بينما قبضته اليمنى، التي تحمل سلاحه الكوني، تصوّبت بدقة نحو مصدر الصوت. قدماه إلتصقتا ببعضهما البعض، و قد انغرستا بثبات على الجليد، وعيناه تراقبان بحذر.
و أخيرا.. ظهر القادم..
كانت ملامحه التي تعبر عن صدمة شديدة مألوفة و لكن الأرض تجاهل ذلك في البداية.. مهلا، حتى زيه ايضا كان مألوفًا..
" حتى لو كنت ضعيف الذاكرة.. فأنا لا يمكنني نسيان تلك الملامح الجادة.. وتلك الدروع المميزة.. لا، هذا لا يمكن أن يكون مجرد تشابه!"
ثم، بعد ان عدّل وضعية جسده، مدّ يده نحو قمره قائلا بنبرة تملؤها الكبرياء:
" اهلا بك.. سأعرفك بنفسي.. انا الأرض رئيس كوكب الارض، امّا انت، فتكون قمري بصيغة كونية، و مساعدي و سندي بصفة شخصية.."
لكن الآخر لم يُبدِ أي رد فعل متوقع، بل عقد حاجبيه وسأل بذهول:
" ماذا؟ مالذي تتفوه به؟ انا قمرك؟! منذ متى.."
خفض الأرض رأسه و ابتسم بلطف محاولًا شرح الأمر بدون تعقيدات:
" هذه هي حكمة الكون و أنا — "
- أرض.. هل جننت يا صاح؟ أنا بلوتو..
لم يكن صقيع كوكب بلوتو القارس، الذي يكفي لتجميد أي كائن حي في لحظات، قادرًا على تجميد الأرض. لكن كلمات رئيسه، التي انطلقت ببرودة تفوق أي صقيع، كانت كفيلة بتحقيق ذلك.
كل كلمة كانت كسهم جليدي اخترق بلورة الأرض الذي بدى كالأحمق..
كسر بلوتو الصمت الذي كان بينهما بضحكة ساخرة، هزت أعماق الأرض:
" هاهاها لا.. هاها انا لا اصدق ما اسمع.. ضعف في الذاكرة؟!
أ لهذا ظننت انني قمرك، حسنا.. انا لن اقول لأحد ما حصل فهذا محرج حتى بالنسبة لي.. "
ابتلع الأرض صدمته، لكن بلوتو لم يرحمه فتابع قائلاً:
" الم تسمع ما قاله العملاقان؟ البوابة التي تربط بين الكواكب و أقمارها تتميز بنورها الخاطف و الساطع و بالطبع، نسيت ذلك...
حدّق الأرض بالأفق، وكأن الحقيقة بدأت تغرس أنيابها في عقله. شعر بإحراج قاتل، لكنه حاول الحفاظ على رباطة جأشه.
- ااا.. اجل شكرا على المعلومة بتولو..
- إنه بلوتو ايها الوغد الأخضر، لكنني سأقول لتشارون.
- ماذا؟ لا ارجوك لا تفعـ.. مهلا، من تشارون، هل هو احد الرؤساء؟
أدار بلوتو رأسه، وهزّه بخيبة أمل واضحة كأنه يقول:
"أ حقا لا تتذكر أسماء الآخرين؟"
- أ حقا لا تتذكر أسماء الآخرين؟
اوو لقد قالها حقا..
ثم تابع كلامه بنبرة أكثر جدية:"أنا لا اقصد بقية المجموعة، تشارون هو قمري الأول..
و وسط صدمة الأرض الذي لم يتوقع ان بلوتو عثر بالفعل على قمر من اقماره في هذا الوقت القصير، فانتفض قائلا:
" م.. ماذا؟ لقد عثرت بالفعل عن احد اقمارك.. هذا رائع!"
لكن نبرة بلوتو الباردة نسفت أي أثر للحماس في صوته.
فإجابته لم تكن كما كان يتوقع:
" لا انا لم اعثر على احد أقماري."
لم يتمكن الأرض من التفاعل مع تلك الكلمات الغريبة حتى أكمل:" انا لم اعثر على احد اقماري فقط، بل عثرت على جميعهم، انهم خمسة اقمار بالظبط.. كل منهم يتميز بـ..."
تاه الأرض وسط افكاره، فقد سيطر الذهول على تفكيره فور سماعه ان بلوتو عثر بالفعل على كل أقماره و هو لا يستطتيع ايجاد قمره الوحيد بعد..
عاد الى كوكبه بخيبة عارمة، لكنه لم يستسلم بعد، بحث بلا توقف، عبر الصحاري، الجبال، الغابات... خمسون كاي مرت، و أخيرا عثر الجميع على أقمارهم الا صاحب الحظ السيئ...
وقف على قمة جبل مطل على البحر، قبضتيه مشدودتين، وصرخ:
- تبا.. تبا.. جُلت الكوكب اكثر من مليون مرة كل كاي و لا اثر لتلك البوابة الحمقاء و لا لذلك القمر التافه..
أخذ نفسًا عميقًا، محاولًا تهدئة نفسه.
" لم يزرني المريخ بعد لذلك لا بد انه يعاني الأمرّين مع قمرَيه.."
لكن سرعان ما هز رأسه، مطردًا الفكرة:" مهلا ركز على هدفك أرض و لا تأبه للآخرين فما سيتذكره التاريخ هو ما ستقدمه له فقط، هيا انهض الآن و اعثر على قمرك!"
أدار نظره حوله، ثم عقد ذراعيه وهو يفكر بعمق... ثم فكر بصوت عال:
" لقد بحثت في كل مكان و كل زاوية من الكوكب لكنني لم اتحقق من المياه..
البحار و المحيطات تغطي معظم الكوكب، بالطبع.. لا شك في ذلك!"
ثم نهض و اخذ تلك الوضعية المضحكة، و بسرعة اسرع من الضوء غطس في أعماق المحيطات، متتبعًا حدسه حتى لمعت أمامه بوابة ساطعة كأنها نجم في ظلام البحر. بسمة عريضة ارتسمت على وجهه وهو يندفع نحوها و قبض قبضته بفرح شديد صارخا:
" كان ذلك اصعب بكثير من البحث في اليابسة لكنه يستحق العناء.. حسنا ها انا ذا..."
قالها و هو يدخل البوابة و كالعادة فور دخوله وجد نفسه في مكان آخر تماما؛ مكان قاحل.. مغطى بطبقة من الغبار والصخور المفتتة، تضاريسه وعرة، مليئة بالفوهات العملاقة..
علم الأرض علم اليقين ان هذا المكان هو القمر الذي طال انتظاره، بعدما اشاح بنظره الى مكان مؤلوف.. كان كوكبه يتلألأ في الأفق.
لكن قبل أن يستوعب المشهد، شعر بحضور خفيف... أنقى وألطف مما عرفه من قبل، كان مختلفا عن حضور بقية القادة.
استدار ببطء، ليجد شخصًا قصير القامة، بملامح هادئة ونقية، كأنها انعكاس للضوء في المياه الصافية.
لم يتمكن الأرض من رؤيته في البداية بسبب تطابق لونيْ قمره و لون ذلك الشخص. و بعد تلاقي الأعين شعر ذلك الشخص بحنين غريب تجاه الأرض. نظر إليه بعينين متسائلتين، ثم سأل بصوت ناعم راغبًا بشدة في معرفته:
" من.. تكون؟"
ابتسم الأرض بثقة، وأجاب بصوت ثابت، لخص كل شيئ تقريبا:
" انا الأرض رئيس كوكب الارض، اما انت فتكون قمري بصيغة كونية، و مساعدي و سندي بصفة شخصية.. فهذه يا عزيزي هي حكمة الكون، و انا أحد حماته.."
و من هنا بدأت حكاية من أعظم الحكايات التي مرت على التاريخ، فقد كتب هذين الإثنين إسمهما بأحرف من ألماس، صحيح ان مورڤ هو قمر الأرض الوحيد إلا ان قوته و ولاءه و إخلاصه لسيده يعادل الكون كله.
بعد لقاء الأرض بقمره، مرت الكايات والأحداث، و عمل كل القادة مع أقمارهم على تحقيق مهامهم وحماية النظام الشمسي.
ومع مرور الزمن، بدأ الحديث يدور حول الثنائي الأعظم، القائد والقمر اللذان حُفرت أسماؤهما في صفحات التاريخ كأعظم ثنائي في النظام الشمسي.
وفي النهاية، اجتمع الجميع من جديد في المركز الأحمر، حيث أضاءت شاشة الإكس بوليتاس مُعلنة عن نهاية هذه السنة الكونية.
بدأ الصوت الإلكتروني البارد للـ الإكس بوليتاس يتحدث:
"حُلت جميع مهام هذه السنة الكونية بنجاح، وكل الفضل يعود لثنائية الكوكب والقمر الرائعة..."
ارتفع صدر الأرض بفخر، مستعد لسماع اسمه و اسم قمره يُنطقان أمام الجميع.
لكن الصدمة نزلت كالصاعقة عندما أكمل الإكس بوليتاس جملته:
"باور و أوكليدوس."
ساد صمت ثقيل في القاعة. تجمدت ابتسامة الأرض في منتصفها، بينما ارتفع حاجباه في ذهول تام. أخذ يرمش كأنه لم يستوعب ما سمع للتو.
أما باور، فقد صرخ بحماس ملوحًا بقبضته في الهواء:
"هااااه! أوه نعم! كنت أعلم ذلك! أنا وأوكليدوس ثنائي لا يُهزم!"
لم ينطق الأرض بكلمة. وقف صامتًا، وكأن الزمن توقف حوله، بينما كانت عيناه تحدقان في باور بعمق.
ابتسامة غريبة ارتسمت على شفتيه، لكنها لم تكن تعبر عن غضب أو استياء. بل كانت ابتسامة تحمل في طياتها شيئًا من الرضا، شيئًا من الفهم العميق الذي لا يحتاج إلى كلمات.
"هه، يا لي من غبي..."
همس في نفسه، وصوته الداخلي يحمل نبرة من التهكم اللطيف على ذاته. "بالطبع لست وحدي في هذا الكون."
كانت الكلمات تتردد في رأسه، مليئة باليقين والامتنان. أدرك أخيرًا أن الكون بكل ما فيه من فوضى وغموض، لم يكن مكانًا باردًا أو معاديًا.
ابتسامته اتسعت قليلاً، وكأنها تعانق الفكرة التي استقرت في داخله. لم يكن وحيدًا... ولن يكون أبدًا.
فما مدى قوة باور و قمره؟