كان البكاء يملأ القاعة الواسعة، صوت خافت يقطعه نحيب متقطع، وكلمات بالكاد تخرج بين الدموع:

"غبي... غبي..."

فتح فيبوس عينيه ببطء، كان في كبسولة ضخمة شفافة ممتلئة بسائل متعدد الألوان، نعم.. كان في غرفة الكاستيباس لكنه عندما رأى وجهًا مألوفًا، لم يستطع منع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى ملامحه.

"د... ديموس..."

كان هناك، يقف أمامه بعد غياب طويل. مشاعر مختلطة اجتاحت فيبوس، لكن قبل أن يتمكن من استيعابها، اقترب منه المريخ بابتسامة هادئة وقال بصوت دافئ:

"أهلاً بعودتك أخيرًا... لقد افتقدناك."

تنفس فيبوس بعمق، محاولًا كبح اضطرابه، ثم رد بصوت متعب لكنه مليء بالامتنان:

"شكرًا، سيد مريخ..."

التفت حوله بسرعة، ليجد الكواكب الأخرى حاضرة أيضًا، عيونهم مسلطة عليه وكأنهم ينتظرون شيئا.

"هه... وياله من حظ! السادة القادة هنا أيضًا؟"

"ماذا حصل؟" سأل فيبوس، محاولًا فهم الموقف.

"نحن من يجب أن نطرح هذا السؤال عليك." جاء صوت الزهرة حازمًا، كأنه لا يقبل التهرب.

تردد فيبوس، عبس قليلًا وهو يحاول أن يتذكر، لكنه شعر بثقل رهيب في رأسه، وكأن عقله يرفض التعاون.

"أنا... لا أتذكر شيئًا..." خفض بصره قليلًا ثم أضاف بصوت خافت: "أريد فقط قسطًا من الراحة."

"لكن..." حاول الزهرة الاعتراض، لكن يدًا وُضعت بلطف على كتفه.

"حسنًا، سنعود إليك قريبا." قال الأرض بصوت هادئ واضعًا يده على كتف الزهرة، كأنه يطلب منه التراجع. "نأمل أن تكون بخير وقتها."

أومأ فيبوس ببطء دون أن يجيب. لم يكن لديه القوة لمواجهة الجميع الآن. واحدًا تلو الآخر، بدأ الرؤساء بالمغادرة، تاركين الغرفة خلفهم بصمت ثقيل.

بقي المريخ، لكنه كان على وشك اللحاق بهم عندما جاءه صوت فوبوس من الكاستيباس:

"سيد مريخ..."

التفت إليه المريخ وسأل بهدوء: "نعم؟"

"أرجوك..." بدا صوت فيبوس مترددًا، وكأنه يكشف عن نقطة ضعف لم يرد الاعتراف بها. "أنا.. لا أحتمل وجود القادة جميعًا وهم ينظرون إليّ... هذا محرج نوعًا ما."

ابتسم المريخ قليلًا وقال بصوت مطمئن: "كن مطمئنًا، سأعود أنا والأرض فقط." ثم التفت إلى ديموس قائلًا: "ديموس، اعتنِ به رجاءً."

أومأ ديموس دون أن ينبس بكلمة، فيما غادر المريخ القاعة بخطوات ثابتة.

كان الصمت هو سيد المكان الآن، لكن ديموس لم يكن ينوي السماح له بالاستمرار طويلًا فسأل بنبرة غير راضية و هو يفحص الكبسولة التي يقبع فيها اخاه.

"ما كان ذلك؟"

رفع فوبوس نظره إليه، متفاجئًا من نبرة صوته. "عن ماذا تتحدث؟"

"القمر الذي يُعتبر من أقوى الأقمار في النظام الشمسي يحتاج قسطًا من الراحة ليجمع أفكاره حول شيء حدث له؟ لا أظن هذا صحيحًا!"

قطب فيبوس حاجبيه فورًا، لكن قبل أن يكمل أخاه الحديث، رد بجفاف:

"قلت لك مرارًا، لا تنادني بذلك."

اقترب ديموس منه أكثر، لمس بلورة الكبسولة نبرته أصبحت أكثر حدة، لكنه لم يكن غاضبًا، بل كان أقرب إلى من يحاول كشف الحقيقة المخفية.

"اسمعني جيدًا، ربما خدعت القادة، لكنك لم، ولن تخدعني أنا و السيد مريخ."

توقف فيبوس عن التنفس لوهلة، وحدق إليه بعيون مليئة بالتوتر.

"لماذا تقول مثل هذا الكلام الآن؟" سأل بصوت شبه هامس.

ظهرت ابتسامة خفيفة على وجه ديموس، لكنها لم تكن سخرية، بل شيء أعمق من ذلك... شيء كان محفورًا في داخله منذ زمن بعيد.

"لأنني توأمك الكوني."

في تلك اللحظة، تراجع فيبوس قليلًا، وعيناه تومضان بإدراك مفاجئ. الكلمات لم تكن غريبة... لا، بل هو اول من نطقها.

فجأة، اجتاح ذهنه سيل من الذكريات، وكأن صندوقًا قديمًا فُتح بعد أن ظل مغلقًا لسنوات كونية. عاد إلى تلك اللحظة، في زمن بعيد، عندما التقى بديموس لأول مرة:

- م.. ماذا؟ من هذا الذي يشبهني؟ هل هو انعكاس؟

انهال ديموس بالأسئلة على المريخ الذي لم يشرح له الوضع بعد ثم قال شبيهه بصوت واثق: انعكاس؟ ما مدى معرفتك بالإنعكاس أصلا؟ انا فيبوس، قمر السيد مريخ..

صمت ديموس و لم يستوعب ما قاله استدار الى المريخ محاولا فهم الوضع لكنه وجد الأخير مغادرا بالفعل، لم يتردد ايقافه و سؤاله:" ها؟! قمر السيد المريخ؟ لكنني ظننت انني قمرك! "

ففتح المريخ فمه اخيرا و قال: هذا صحيح، انت قمري و فيبوس قمري.. انتما الإثنان قمرا أفضل قائد في الكون..

- إذا يوجد الكثير عدى هذا القبيح...

كان ديموس يريد استفزاز القمر الآخر لكنه تلقّى جملة جعلته يفكر أكثر من مرة قبل استفزازه: لقد قلتَ قبل قليل، من يكون هذا الذي يشبهني؟ اذا نحن متشابهان في القبح ايها الغبي؟

و وسط ذلك الجو المشحون، نطق المريخ بكلام عاقل (لأول مرة) : اذا، تقدما نحو بعضكما ببطء و مدا يديكما و صافحا بعضكما..

لم يخالفا طلب المريخ.. بل لأنه كان أمرا، مد ديموس يده و حين ما فعل فيبوس المِثل...

يُتبع..

هه لا لا امزح، أطلق ديموس شيئا قرمزيا أحمر من يده اليسرى، شيئا أحمر مألوف لكنه اختفى بلمح البصر..

- م.. ماذا؟ كيف؟ قالها ديموس متعجبا من اختفاء الشيئ الذي هجم به على الآخر. و في لمح البصر فتح فيبوس يده و ظغط على سبابته بإبهامه و إذ بالدينكو نزل مسرعا على ديموس لكن هذا الأخير و بحركة رشيقة ضربها بأسفل قدمه مغيرا مسار الدينكو نحو فيبوس و قبل وصوله اليه انفجر بقوة.. [ الدينكو هو الشيئ الأحمر القرمزي ]

" جميل، هذا مثال على ما سنتحدث عنه الآن.. " قال المريخ بعدما ابعدهما عن بعض لأن المعركة لة كانت ستستمر،لتدمر مقر المريخ و ان تدمر مقمر المريخ فلم نكن لنتحدث عن فيبوس و ديموس الآن.

ثم تابع رئيس الكوكب الرابع: حسنا، ديموس هذا صديقك فيبوس لكن من هذا الكاي ستناديه بأخي و الكلام ينطبق عليك ايضا فيبوس. الآن عرّفا لبعضكما قدراتكما..

تكلم فيبوس شارحا قدرته العجيبة:" قدرتي هي إخراج الكيندو من يدي..

[ الكيندو هي اشياء صغيرة تشبه المسامير على كوكب الأرض فتكون لولبية و حادة من الأمام بلون أقرب الى الزهري ]

استطيع بواسطة التحكم بها مهاجمة الخصم مهما كان حجمه كبيرا او صغيرا، عندما يلمس الكيندو اي شيئ استطيع بواسطة تطبيق اصابعي فعل ما اريد به..

لم يكمل شرحه بعد حتى نجد ديموس استنتج ذلك:" اذا هكذا انفجر و اختفى الدينكو.. "

و تابع و هو ينظر لفيبوس باهتمام:" انا استطيع اخراج الدينكو من يدي اليسرى و التحكم بشكله."

لكن فيبوس اوقفه قائلا:" اذا انت من النوع الحذر.. لقد حللت قدرتك بالفعل عندما هاجمتني، قدرتك هي سحب اي شيئ من الخصم بيدك اليمنى ثم مهاجمته بنفس ذلك الشيء بيدك اليسرى و كأنه ملكك، اما عن ذلك الدينكو، فذلك يخص السيد مريخ.. فلو كان حقا ملكك، لتحكمت به للدفاع عن نفسك."

لم يصدق ديموس ما سمعه و قال مكلما تفسه" تبا.. متى حلل كل ذلك؟ انا لم استطع رؤية الدينكو الخاص به لو هاجمني به مباشرة لكنت في عداد الموتى.."

ثم تابع فوبوس مثبتًا نظراته نحو المريخ، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلًا خفيًا:

"وأيضًا... لقد قال لك السيد مريخ أن تهاجم أي شخص يقف أمامك ويدّعي أنه قمرك، أليس كذلك؟"

تجمدت ملامح ديموس، وارتجفت أفكاره: "لا... هل يقرأ هذا الشخص الأفكار؟!" تساءل في داخله، قبل أن ينطق بارتباك:

"كيف علمت ما دار بيني وبين السيد مريخ؟"

نظر إليه فوبوس للحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، وأجاب ببساطة، كأن الأمر بديهي:

"لأنه فعل نفس الشيء معي."

و هكذا بدأت رحلة صداقة قمري المريخ لكنها لم تكن بذلك الترابط القوي في البداية فعبارة ' توأمي الكوني ' ذُكرت في حرب كبيرة، حرب كونية عظيمة، حيث كل من في النظام الشمسي واجه ظلاما مطلقا، واجه كابوسا مازالت أضراره تُألم أكثر حتى من طرد بلوتو.

─── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ────── ∞ ─

جلس بلوتو في مقره المظلم المغطى بالثلوج، يحدّق في الخريطة النجمية أمامه. المعلومات التي سُرِّبت لم تكن عادية، بل كانت تفاصيل دقيقة عن تحركاته وخططه، معلومات لا يعرفها سوى أقرب أقماره إليه.

لم يكن أمامه خيار سوى التحقيق معهم جميعًا. وقف أمامهم، عاقدًا يديه خلف ظهره، وصوته بارد كجليد نبتون:

"أحدكم خانني."

ساد الصمت. لم يتحرك أحد، لم يبدُ على أي منهم الاضطراب أو القلق. كان كل منهم واثقًا، أو كان يتظاهر بالثقة.

لم يترك بلوتو الأمر للصدفة، فقد بدأ بالتحقيق فرديا على جريمة تستحق الإعدام بالنسبة له...

لم يكن في القاعة سوى ضوء أزرق خافت، يلقي ظلالًا حادة على وجوه الأقمار. كل نَفَس مسموع، كل حركة محسوبة. كان الضغط كافيًا ليجعل أي خائن ينهار…

أولًا: تشارون، أكبر أقمار بلوتو وأقربهم إليه، اول قمر اعترف به سيده، لذلك يُلقب بقمر بلوتو الأول..

كان هادئًا كعادته، نظر إلى بلوتو بثقة قائلاً:

"لقد كنت معك طوال الوقت تقريبًا، متى كنت سأتمكن من تسريب شيء؟ و أيضا.. هذه المرة الأولى التي تشك فيها بإخلاصي لك.."

نظر بلوتو في عينيه، باحثا عن أي شرارة كذب، لكنه لم يجد شيئًا، اراد إبقاء عاطفته جانبا هذه المرة و لم يرد على قمره الأول.

ثانيًا: كان نيكس، القمر الذكي والمخطط الماهر.

بلوتو كان يعرف أن نيكس لا يفعل شيئًا دون سبب. لكن عندما سأله، أجاب مباشرة:

"لو أردت خيانتك، هل كنت ستدرك ذلك بهذه السهولة؟ لنحلل كيفية تسرب المعلومات و سنرى أنها كانت بطرق ساذجة و غبية."

ابتسم بلوتو بسخرية. لم يكن هذا اعترافًا، لكنه لم يكن نفيًا أيضًا. ذكاء قمره قد تخطى حدوده بالفعل و ازاح الشكوك عنه..

تاليًا: هيدرا، القمر المقاتل، و هو قمر بلوتو الثالث.

كان أكثرهم غضبًا من هذا التحقيق، ضرب الطاولة بيده قائلاً:

"أقسم أنني لم أفعلها، ولن أفعلها! نحن نقاتل مع بعضنا ضد كل النظام الشمسي، لماذا قد أخونك؟ او بالأحرى لماذا قد يخونك اي احد منا؟"

الصدق كان واضحًا في صوته، لكن بلوتو لم يكن ليسمح للعاطفة بأن تخدعه.

و أخيرا و ليس آخرا، كيربيروس وستكس، الأقمار الأصغر و الأخيرة لبلوتو. الرابع و الخامس الآن تحت التحقيق.

كانا الأقل احتمالًا للخيانة، لكن بلوتو لم يستبعد أحدًا. أسئلته لهما كانت بسيطة، أجوبتهما واضحة. و يال حظ بلوتو: لا شيء مريب.

كان الضغط كافيًا ليجعل أي خائن ينهار… لكن... لم يحدث شيئ او هذا ما تمنى حدوثه بلوتو.. فتساءل هذا الأخير محاولا ايجاد ثغرة تساعده على حل هذه المشكلة:" ماذا لو لم يكن الخائن بينهم؟"

جلس بلوتو يفكر. لو كان هناك خائن، كان سيتصرف بطريقة مختلفة، كان سيرتبك، كان سيتحاشى النظر في عينيه. لكن لم يحدث شيء من هذا.

إما أن الخائن ليس بينهم، أو أنه أذكى مما كان يظن.

لأول مرة منذ مدة طويلة، شعر بلوتو بظل من الشك يتسلل إلى عقله. ماذا لو كان ذلك المجهول يهذي؟ ماذا لو كان ذكاؤه قد خانه هذه المرة؟"

راودته العديد من الأسئلة. عندها، فهم بلوتو شيئًا مرعبًا…

الخائن قد يكون شخصًا لم يشك فيه أبدًا، ثم إبتسم و قال بصوت لا يُسمع تقريبًا:

" نيكس أيها الوغد..."

فهل وجد بلوتو الخائن حقا؟

2025/03/15 · 55 مشاهدة · 1617 كلمة
PPP
نادي الروايات - 2026