طنين حاد، متواصل اعتراني، كأن أحدهم قرر أن يستخدم رأسي كجرس إنذار شخصي.

حاولت أن أتهم، أن ألوح بيدي لإسكات هذا الضجيج اللعين، لكن أطرافي شعرت وكأنها مصنوعة من الإسمنت الرطب .. ثقيلة، خاملة، وبالكاد تستجيب لأوامر عقلي الضبابي.

كان هناك ضوء مبتعث.

ليس ضوء الشمس الأصفر الدافئ الذي يتسلل عادة من ستائر غرفتي الجامعية الرخيصة، بل وهج بارد، أبيض، يشبه أضواء غرفة عمليات رأيتها في الأفلام.

"تبا،" فكرت.

هل انتهى بي الأمر في المستشفى بعد ليلة أخرى من الكافيين الرخيص وجلسات القراءة الماراثونية ل "سجلات أكاديمية الطليعة"؟

ربما تجاوزت الحد هذه المرة.

"الع .. اغغ!"

تمتمت بشيء يشبه الأنين، محاولًا إجبار جفوني الثقيلة على الانفتاح.

استغرق الأمر ما شعرت به كأنه دهر، لكنني تمكنت أخيرا من فتح شق ضيق.

كان السقف أبيض باهت . لا شيء يشير إلى أنني على وشك مقابلة خالقي أو شيء من هذا القبيل.

بدأت رائحة غريبة تتسلل إلى أنفي - مزيج من شيء معقم بشكل طفيف، وذلك العبء المألوف للغبار المتراكم، وربما ... رائحة خفيفة لشخص لم يستحم منذ يومين؟

"بالتأكيد ليس مستشفى فخم،" استنتجت. ربما جناح الفقراء. أو الأسوأ.

"أمي ... هل أحضرت لي قهوة؟" همست، لكن الصوت الذي خرج كان غريبا. أجش، وعميق قليلا عما أتذكر.

كأنه صوت شخص آخر يحاول تقليد نبرتي بعد ليلة صاخبة. هذا غريب. غريب جدا، قلت لنفسي.

دفعت نفسي إلى الجلوس، مستخدما ما تبقى من قوة إرادتي.

الدوار ضربني بقوة، كأن العالم كله قرر أن يمارس رقته، ليضرب الحديد على رأسي. تمايلت، وضربت يدي شيئًا صلبًا بجانبي لاستعادة توازني.

السرير. كان صلبا كلوح خشبي، والملاءات خشنة كأوراق الصنفرة.

"أين ذهب سريري الإسفنجي المريح الذي كان يعرف كل تفصيلة في عمودي المنتهك؟" تساءلت بمرارة.

ثم نظرت إلى يدي.

"ها … !" تجمد الدم في عروقي. أو على الأقل، هذا ما شعرت به.

هذه لم تكن يدي. مستحيل.

كان يد شاب، أنيق بشكل مبهر .. أصابع طويلة، نحيلة، بأظافر من المبهج أنها لم تعرف معنى كلمة "قضم" في حياتها.

بشرة شاحبة، خالية من أي ندوب أو آثار حبر القلم التي كانت تزين يدي عادة.

يدي أنا كانت يد عامل كادح في مناجم الكافيين والكلمات، يد تعرف جيدا ملمس الأزرار البلاستيكية للوحة المفاتيح وكوب القهوة الفاتر.

هذه اليد ... يبدو أنه خارج من إعلان إلى مرطب فاخر.

بدأ قلبي يضخ الأدرينالين في نظامي كأنه لا يوجد غد.

'لا. هذا حلم .. كابوس. بالتأكيد.' أغمضت عيني بقوة، مشتتًا بهذا التفسير كغريق يتشبث بقشة.

"استيقظ، آدم. استيقظ يا القرد الكسول. لديك محاضرة في التاسعة." همست لنفسي، أو للغريب الذي استولي على حنجرتي.

فتحت عيني ببطء.

نفس اليد اللعينة. نفس الغرفة المجهولة ذات الإضاءة الباردة التي تشبه المشرحة.

"حسنا،" تمتم، وشعرت بموجة من السخرية السوداء الباردة تبدأ في غسل ما تبقى من هدوئي.

"إما أنني أصبحت مجنونا بشكل رسمي، أو أن أحدهم قرر أن يلعب معي مقلبا سيئا للغاية."

نهضت من السرير، محاولا تجاهل ارتجاف ساقي التي تبدوا كالهلام ..

كانت الغرفة صغيرة بشكل بائس.

جدران بلون البيج الذي يصرخ "استسلام للحياة".

سرير مفرد حديدي، مكتب خشبي رخيص عليه بعض الخدوش، خزانة ملابس يبدو أنها شهدت عصورًا أفضل.

لا شيء .. لا شيء على الإطلاق من فوضى حياتي المنظمة.

لا ملصقات الفرق الموسيقية التي لم يتذكرها أحد، لا أكوام الكتب التي أقسمت أني سأقرأها يوما ما، لا أوراق المحاضرات التي تشكل نوعا من الفن التجريدي على أرضيتي.

ثم، كالمغناطيس، انجذب بصري إلى شيء معلق على ظهر الباب الخشبي بالي. مرآة كاملة الطول، سطحها مغبش قليلًا

شعرت ببرودة تسري في أوصالي.

جزء صغير وعقلاني مني كان يصرخ ليتجاهلها، ليعود إلى السرير ويختبئ تحت الأغطية حتى يختفي هذا الكابوس.

لكن الجزء الأكبر، ذلك الجزء الفضولي اللعين الذي كان دائما ما يوقعني في المشاكل، كان يدفعني إلى الأمام.

خطوة. اثنتان. كل خطوة كانت أثقل من سابقتها. وقفت أمام المرآة، وأجبرت نفسي على رفع رأسي.

الشخص الذي حدق بي من الجانب الآخر لم يكن "آدم"، طالب الجامعة المنهك ذو الهالات السوداء والشعر الفوضوي الذي بالكاد يجد وقتا لنفسه.

لا. هذا الشخص كان ... متباين مختلف.

كان غريبًا …

مهم بشكل مبهم.

شعر أسود فاحم، كثيف، بتسريحة تبدو وكأنها تتحدى الجاذبية باناقة متعمدة، فوضوية ولكنها مثالية، مع خصلات تتراقص على جبين عالٍ .

عيون رمادية، واسعة وثاقبة، تحدق بي بنفس القدر من الذهول والطامة التي شعرت بها.

ملامح وجه متأهبة بدقة، أنف مستقيم، فك حاد يوحي بالعناد.

كان وسيما .. وسيما بشكل يجعلك تتساءل ما إذا كان قد هرب من جلسة تصوير لمجلة ما.

"مستحيل ..." الكلمة خرجت كمهمة مكسورة.

راقبت الغريب في المرآة يتحرك بالتزامن مع حديثي.

'هذا ... هذا ليس أنا.'

رفعت يدي، تلك اليد الغريبة الأنيقة، ولمست الوجه المنعكس في المرآة.

شعرت ببشرة ناعمة بشكل غير مألوف، عظام خد بارزة لم تكن موجودة في وجهي القديم.

هذا الجسد لم يكن جسدي. لكن هذا الصوت، هذا الهمس المرتجف، لا يزال يحمل بقايا من نبرتي، من جوهري.

ضغطت على صدري، محاولا تهدئة الطبول التي كانت تقرع بداخلها.

'اهدأ، آدم.'

' يجب أن يكون هناك تفسير منطقي.' لكن أي منطق يمكن أن يفسر هذا الجنون؟

"على الأقل،" وجدت نفسي أهمس مرة أخرى، والسخرية تتسرب من كل حرف.

"إذا كان لا يجب أن أستيقظ في جسد شخص آخر، فمن الجيد أنه ليس جسد قزم أصلع بسنان معوجة. هناك دائما جانب مشرق، حتى لو كان مظلما كالبئر."

"يا إلهي،" همست.

أنا بالتأكيد فقدت صوابي .. أو ربما، كنت قد فقدتها منذ زمن طويل، وهذه مجرد طريقة عقلي لإخباري بذلك.

تراجعت بضع خطوات عن المرآة، كأنني أخشى أن يخرج هذا الغريب الوسيم منه ويخنقني.

"لا، هذا ليس الوقت المناسب للانهيار العصبي. "

وبخت نفسي .. 'أحتاج إلى معلومات. أي شيء. أي دليل يفسر هذا الكابوس الحقيقي بشكل مخيف. '

بدأت عيناي بالتجول في الغرفة الصغيرة مرة أخرى، هذه المرة بتركيز يائس.

هذا المكتب الخشبي الرخيص ... لا يجب أن يتعين عليه شيئا. تقدمت نحوه بحذر، كل عضلة في جسدي متوترة.

كان سطح المكتب خاليا تقريبا، باستثناء الضحك خفيف وكوب فارغ عليه بقع بنية جافة.

"يا للسخرية،" فكرت بمرارة.

"حتى في هذا الواقع الملوي، لا يمكنني الهروب من أكواب القهوة المهملة."

ثم رأيتها ! …

قطعة بلاستيكية مستطيلة، تشبه بطاقة هوية أو رخصة قيادة، ملقاة بجانب الكوب.

انحنيت وألتقطتها بأصابع لا تزال تشعرني بالغرابة.

كان لها صورة للوجه الذي رأيته للتو في المرآة .. نفس الشعر الأسود الفوضوي، نفس العيون الرمادية الثاقبة.

[الاسم: آدم ليستر]

آدم.

"اللعنة." نفس الاسم الأول.

هل هذا نوع من المزحة المريضة؟ هل قرر أحدهم أن يجعل انتقالي (أو أيا كان هذا الشيء) أكثر إرباكا قدر الإمكان؟

"آدم ليستر". بدا الاسم غريبا على لساني.

قلبت البطاقة .. تاريخ ميلاد. عنوان. لا شيء عن "طالب جامعي يعيش على الماكرونا ويحلم بأن يصبح كاتبا".

بدلا من ذلك، كان هناك ختم باهت ... [ميتم زهرة الأمل].

'ميتم .. رائع.' كأن الوضع لم يكن سيئا بما فيه الكفاية.

ليس فقط أنني في جسد غريب، بل إن هذا الجسد لا يملك حتى عائلة تبحث عنه أو تتساءل أين ذهب "آدم" الحقيقي.

شعور غريب بحرية المشوهة والوحدة تجتاحني.

"على الأقل،" همست لنفسي مرة أخرى دون تفكير.

"لا داعي للقلق بشأن شرح هذا لأمي. كانت ستصاب بسكتة قلبية."

وضعت البطاقة جانبا، وشعرت بموجة جديدة من الإرهاق … لا ذكريات. لا شيء على الإطلاق عن حياة "آدم ليستر" هذا.

هل كان سعيدا؟ حزين؟ هل لديه أصدقاء؟ أعداء؟ هل كان جيدا في الرياضيات؟ …

كل ما ورثته هو جسد وسيم بشكل مزعج، وحقيقة أنه نشأ في ميتم.

'يا لها من بداية رائعة وغير مرغوب بها .'

حاولت أن أتنفس بعمق، أن أركز.

الانكار لن يفيدني الآن. ما حدث قد حدث. السؤال هو، 'أين أنا بالضبط؟ ماذا بحق الجحيم؟'

نهضت وتوجهت نحو النافذة الوحيدة في الغرفة. كانت مغطاة بستارة قماشية رقيقة بالية. ترددت للحظة قبل أن أزيحها جانبا.

ما رأيته جعلني أتجمد !

لم تكن الشوارع المألوفة لمدينتي الجامعية الصاخبة والمليئة بالضباب الدخاني.

كان ... متباين. مرة اخرى

أنيق بشكل مقلق. المباني كانت شاهقة، بتصاميم الزجاج والمعدنية أنيقة لم أرها إلا في أفلام الخيال العلمي ذات الميزانيات الضخمة.

سيارات انسيابية تتحرك بصمت في الأسفل، كأنها تطفو فوق الأسفلت .. تطفوا في الهواء.

"مستحيل ! ..." تمتم، وأنا أضغط بوجهي على الزجاج البارد.

رأيت لوحة إعلانية ضخمة على جانب أحد المباني البعيدة.

لم أستطع قراءة الكلمات بوضوح من هذه المسافة، ولكن الألوان الزاهية والرسوم المتحركة التي كانت تعرضها بدأت متقدمة بشكل لا يصدق.

ثم لاحظت شيئا آخر. الناس في الشارع. ملابسهم كانت ... عادية، ولكنها تحمل لمسة مستقبلية طفيفة.

كان بعضهم يرتدي أجهزة غريبة حول معصميه أو مثبتة على آذانهم، تتوهج بأضواء خافتة. أحدهم مر وهو يتحدث إلى الهواء، يضحك، ثم يومي برأسه.

لم يكن هناك سماعة أو هاتف مرئية.

"هذا ليس عال ... ليس عالمي." الجملة خرجت بصعوبة.

مستوى التكنولوجيا هنا ... كان متقدما بعقود. ربما أكثر.

هل تم اختطافي من قبل فضائيين لديهم ذوق رفيع في تصميم المدن؟ أم أنا فقدت عقلي تماما وانتهى بي الأمر في مسحة نفسية فاخرة بشكل مرب؟

بدأ الذعر يتصاعد في صدري مرة أخرى، باردا وحادا.

كل شيء كان خاطئا. كل شيء كان غريبا. جسدي، اسمي، هذه الغرفة، هذا العالم خارج النافذة.

تراجعت عن النافذة، وعقلي يدور كالمروحة. 'أحتاج إلى إجابات. أحتاج إلى شيء ملموس.' شيء يخبرني أنني لست في مجرد هلوسة تمشي على قدمين.

وقعت عيناي مرة أخرى على المكتب .. بجانب الكوب الفارغ وبطاقة الهوية، هناك جهاز لوحي.

لم يكن جهاز آيباد عادي.

كان نحيلا بشكل لا يصدق، شفاف تقريبا عندما كان مطفا. لمسته بأطراف أصابعي المرتجفة.

تردد للحظة، ثم ضغطت على ما بدا أنه زر تشغيل جانبي.

"وشش-!" توهج الجهاز اللوحي بلون أزرق سماوي، وظهرت واجهة مستخدم لم أر مثلها قط.

أيقونات ثلاثية الأبعاد تراقص، معلومات تتدفق بسلاسة عبر الشاشة. كان سريعا بشكل لا يصدق.

"حسنا يا آدم ليستر،" قلت للغريب الذي كنت هو الآن، محاولا إجبار الصوت على الثبات.

"لنرى أي نوع من التكنولوجيا الجحيم قد ألقيت فيه هذه المرة."

لكن قبل أن أبدأ في العبث بالجهاز اللوحي، لفت انتباهي شيء آخر في زاوية الغرفة، تحت المكتب مباشرة. صندوق معدني رمادي، بحجم حاسوب مكتبي صغير.

كان هناك سلك طاقة يمتد منه إلى مقبس في الحائط. حاسوب. شيء مألوف. شيء قد أستطيع فهمه.

"ربما، فقط ربما،" فكرت ببارقة أمل ، "كان الإنترنت هنا لا تزال هي الإنترنت. وربما، فقط ربما، كان جوجل لا يزال موجودا ليجيب على أسألتي اليائسة.

***

البطل اسمه آدم، لا يعني انه عربي، فهذا الأسم مشهور في العالم ككل.

2025/07/20 · 1,695 مشاهدة · 1624 كلمة
Drbo3
نادي الروايات - 2026