الظلام ابتلعني.
لم يكن هناك إحساس بالوقت، ولا بالمكان.
فقط فراغ بارد، كأنني أطاف في بحر من العدم الأسود.
آخر ما ومض في ذاكرتي كان ذلك الفم المظلم في اللوحة التي تحمل انعكاسي المشوه، وهو يتسع ليبتلعني، وصرخات زملائي المذعورة تتلاشى في الخلفية.
ثم، وببطء مؤلم، بدأت الحواس تعود إلي.
أول ما شعرت به هو البرودة .. برودة شيء صلب تحت جسدي.
ثم رائحة غريبة، مزيج من الغبار القديم، وخشب متعفن، ولمحة خافتة من عطر زهور ذابلة.
"هم .."
فتحت عيني بصعوبة، كأن جفوني كانت ملتصقة بغراء قوي.
الضوء كان رماديًا وباهتًا، يتسلل من نافذة صغيرة ذات ستائر دانتيل صفراء وممزقة.
وجدت نفسي ممددًا على أرضية خشبية متصدعة.
ماذا ؟
جلست ببطء، وشعرت بصداع خفيف ينبض في مؤخرة رأسي. تفحصت المكان حولي بارتباك وحذر، وعقلي يحاول يائسًا تجميع ما حدث.
لم أكن في الرواق المظلم ذي اللوحات الفارغة.
ولم أكن في المصعد المتقلب.
كنت في ... غرفة نوم.
غرفة نوم صغيرة، تبدو وكأنها تنتمي إلى عصر آخر، عصر لم أشهده إلا في الكتب أو الأفلام القديمة.
الجدران كانت مغطاة بورق جدران باهت ذي نقوش زهرية دقيقة، يتقشر في أماكن متفرقة ليكشف عن طبقات أقدم من الطلاء، أو ربما عن حجر رطب وبارد.
في زاوية الغرفة، كان هناك سرير صغير ذو أعمدة خشبية منحوتة بأشكال غريبة، مغطى بملاءات بيضاء مطرزة بدقة، ولكنها تبدو وكأنها لم تلمس منذ عقود.
وعليها طبقة خفيفة من الغبار الذي كان يتراقص في خيوط الضوء القليلة التي تسللت من النافذة.
'يا إلهي ... أين أنا بحق الجحيم؟' فكرت، وشعرت بأن قلبي يبدأ في الخفقان بقوة في صدري كأنه طائر محبوس.
هل ... هل أنا داخل تلك اللوحة اللعينة الآن؟ هل هذا هو
عالمها الداخلي؟
نظرت حولي بيأس، أبحث عن أي مخرج، أي باب، أي شيء قد يشير إلى أنني لست محاصرًا بشكل كامل في هذا المكان.
لم يكن هناك باب واضح يمكن رؤيته، فقط الجدران الأربعة المغطاة بورق الجدران الباهت، والنافذة الصغيرة التي كانت تطل على ... لا شيء.
مجرد ضباب رمادي كثيف لا نهاية له، كأن الغرفة تطفو في فراغ لا متناهي، أو في بحر من العدم الساكن.
رائع.
من فندق مسكون إلى غرفة نوم مسكونة داخل لوحة مسكونة في فندق مسكون.
حياتي تتحسن باستمرار، وتزداد منطقية مع كل دقيقة تمر في هذا العالم السخيف الذي لا يرحم.
فكرت بمرارة، وأنا أقف على قدمي المرتجفتين، وأشعر بالبرد يتسرب إلى عظامي رغم أن الهواء لم يكن باردًا بشكل خاص.
في الزاوية الأخرى من الغرفة، كان هناك مكتب خشبي صغير، وعليه بعض الكتب القديمة المغبرة ذات الأغلفة الجلدية المتشققة، والتي بدت وكأنها لم تفتح منذ قرون طويلة.
وبجانب الكتب، كانت هناك دمية من البورسلين، ذات شعر أشقر مجعد وعينين زجاجيتين فارغتين وزرقاوين.
تحدق في الفراغ أمامها بتعبير بريء ومقلق في نفس الوقت.
وعلى الحائط فوق المكتب، مثبتة بعناية ولكنها مائلة قليلاً، كانت هناك ... لوحة.
لوحة زيتية صغيرة، بإطار خشبي بسيط ومتهالك، ومغطاة بطبقة من الغبار الخفيف.
كانت تصور ... فتاة صغيرة، بشعر داكن مجعد، وعينين مغلقتين، ويدها الصغيرة تشير إلى الأعلى.
نفس الفتاة.
نفس اللوحة التي رأيتها في الرواق قبل أن تبتلعني نسختي المشوهة.
اللوحة التي كانت تبكي دمًا .. اللوحة التي أشارت إلي.
'اللعنة! اللعنة المزدوجة والثلاثية والرباعية!' شعرت بقشعريرة باردة وقوية تسري في عمودي الفقري، كأن يدًا جليدية قد لمستني.
إذن، هذا مؤكد.
أنا عالق داخل هذه اللوحة اللعينة.
ولكن لماذا؟
ماذا يفترض بي أن أفعل هنا لأخرج من هذا؟
هل يجب أن أحل لغزًا سخيفًا آخر؟ .. أم أن أقاتل شبحًا آخر أكثر رعبًا من سابقه؟
أم أنني سأبقى هنا إلى الأبد، وأتحول إلى مجرد ذكرى أخرى في هذا المكان.
في محاولة يائسة لفهم ما يحدث، ولإيجاد أي خيط يمكنني التشبث به في هذا البحر من الغموض والرعب.
فعلت مهارة [مخطط المهندس السردي] مرة أخرى، وأنا أركز بشدة، وأتجاهل الصداع الذي كان ينبض في رأسي.
أتمنى أن تقدم لي هذه المهارة اللعينة أي شيء مفيد هذه المرة، أي شيء يمكن أن ينقذني من هذا المصير.
اللوحة الزرقاء المألوفة ظهرت أمامي.
المعلومات بدأت تتشكل ببطء، كأن النظام نفسه يجد صعوبة في تحليل هذا الواقع الملتوي والمحصور داخل واقع آخر.
________________________________
[تحليل السرد النشط: مصعد بهو النسيان (رتبة E) - الطابق الحالي: معرض الأرواح النائمة - السرد الفرعي النشط: غرفة الذكرى (الفتاة ذات العينين المغلقتين)]
الوضع الحالي: أنت محاصر داخل "ذكرى متجسدة" مرتبطة باللوحة التي تفاعلت معها.
هذا المكان هو تمثيل رمزي، مشوه، ومجزأ لجزء من "روح" أو "قصة" أو "عالم داخلي" للفتاة الصغيرة التي رأيتها في اللوحة الأصلية في الرواق.
الهدف في هذا السرد الفرعي (محتمل وغير مؤكد): فهم الألم أو السر أو الرغبة غير المحققة لهذه الذكرى العالقة، وتحريرها أو تهدئتها أو إكمالها بطريقة ما.
تحقيق ذلك قد يؤدي إلى "فتح عين" الروح في اللوحة الأصلية في الرواق،.
آليات هذا العالم المرسوم (غامضة وتعتمد على الاستكشاف):
هذا العالم يستجيب لأفعالك، ملاحظاتك، نواياك، وربما حتى مشاعرك.
الأشياء قد تتغير بشكل غير متوقع، أو تظهر، أو تختفي بناءً على فهمك للذكرى وتفاعلك مع عناصرها المختلفة.
التهديدات المحتملة داخل هذه الذكرى (تحذير شديد):
"كوابيس الذكرى المتجسدة": إذا قمت بأفعال تعكر صفو الذكرى، أو تزيد من ألمها، أو تتعارض مع جوهرها الحقيقي الذي لا تعرفه بعد.
قد يتجسد هذا الألم أو الصراع أو الخوف كظواهر مرعبة ومباشرة، أو هلوسات قوية لا يمكنك التمييز بينها وبين الواقع، أو حتى ظهور كيانات مؤقتة ولكنها خطيرة، مرتبطة بالذكرى ومشاعرها المكبوتة (الخوف، الحزن، الغضب، اليأس، أو حتى ... الجوع).
"الضياع": الفشل في فهم الذكرى أو التفاعل معها بشكل صحيح لفترة طويلة، أو الاستسلام لليأس والجنون داخلها، قد يؤدي إلى أن تبدأ "ذاكرتك" أنت في التلاشي والتشوه،
أو أن تصبح جزءًا دائمًا من هذه الذكرى العالقة إلى الأبد، وتنسى في هذا العالم المرسوم، وتصبح مجرد شبح آخر، أو لوحة أخرى في المعرض اللانهائي.
تلميح إضافي(مكرر): "ما لا تراه قد يكون أكثر أهمية مما تراه."
________________________________
'رائع. يا له من شرح مفصل'، فكرت، وأنا أقرأ هذه المعلومات المقلقة التي لم تقدم لي أي حلول واضحة، بل زادت من قلقي وتوتري.
إذن أنا عالق في ذكرى حزينة لفتاة صغيرة، ويجب أن ألعب دور المحقق النفسي أو المعالج الروحي أو طارد الأرواح الشريرة.
وإلا … سأصبح جزءًا من أثاثها القديم والمغبر، أو ربما لوحة أخرى تبكي دمًا في ذلك الرواق الملعون الذي تركت فيه زملائي بها.
و"ما لا أراه" لا يزال هو المفتاح السحري لكل شيء.
يا لها من مهارة متعاونة ومفيدة بشكل لا يصدق.
ألا يمكنه فقط أن يعطيني رمز الغش لمرة واحدة، أو زر تخطي هذا المستوى المروع وأريح رأسي من هذا الهراء الذي لا ينتهي؟
نظرت حولي في الغرفة الصغيرة مرة أخرى، هذه المرة بعينين أكثر تركيزًا ويأسًا، أبحث عن أي شيء غير مرئي أو عن شخص يحتاج إلى من يستمع إليه
"……."
الدمية ذات العيون الزجاجية الفارغة التي بدت وكأنها تحدق في روحي وتعرف كل أسراري، اللوحات الأخرى على الجدران (التي كانت الآن فارغة تمامًا ومغطاة بالغبار)
كل شيء بدا عاديًا بشكل مقلق، كأنه مشهد تم تجميد زمنه.
ثم، لفت انتباهي شيء ما لم ألاحظه من قبل بسبب الظلام الخافت والارتباك الذي كنت فيه عندما استيقظت.
"هذا ؟!"
تحت السرير الصغير ذي الأعمدة الخشبية، والذي كان مغطى بملاءات بيضاء نقية بشكل مريب كأنها لم تستخدم قط، كان هناك صندوق خشبي قديمي
يبدو وكأنه صندوق كنوز صغير للأطفال، أو ربما صندوق لحفظ الذكريات الثمينة.
كان مغطى بطبقة سميكة من التراب والغبار الذي تراكم عبر السنين، ومغلق بقفل نحاسي صدئ وبسيط الشكل، ولكنه يبدو قويًا وعنيدًا.
'صندوق؟' فكرت، وشعرت بوخز خفيف من الفضول، ممزوجًا بذلك الشعور المألوف بالخطر.
هذا يبدو وكأنه شيء قد يحتوي على سر أو شيء مفقود أو ذكرى مهمة.
عادة ما تكون الأشياء المهمة في هذه القصص السخيفة مخبأة في صناديق قديمة ومغبرة ومقفلة بإحكام.
اقتربت بحذر شديد من السرير، وانحنيت لأتفحص الصندوق عن كثب، وأنا أستمع لأي صوت غريب قد يصدر من زوايا الغرفة المظلمة. كان الصندوق مغلقًا بإحكام.
حاولت فتحه، لكن القفل الصدئ لم يتزحزح قيد أنملة.
'بالطبع لن يكون الأمر بهذه السهولة اللعينة'، تنهدت داخليًا، وشعرت بالإحباط يبدأ في التسلل إلي مرة أخرى.
لا بد أن هناك مفتاحًا مخبأً في مكان ما في هذه الغرفة.
وبينما كنت أفكر في كيفية فتح هذا الصندوق اللعين، وأنا أبحث حولي في الغرفة المغبرة والمليئة بالظلال …
صوت... بكاء طفولي مكتوم، وحزين، ويائس، كأنه قادم من بئر عميقة من الألم.
"هغ ... إيغ ... هئ ... هئ ..."
بكاء؟
استدرت ببطء شديد، وعضلاتي متصلبة من التوتر، وقلبي يخفق في صدري
وعندما رأيت مصدر البكاء … تجمدت.
فتاة صغيرة، تجلس على حافة السرير، تبكي بصمت.
لم تكن شبحًا بالمعنى التقليدي، بل بدت حقيقية بشكل مقلق، ترتدي فستانًا أبيض قديمًا وتضم دمية دب ممزقة.
عيناها البنيتان الكبيرتان كانتا غارقتين في دموع لم تتوقف.
'طفلة ... تبكي'، شعور غريب بالضيق اعتصر صدري، شعور تجاوز الخوف أو الارتباك المعتاد.
"م ... مرحبًا؟" حاولت أن أتكلم دون إخافتها، ولكن صوتي
خرج أجشًا ومترددًا.
"همم …"
رفعت رأسها ببطء، ومسحت دموعها بكم فستانها.
نظرت إلي، وفي عينيها حزن عميق وفراغ غريب.
"لماذا ... تبدو حزينًا جدًا أنت أيضًا سيدي؟" همست بصوت خافت، للغاية.
'ها ؟' فاجأني سؤالها.
"لا أعرف،" قلت بوضوح.
"ربما لأن هذا المكان ... ليس مكانًا سعيدًا لأي أحد."
اقتربت خطوة بحذر. "أنا آدم. وأنتي ... هل لديك اسم؟"
نظرت إلى دمية الدب في حجرها، ثم إلي مرة أخرى.
"اسمي ... ليليا،" قالت بصوت بالكاد يسمع.
إنها خجولة.
"اسم جميل، ليليا،" قلت بابتسامة باهتة حاولت أن أجعلها ودودة.
يجب أن أتصرف كشخص طبيعي، حتى لو كان الموقف أبعد ما يكون عن الطبيعي.
"لماذا تبكين، ليليا؟ .. هل هناك شيء يزعجك؟"
هزت رأسها ببطء، ودموع جديدة بدأت تتجمع في عينيها.
"أنا ... أنا وحيدة .. ودائمًا أشعر بالبرد هنا."
'وحيدة ... وباردة'، الكلمات لامست شيئًا في داخلي.
حتى وإن كانت نوع من الاشباح او كائن ما … لم تكن مشاعرها كاذبة بالتأكيد.
جلست على الأرضية الخشبية الباردة، على بعد مسافة قصيرة منها، محاولًا ألا أخيفها.
"أنا أيضًا أشعر بالوحدة أحيانًا، يا ليليا .. هذا المكان ... ليس ودودًا جدًا."
نظرت إلي بفضول طفولي، وتوقفت دموعها للحظة.
"هل ... هل أنت خائف أيضًا؟"
'خائف؟ أنا مرعوب حد النخاع، يا صغيرتي'، أردت أن أقول.
لكني قلت عكسها.
"قليلاً .. ولكن عندما يكون هناك شخص آخر معك، يصبح الخوف أقل ... أليس كذلك؟"
أومأت برأسها ببطء، كأنها تفكر في كلامي.
"لماذا أنا هنا، ليليا؟" سألت بهدوء، وأنا أنظر إلى الصندوق الخشبي القديم الذي كان لا يزال تحت السرير، والذي تجاهلته هي تمامًا.
"لماذا ابتلعتني تلك اللوحة؟"
رفعت ليليا كتفيها الصغيرين.
"لا أعرف ... أنت فقط ... بدوت مختلفًا."
انا؟ مختلف؟
أغمضت عينيها قليلًا ثم أكملت بحزن.
"عندما نظرت إلى في ذلك الرواق المظلم ... لم يكن هناك خوف فقط في عينيك، كما في عيون الآخرين." توقفت، وأمالت رأسها قليلاً، كأنها تحاول تذكر شيء مهم.
"كان هناك ... شيء آخر .. شيء يشبهني."
يشبهها .. ماذا يعني ذالك؟
ثم، وببراءة طفولية مؤلمة، قالت.
"لديك نفس النظرة الوحيدة التي أراها في المرآة كل يوم عندما أكون هنا بمفردي، أنتظر شيئًا لا يأتي أبدًا."
بعد تفكير قصير سألت سؤال غير وتوقع.
"أنت بحاجة لصديق، صحيح؟ .. تمامًا مثلي."
الكلمات ... سقطت علي كأنها وابل من الشظايا الجليدية.
'مالذي تهذي به هذه الطفلة؟'
نظرت إلى ليليا، إلى فستانها الأبيض البسيط، إلى دميتها الممزقة، إلى دموعها التي بدأت تتجمع مرة أخرى. لم تعد تبدو مجرد لغز يجب حله، أو كيان يجب التعامل معه.
بدت فقط ... طفلة حزينة ووحيدة، عالقة في كابوس لا تستطيع الاستيقاظ منه.
وبدافع لم أفهمه تمامًا، أرخيت حذري، مددت يدي ببطء نحوها، ليس لألمسها، بل كإشارة … كدعوة.
"ربما ... ربما يمكننا أن نكون صديقين، يا ليليا،" قلت بصوت كان أكثر دفئًا وصدقًا مما توقعت.
"ولو فقط ... حتى نجد طريقة للخروج من هذا المكان المظلم معًا."
نظرت ليليا إلى يدي الممدودة، ثم إلى وجهي، وفي عينيها كان هناك مزيج من التردد، والخوف.
وبصيص صغير جدًا من … الأمل.
كأنها ترى الشهب لأول مرة.