1 - طريق السيادة يبدأ بتعثر

عند تلٍّ معزول، حيث تعصف الرياح العاتية وتتشابك أصداؤها في الفراغ، وقف رجلٌ وحيد.

رداؤه الأسود الطويل ينساب حتى كعبيه، وملامحه باردة كالنصل، وجهه صافٍ وحادّ، يتطاير شعره الداكن حول عينيه، شلالًا قصيرًا ينحدر حتى رقبته، يخترقه ضوء القمر المتكسّر بين الخصلات.

كان صامتًا، يراقب من بعيد، عيناه لا ترمش، ونظراته تنغرز في قرية قريبة، قرية كانت يومًا خضراء مشرقة… وصارت الآن رمادًا يقطر دمًا.

الخضرة تحوّلت قرمزيّة، والشروق صار وجهًا أسود مشوَّهًا. المباني المزهرة انهارت تحت وطأة الحريق، والنيران تلهب المكان بوهجٍ أحمر مسعور، بينما وحوشٌ كاسرة تنهش الجثث وتلتهم الرجال والنساء والأطفال بلا تفرقة، بلا إذن، بلا رحمة.

منظر مزلزل، مشهد مروع لا يمكن أن يشاهدها انسان وليس حتى تحملها... سوى رجلٍ واحد.

زفر الغريب فوق التل أخيرًا.

زفرة باردة، مشوبة برضا غامض، وهو يتأمل الخراب.

شيئًا فشيئًا خمدت الأصوات: لا صرخات بشر، لا عواء وحوش، لم يبقَ سوى صفير الرياح يلهب ألسنة النار ويجلد ما تبقى من الأجساد.

السكون المميت حلّ مكان الفوضى، كأن الموت نفسه بسط يده.

تحرّك الرجل أخيرًا.

خطا من على التل، وقف لحظةً أخيرة يتأمل القرية، ثم أدار ظهره ومضى، يعبر العشب الطويل ويخترق ظلّ الأشجار الشاهقة.

ومع كل خطوة تلاشى صدى الخراب من خلفه حتى ابتلعته العتمة.

لم يبقَ في هذا الليل سوى القمر يلمع ببرود فوقه.

عندها دندن بصوتٍ منخفض، كأنّه يغني لنفسه:

"هاه… هذا العشب… يذكرني بتلك الليلة."

تجعدت شفتيه للأعلى قليلا، بينما يصعد اول درجة في طريق السيادة الحقيقية... طريق القز.

ومع بزوغ الغسق، ارتسم أمام عينيه مشهد جديد:

أسوار شاهقة ومهيبة ترتفع في الأفق، مدينة عظيمة يلفّها الغموض.

[مدينة المغامرين].

---

بفضل وصوله المبكر، لم يكن أمام الرجل في الطابور سوى بضعة مغامرين أنهوا مهمتهم للتو.

كانت رائحة الدم تفوح منهم كمسافرين اغتسلوا بدمٍ لا بماء صيدهم، وضحكاتهم العالية تكسر الهدوء الذي كان يرافق خطوات الغريب.

لم يعرهم اهتماماً طويلاً، لكنه شعر بلأنقباض يزحف إلى صدره من ضجيجهم.

حين انتهوا من التفتيش، حان دوره. تقدم بخطوات واثقة حتى وقف أمام باب خشبي عملاق حوافه من الحديد وهناك فتحة مستطيلة الشكل في الجانب الأيسر من الباب.

كان هناك زوج عيون ينظر للرجل الواقف امام الباب...

عيون ضابط التفتيش.

أشار الضابط لتابعه بكسل:

"انتهِ منه بسرعة."

فتح الباب الخشبي العملاق، ودخل الغريب إلى غرفة استقبال تعجّ بالفوضى.

الأرضية الخشبية تصدر صريرًا مع كل خطوة، والهواء محمّل برائحة طعام بارد ممزوج بآثار دمٍ يابس.

على يمينه جلس المفتش المسؤول، يلف جسده معطف رمادي طويل من التويد، وقبعته المائلة تغطي معظم وجهه.

لم يظهر سوى عينٍ واحدة، باردة، خاطفة، ألقت نظرة سريعة على القادم.

ما رآه كان رجلًا طويل القامة، غريب الثياب، تفوح منه ريبة غير مفسّرة.

عدّل المفتش جلسته وسأل بجمود:

"اسمك؟"

أجاب الرجل ببرود:

"كارسو."

فرك المفتش ذقنه وهمهم:

"اسم غريب… وما سبب دخولك المدينة؟"

تجعد حاجب كارسو للحظة؛ ليس من المعتاد أن يُسأل مغامر عن سبب دخوله. لكنه أجاب بلا تردد:

"قيل إن مدينة المغامرين تحمل اسمها لأنها تفتح أبوابها للجميع. أنا واحد منهم، ببساطة."

أطرق المفتش برهة وهو يتأمل الجواب، ثم انزلقت عينه للحظة نحو آثار الأقدام الموحلة التي تركها الرجل عند المدخل.

خطر في ذهنه:

"إجابة جاهزة ومصقولة... وآثار أقدامه.. تبدو معكوسة؟ كأنه دخل وهو يسير إلى الخلف؟"

​هز المفتش رأسه لطرد الفكرة السخيفة. مجرد وغد آخر يحب لفت الانتباه بحيل غريبة.

لم يُبدِ شكوكه، واكتفى بالإشارة لتابعه:

"براند، فتّشه."

خطا كارسو نحو الحائط الأبيض، خلع معطفه بهدوء، وأسند ظهره بانتظار ما سيحدث.

اقترب براند حتى صار بينهما متر واحد، ثم مد كفه نحوه وهمس:

"قز الكشف."

بدأت راحة يده تنبض كقلب صغير، تشققت الطبقة الجلدية فجأة لينبثق منها شكل بيضاوي غريب يتوسطه خط أسود رقيق.

وفجأة، انقسم الخط كجفنٍ يتمزق ليكشف عن حقيقته: عين شيطانية. قزحية سوداء يطوقها بياض رمادي مائل للعفن، وعروق حمراء تخفق ببطء كأنها كائن مستقل.

​رمشت الجفون الممزقة مرتين ثم ثبتت بصرها على كارسو، غامرةً إياه بشعور قاسٍ، كأنها تجرده من جلده وتفتش ما وراء العظام.

ظل كارسو ثابت الملامح، كأن المشهد مألوف تمامًا. بعد ثوانٍ، تجعدت العين ثم غاصت في كف براند عائدةً إلى مكانها كأنها لم تكن. خفض ذراعه وقال بفتور:

"لا يحمل شيئًا خطيرًا… باستثناء هذا."

وأشار إلى السيف المستند بجانب معطف كارسو.

فهم المفتش المعنى فورًا وقال وهو يمد يده:

"أعطني السيف وتفضل بالدخول."

نظر كارسو بجدية في عيون المفتش، بدت عيناه كمفترس غاضب.

تبادلت عينا المفتش وتابعه نظرة سريعة، قبل أن يظنا أنه أحمق أو متحامق. تقاسيم وجه كارسو بدأت تتجه نحو العبوس، ثم قال ببرود يقطر تهديدًا:

"لا أذكر أن هناك قانونًا يمنعني من دخول المدينة بسيفي."

زمجر المفتش منزعجاً:

"يا لوقاحتك! لم تدفع بعد… وتريد أن تحتفظ بسيفك؟!"

​سكن المفتش ببطء، ونقرت أصابعه على النصل المستولى عليه باستخفافٍ جعل المعدن يطنّ خافتاً.

"في هذه المدينة، القوة هي القانون.. وهذا السيف الآن دليلٌ على قوتي.."

صمت برهة، ثم أمال رأسه لينظر إلى كارسو بفوقية مسمومة وأكمل: "..وضَعفك".

رفع السيف حتى حاذى عينيه، متأملاً انعكاس ملامحه الباردة على النصل، ثم أردف: "ربما لو توسلت بشكل أفضل.."

لم يكمل جملته.

لم تكن حركة، بل إزاحة. اختفاء من مكان وظهور في آخر.

شعر المفتش ببرودة مفاجئة، ثم بدفء سائل يسيل على وجهه.

رأى ذراع كارسو قد عادت إلى جانبه، وسيفه يقطر دمًا في يده.

حاول أن يسأل "كيف؟" لكن فكه الأسفل انفصل عن وجهه وسقط على صدره. لم يكن هناك صراخ، مجرد صوت ارتطام لحم وعظم على الخشب.

التفت براند، التابع، ليجد خطًا عموديًا أحمر رقيقًا قد ظهر على قائده من رأسه حتى وسطه. ثم، وكأن خيطًا غير مرئي قد قُطع، انزلق نصفا الجسد عن بعضهما ببطء وسقطا على الأرض برطمة ثقيلة.

اتسعت عينا براند رعبًا وهو يمد يده نحو سيفه، لكن يده توقفت في منتصف الطريق. نظر إلى صدره، ليجد نصل سيف كارسو قد اخترقه بالفعل. لم يشعر بالألم، فقط بالدهشة.

همس برناد بضعف والدم يتفق من صدره وفمه:

"م..من أنت؟ ق قتل.. سيد قز بلحظات..."

سقط التابع، جثة هامدة.

ساد الصمت لبرهة.

اقترب كارسو من جثة المفتش الملقاة على الأرض، وانحنى ليضع كفه على صدر المفتش. همس بكلمتين كانتا أشبه بذبذبة منخفضة منها بصوت:

"قز الصخر."

​من نقطة التلامس، بدأ التآكل.

انتشر اللون الرمادي الباهت على الجلد كصبغة مميتة، متصدعًا كطين جاف.

صدر صوت طقطقة وحشي، صوت العظام وهي تتكلس وتتحجر تحت لمسته.

امتد التأثير كعدوى صامتة إلى الجثة الثانية، وفي غضون ثوانٍ، تحول الرجلان إلى تمثالين بشعين من الصخر الرمادي، متجمدين في لحظة موتهما المروعة.

​ثم، بدون سابق إنذار، بدأ التمثالان بالتحلل.

تفككا من الأعلى إلى الأسفل، وانهارا على نفسيهما كقلاع رملية يضربها الموج.لم يتبقَ منهما سوى كومتي غبار معدني كثيف على الأرض.

​مسح كارسو يده في معطف المفتش المرمي أرضًا، ثم التقط محفظة كُلاً من المفتش ومساعده.

تقنية "التحلل الصخري"، إحدى تقنيات "قز الصخر" التي لا يتقنها سوى سيد قز من المستوى الرابع فما فوق، تقنية عالية المستوى كهذه استهلكت ثلثي طاقة كارسة بلفعل.

​انحنى ليلتقط حذاءه الذي خلعه قبل دخوله، ارتداه بهدوء، ثم خطا فوق غبار الجثث نحو قلب مدينة المغامرين.

2026/02/20 · 5 مشاهدة · 1087 كلمة
R.omar
نادي الروايات - 2026