دخل كارسو المدينة بخطواتٍ هادئة، كأنّ الأرض نفسها تتثاقل تحت وطأة الدماء العالقة بثيابه وسيفه. كان الظلام ينسدل على الأزقّة كسِتارٍ خافت، بينما مصابيح الزيت تنزف ضوءًا مرتجفًا يلمع فوق الحجارة الرطبة.
رائحة الدخان ما زالت تلتصق بمعطفه، تختلط بعبق الحديد الصدئ الخارج من نصله، كأنّ الماضي يرفض أن يُغسل عنه.
توقف عند منعطفٍ ضيّق، ألقى نظرة على الوجوه العابرة — مغامرون متعبون، تجّار يسحبون عرباتهم، أطفال ينامون قرب الأرصفة.
مرّ كارسو بهذه المدينة من قبل، لكنه لم يحتفظ من ملامحها سوى بشيء غامض: خريطة ضبابيّة في ذهنه، أطراف أنهارٍ لم تعد في مكانها، وحمّامات بخارٍ نسي طريقها.
ومع بزوغ خيوط الشمس الأولى، بدأ برد الفجر يتبدد ببطئ ليفسح المجال لدفئ الشمس.
اكمل كارسو سيره حتى وقعت عيناه على الفرقة ذاتها التي سبق أن رآها عند البوابة.
كانت وجوههم مشرقة بالرضا، يضحكون كمن عاد من مأدبة، لا من ساحة ذبح. ومع ذلك، لم تُخفِ ضحكاتهم ما التصق بملابسهم من دمٍ غليظٍ لم يجفّ بعد.
راقبهم كارسو من بعيد بعينٍ نصف مغمضة.
من نوع القماش الذي يرتدونه، ومن الخناجر الرخيصة المعلقة على أحزمتهم، استنتج أنهم من الطبقة الدنيا للمغامرين، وأنهم حتمًا سيتوجهون إلى نهرٍ عموميّ لا إلى الحمّامات الخاصة.
لم يفكر كثيرًا — اكتفى بأن تبعهم بصمتٍ كظلٍّ ثقيلٍ يمر بين الحشود.
سرعان ما انفتح الطريق أمامه على مجرى نهرٍ ضيّق يمرّ خلف المنازل القديمة، تحيط به نباتات ناعسة تتمايل مع النسيم.
هناك توقّفت الفرقة، وبدأت أصوات الماء تتعالى بضحكاتٍ نسائيةٍ متقطّعة.
اخذ كارسو موقعاً بين الشجيرات الكثيفة، متكئاً على ساقيه، بثبات الصيّاد الذي ينتظر اللحظة، حتى تنفسه أخفاه، فجعل منه خيطاً رفيعاً من الهواء لا يكاد يصل إلى رئتيه.
طال الانتظار أكثر مما قدر — كانت عضوتان من الفرقة قد بدأتا الاستحمام، والماء يتناثر من حولهما .
كانوا خمسة مغامرين، مزيجًا كليشيهيًا لأي فرقة تراها في أطراف المدن.
في المقدمة، رجل ضخم البنية، داكن البشرة، وجسده كصخرة تتحرك على قدمين. سيفه أعرض من ساعديه، وصوته أشبه بقرع الطبول حين يضحك. إلى جانبه رجل نحيل طويل الشعر، وجهه يفيض ثقة، يحمل قوسًا مزخرفًا أكثر مما يحتمل.
أما الثالث، فقصير ، شعره أشقر كالقشّ عيناه تلمعان بدهاء التجار لا المغامرين، يحمل خنجرين ويتحدث كثيرًا.
أما المرأتان، فإحداهما صاحبة شعر كستنائيّ قصير وعينين رماديتين، ملامحها حادة وهادئة. والثانية كانت أصغر سنًا، بشعر أسود داكن وعينين بلون العسل، أكثر حياة وبراءة، تبدو عليها صراحة العفوية التي لا تليق بساحات القتال.
جلس الرجال الثلاثة خلف صخرة ضخمة تحجب النهر، يتهامسون ويمزحون بعد أن أنهوا استحمامهم، بينما نزلت الفتاتان إلى الماء بضحكاتٍ خافتة. كانت الصخرة تفصل الجنسين حمايةً للحياء أكثر من أي شيء آخر، لكنّ ما حجبوه عن رفاقهم لم يُخفَ عن عينٍ أخرى…
ولمّا قيّم كارسو الموقف من بين الشجيرات، حدد اعلى شجرة من مكانه، فتحرك بانسيابية الدخان في عتمة الليل، حتى استقر على غصنٍ متينٍ يطل على المشهد كله.
من هناك، جلس كارسو بصمتٍ مطلق. سيفه يستند إلى كتفه، وعيناه السوداوتين تتابعان النسوة من خلف الأغصان المتشابكة، لم تكن في نظراته رغبة ولا فضول؛ كانت برودًا صافياً"
غير أنّه، في لحظةٍ ما، سكنت أفكاره.
للحظة واحدة، توقّف عقله عن التحليل العام، وثبّت نظره على الفتاة.
عبرت ومضةٌ باردة في عينيه، أسرع من أن تُلتقط، كأن شيئًا كسر رتابة المشهد أمامه.
"ماذا؟…" همس في نفسه، نبرته الجامدة اشتدت.
"انها… قرويّة؟ ومن العامة أيضًا؟ كيف لاحظت وجودي وأنا أخفيه بالكامل؟"
ظلّ محدقًا للحظةٍ أطول في الفتاة ذات الشعر الأسود — “لينا” كما ناداها رفاقها — وهي تلتفت فجأة نحو الأشجار وتقول بصوتٍ مرتفعٍ حادّ:
"أيها الحمقى، لا تختلسوا النظر!"
ساد الصمت للحظة، ثم ارتبك الرجال الثلاثة خلف الصخرة، وتبادلوا النظرات المتفاجئة. لم يكن أحدهم يحاول النظر أصلًا، بل كانوا يتحدثون عن الغنائم والحمّام الساخن. ومع ذلك، قالتها بنبرة قاطعة واثقة كعادتها.
قال الأشقر متلعثمًا:
"لينا… نحن لم ننظر! أقسم أن—"
قاطعه الطويل الشعر ضاحكًا بخفوت:
"غريب… عادةً هي التي تبرّئنا أمام الأخريات. حدسها لا يخطئ أبدًا."
أضاف القصير وهو يهمس:
"ربما اصابتها في المعركة الأخيرة… أو تخيّلت شيئًا."
أما كارسو، فبقي صامتًا فوق غصنه العالي. بروده المعتاد لم يتغير، لكن عينيه لم تعد تتابع المشهد... بل أصبحت تتابعها هي تحديدًا.
"حتى لو كانت من فئة قز المستكشفين… لا يمكنها الإحساس بي. لا يمكن. أنا أُخفي وجودي حتى عن أولئك النوع."
فكر بذلك، لكن بقي في ذهنه أثرٌ خافتٌ من الفضول. ليس رغبة ملحة، بل مجرد إحساسٍ بأن هناك شيئًا لا يتطابق مع حساباته.
وأخيرًا، بعد أن ابتعدت الفرقة تمامًا واختفى وقع أقدامهم خلف الأشجار، نزل كارسو من الجذع.
تقدم بثبات،اتجه نحو النهر القريب، وهناك، عند الضفة، جثا بهدوء. بدأ يزيل عن جسده ما تبقى من دماء الآخرين ببرودٍ قاسي. الماء، الذي صبغته الشمس بلون أحمر خافت، لامس جسده ببرودةٍ لطيفة.
كانت الشمس تشرق ببطء خلف الأشجار، والهواء يحمل رمقًا أخيرًا من البرد قبل أن يبتلعه حرارة الظهر. خلع سترته، وغسلها بعناية، بينما نظراته معلقة بانعكاس وجهه الممزق بين الضوء والظل.
"من الجيد استرخاء العضلات. لكن ماذا عن جوفي؟ يجب ان اجد مكان للأقامة لأشحنه." تمتم بصوت بالكاد يُسمع.
حين أنهى تنظيفه، وقف وسار بخطوات متزنة نحو المدينة.
الأزقة ضاقت بالناس الذين يتهامسون بفضول، يتحدثون عن اختفاء ضابط التفتيش ومساعده بلا أثر. الهمسات كانت كثيرة، لكن أكثر ما أثار انتباهه هو نبرة التوجس في أصواتهم… كأنّ شيئًا أعظم من القتل قد حدث.
كان يسمع بعض العبارات تتكرر:
" لا بد أنه فرّ خارج المدينة..."
«الحرس يفتشون البوابات... لن يفلت أحد هذه المرة...»
نظر كارسو، نظرو باردة لا تحمل فرحًا ولا ندمًا، وقال في نفسه:
"انها لسخرية مدهشة... نظامهم القمعي عدل عقولهم. وبرمجهم على توقّع الخيانة والفرار، لدرجة أنهم عاجزون تمامًا عن رؤية القاتل وهو أمامهم."
"حتى كبارهم... الغرور اعماهم."
تابع كارسو سيره عبر الطريق المرصوف بالحجارة حتى اقترب من أحد النُّزل الصغيرة.
في طريقه، جذب انتباهه رجل قصير القامة، متورم الجسد، تتمايل شحومه مع كل خطوة، وقطرات العرق تنحدر من جبينه. كان يأكل قطعة لحم مشوي بين يديه الغليظتين، وخلفه حرس ثلاثة يحاولون مسايرته بصعوبة.
ضحك بصوت عالٍ، وكانت ضحكته صاخبة لدرجة نفرت منها المارة.
"هاهاها، مجددا؟ لم يمر هذه المرة حتى سنة وفروا! هاههاها"
أما كارسو، فاكتفى بنظرة واحدة إليه، طويلة، هادئة، ثم تابع سيره بخطواته الساكنة نحو النُّزل، وكأن هذا المشهد كله لم يكن سوى تفصيلة عابرة في لوحة كبيرة لا يراها سواه.