كانت المدينة بدأت بالازدحام في هذا الوقت، والهواء يحمل رائحة الفحم المشتعل من الأكشاك الصغيرة الممتدة على طول الطريق.
خطا كارسو بخطواتٍ ثابتة بين الحشود حتى وصل إلى نُزلٍ قديمٍ نصف مطليّ، فوق بابه لافتة خشبية باهتة كُتب عليها:
[نزل السنبلة]
دفع الباب، فاستقبله رجلٌ عجوز يجلس خلف الطاولة الخشبية، يكتب في دفترٍ بيدٍ مرتجفة، ويرفع نظره ببطء نحو القادم الغريب.
قال بصوتٍ خافتٍ متعب:
"غرفة لليلة واحدة أم أكثر؟"
ردّ كارسو وهو يضع كيسًا صغيرًا من النقود فوق الطاولة:
"ثلاث ليالي. غرفة هادئة، ونافذة صغيرة."
تأمل العجوز الكيس للحظة قبل أن يومئ برأسه، ثم قال:
"ستكون في الطابق العلوي، الغرفة السابعة. خمسةً وثلاثين قطعة فضية لليالي، ويشمل ذلك العشاء."
أخذ كارسو المفتاح دون أن يجادل في السعر، واكتفى بنظرةٍ سريعة إلى الدرج الخشبي المائل.
قال العجوز وهو يعود لتدوين شيءٍ في دفاتره:
"إن احتجت شيئًا، أبلغ النادلة <سيلفا>. إنها تعرف كيف تُرضي الزبائن…"
لكن كارسو لم يُجِب، بل صعد بخطواتٍ باردة نحو الطابق العلوي، تاركًا وراءه الصمت يعود ببطءٍ إلى المكان.
---
الغرفة التي أخذها كانت صغيرة، ذات نافذةٍ وحيدة تطل على حقلٍ واسعٍ يمتدّ حتى الأفق.
ألقى حقيبته قرب السرير، ثم جلس للحظةٍ يراقب الغبار الذي يرقص مع خيوط الضوء المائل من الغرب.
لم يكن المكان فاخرًا رغم ثمنه، لكنه يمتلك ما يكفي من العزلة — وهذا تحديدًا ما يريده.
تمدّد أخيرًا على الفراش، وترك أنفاسه تنساق ببطءٍ مع جو المدينة الحار الذي تسلل من النافذة.
شيئًا فشيئًا، أغمض عينيه، وغرق في نومٍ خفيفٍ لا يحمل أحلامًا ولا كوابيس… فقط فراغًا يشبهه.
---
حين فتح عينيه من جديد، كان الأفق قد تلون بلون النار الغاربة.
تناهت إلى سمعه خطوات خفيفة تقترب من الباب، فتصلبت أصابعه فورًا على مقبض سيفه الموضوع قرب الفراش.
ثم جاء الطرق، هادئًا ومنتظمًا.
"سيدي… حان وقت الغذاء."
نهض كارسو بهدوء، فتح الباب قليلًا، فظهرت أمامه فتاة بشَعرٍ ذهبيٍّ لامع وعيونٍ زرقاء تلمع في نور الشمس، تحمل صينيةً عليها الخبز واللحم المطهو.
قالت بنبرةٍ مهذبة:
"هل أضعها لك على الطاولة؟"
أجابها ببرودٍ وهو يأخذ الصينية بيده:
"لا حاجة"
وأغلق الباب بهدوء قبل أن تُكمل جملتها.
وقفت الفتاة لحظة تحدّق في الباب المغلق، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة قصيرة تخفي اندهاشها.
همست لنفسها وهي تدير ظهرها:
"غريب… لم ينظر إليّ حتى."
ثم تابعت طريقها في الممر بصمت.
---
جلس كارسو على الطاولة الخشبية، يتفحّص الطعام ببرودٍ منهجي.
اختبر الرائحة، حرّك اللحم بطرفِ المعلقة الخشبية، ثم بدأ يأكل بهدوءٍ بعد أن تأكد من خلوه من السم.
لم يكن الجوع ما يدفعه للأكل، بل الانضباط.
فحتى هذه التفاصيل الصغيرة، بالنسبة له، جزء من نظامٍ لا يُكسر.
بعد أن فرغ، أخرج من حقيبته دفترًا جلديًّا أسود، وفتحه على صفحةٍ مليئةٍ بأسماءٍ مرسومة بخطٍ ضيقٍ ومنتظم.
جلس كظلٍّ صامت وسط عاصفةٍ من الحسابات، والقلم يتحرك بثباتٍ على الورق.
"مخطوطات النبلاء... متطلبات الحضور ..."
تمتم بصوتٍ خافتٍ كأنّه يُعيد رسم مسار جريمةٍ لم تقع بعد.
انعكاس الضوء على وجهه جعل نصفه في الظلام، ونصفه الآخر في وهجٍ باهت.
رفع رأسه ببطء، وهمس ببرودٍ حادّ:
"البطاقة... بطاقة الدعوة. ستكون مُفتاحي لدخول القلعة."
أغلق الدفتر بدقةٍ متناهية، ووضع القلم في موضعه، ثم وقف عند النافذة يتأمل الحقل المظلم الذي تراقصت فوقه أنوار اليراعات.
وفي البعيد، كانت الرياح تعصف بين الأشجار كأنها تهمس بإنذارٍ خافت...
إنذارٍ لا يسمعه سوى أولئك الذين اعتادوا السير فوق حافة الخطر.
زفر كارسو، وأدار رأسه نحو السرير الملتصق بالجدار.
جلس في منتصفه، طاويًا ساقيه بإحكام، ضاغطًا كل قدمٍ على فخذها المقابل، كأنه يغلق قفلاً من حديد على جسده.
أغلق عينيه ببطء، وبدأ بسحب خيوط الطاقة مع كل شهيقٍ طويل.
شعر بالثقل المألوف يتكوّر تحت قلبه، في رأس معدته تمامًا... حيث تكمن قوته.
<الجوف>
زفر كارسو ببطء، وأغلق عينيه.
الهواء الذي دخل صدره لم يخرج كما دخل؛ كان أبرد، أثقل، كأنه مرّ عبر معدنٍ دفين تحت جلده.
بدأت البرودة تتكاثف في صدره أولًا، ثم تهبط رويدًا نحو فم معدته، حتى استقرّت هناك كجمرٍ مقلوبٍ يبتلع الدفء بدل أن يمنحه.
كل شهيقٍ كان يسحب شيئًا من ضوء الغرفة، وكل زفيرٍ يطفئ صوتًا في داخله.
النبض الذي يسمعه لم يعد قلبه؛ بل إيقاعٌ آخر، أبطأ، يطرق من الداخل كما لو أنّ شيئًا يستيقظ بعد سباتٍ طويل.
كانت يداه تتصلّبان فوق فخذيه، أنامله تترنّح ببطءٍ مع تدفق الطاقة.
لم يكن هناك وهج، بل صمتٌ كثيف، تملؤه تلك البرودة المتناهية التي تبتلع الإحساس بالحياة.
ومن أعماق ذلك السكون، بدأ الجوف يتكوّن.
لم يكن شيئًا يُرى. كان أشبه بثقبٍ يفتح نفسه تحت القلب، فراغٍ له شكل النبض لا المادة.
كلّما ازداد عمقًا، بدأ الجسد يخفّ، وكأن لحم كارسو يُسحب من داخله بخيوطٍ دقيقةٍ غير مرئية.
لم يعد يميّز إن كان يتنفّس أم لا.
في تلك اللحظة، خُيّل إليه أن شيئًا في الأعماق يفتح عينيه.
صوتٌ كالهسهسة الخافتة يمرّ في العروق، ثم سكونٌ مطلق.
القزّ… ذلك السجين الصامت، استدار ببطءٍ داخل سجنه ونظر إليه.
تجمّعت في الجوف مادة رمادية شفّافة، ليست دمًا ولا روحًا. كانت الإرادة وقد صارت سائلة.
حين امتلأ الفراغ بها، أحسّ بثقلٍ مميتٍ يضغط معدته، كأن شيئًا يحاول اختراق صدره من الداخل.
تدفّقت البرودة إلى أطرافه، إلى أصابعه، حتى شعر بأن العالم كله انكمش إلى نقطةٍ صغيرةٍ تتنفّس بين ضلوعه.
ثم… توقف كل شيء.
سكونٌ كثيف، لا هو نوم ولا وعي.
لحظةٌ قصيرة بدت كأنها أبدية.
الجوف اكتمل شحنه — والمخلوق النائم في أعماقه عاد إلى سباته، مطيعًا، لكنه حيّ.
فتح كارسو عينيه ببطء، ليرى البخار الخافت يتصاعد من جلده كأثرٍ من طاقةٍ بردت أكثر مما ينبغي.
الهواء في الغرفة تغيّر؛ صار بارداً بشكلٍ غير متناسق، كأن شيئًا سرق منَ الغرفة حرارتها.
وفي تلك اللحظة — طرق الباب.
تك~تك
طرق الباب مرة أخرى.
تك~تك
لم يجب.
لم يكن من السهل العودة من ذلك السكون. احتاج إلى ثانيتين ليستعيد ما يعنيه أن يكون حاضرًا هنا، في هذا الجسد، في هذه الغرفة.
ثم قال بهدوءٍ متعب:
"ادخل."
انفتح الباب ببطء، وتدفقت منه رائحة الطعام الساخن، تتلوها أنفاسٌ بشريةٌ مضطربة.
كانت "سيلفا" تحمل صينيةً كبيرة، لكنها توقفت عند العتبة دون أن تدري لماذا.
الهواء في الغرفة كان غريبًا — ليس بارداً فحسب، بل خامداً، كأن الحرارة لم تتواجد هنا أصلًا.
ارتجفت أصابعها حول المقبض المعدني، وشعرت بوخزٍ طفيفٍ في جلدها، كما لو أن شيئًا غير مرئي يلامسها من الداخل.
قالت بصوتٍ خافتٍ متردّد:
"سيدي… الطعام."
لم يرفع كارسو رأسه في البداية. كان جالسًا كما ترك نفسه، ساكنًا تمامًا، نظراته مطفأة لكنها عميقة كقاع بئرٍ غارقٍ في الظلال. رفع عينيه أخيرًا، والتقت عيناها بشيءٍ لم تفهمه:
لا شرّ فيه، ولا طيبة… فقط غربة مطلقة.
كأن النظر إليه يعني أن تدرك فجأة كم أنت هشّ، كم أن هذا المكان لا يعترف بحرارة الجسد.
وضعت سلفا الصينية على الطاولة أمامه، لكن الصحون بدأت تبخر بخارًا رماديًا خفيفًا بدل الأبيض المعتاد، كما لو أن الهواء نفسه يرفض التفاعل مع الدفء.
التفتت نحوه مجددًا، وقالت بتوترٍ حاولت إخفاءه بابتسامةٍ صغيرة:
"هل أفتح النافذة؟ يبدو أن الجو خانق قليلاً."
أجاب دون أن ينظر إليها:
"انها مفتوحة."
كلماته خرجت باردة، غير موجّهة، لكنها كافية لتجعلها تصمت.
تراجعت خطوةً إلى الوراء، ولم تدرك أنها كانت تحبس أنفاسها منذ لحظة دخولها.
حين أغلقت الباب خلفها، شعرت بأن الهواء خارج الغرفة عاد يتحرك أخيرًا، كما لو أنها أفلتت من تحت الماء.
أما في الداخل، ظلّ كارسو جالسًا يحدّق في الطعام دون أن يلمسه.
كان الجوف لا يزال ينبض، ببطءٍ غامضٍ، تحت قلبه.
نبضٌ خافت، يشبه تذكيرًا مستمرًا بأن ما يسكنه هو كائن حي يأكل ويعيش.
أخيرًا مدَّ كارسو يده نحو صحن الحساء، وسحبه ببطءٍ إلى شفتيه.
تأمل الوجبة أمامه بنظرةٍ خاليةٍ من الشهية؛ قطعتان من الخبز الخشن، صحنُ مرقةٍ فقد حرارته، وبضع بطاطا شاحبة.
طعامٌ يكفي العابرين، لا ذلك الفراغ النَهِم الذي يعتمل أسفل صدره.
كان الجوف ما يزال يتقلّب داخله ككائنٍ استيقظ للتو من نومٍ عميق.
شحنه قبل قليل، فابتلع الشحنةُ جسده من الداخل، وجعل معدته تضيق كحلقةٍ من الحديد لا تتسع لشيءٍ بعد الآن.
ومع ذلك أكل — لقمةً تلو أخرى — ببطءٍ كمن يؤدي طقسًا لا لذة فيه ولا غاية.
كلّ ما أراده أن يُعيد التوازن بين الجسد والفراغ، أن يمنح القز ما يكفيه من وقودٍ ليصمت قليلًا.
لكن الجوع لم يزُل.
لم يمتِ أو يُروَ، بل خمد مؤقتًا كجمرٍ تحت الرماد.
مدّ نظره إلى النافذة؛ السماء سوداء، والنجوم تلمع كخيوطٍ من زجاجٍ مكسور.
تمتم ببرودٍ متأمل:
"حلّ الليل تمامًا… شحنُ الجوف استغرق وقتًا أطول من المتوقع."
ثم جلس للحظةٍ صامتًا، وكأنه يراجع في رأسه سلسلة أرقامٍ دقيقة.
"صباح اليوم استخدمتُ تقنية التتحلّل الصخري… تقنيةٌ مخصصةٌ لأسياد القز من المستوى الرابع فما فوق.
حتى هم فقط قلةٌ من يجيدون استعمالها.
أما من اقل — من اسياد القز في الطبقة الثالثة وما دون — فيُفترض ألا يجرؤ على المحاولة عوضا عن تفعيلها أصلًا."
رفع كارسو يده إلى صدره، وكأنها تزن نبضًا غريبًا تحت الجلد:
"يُفسّر هذا جوعَ قزّ الصخر… رغم أنّه قز صبور.
عليَّ أن أُطعمه سريعًا."
ثم تنهد وأكمل:
"إن لم أجد ترابَ القمر، سأجبر على اطعامه احجار الطاقة."
وقف عند النافذة ثانيةً، يتأمل الأضواء البعيدة وهي تترنح في ضباب المساء.
جمع معطفه على كتفيه ببطءٍ، عينه تنزلق نحو الشارع السفلي حيث ترتجف لافتة الحانة.
هناك، يُباع الطعام، وتُشترى الإشاعات…
وربما يجد هناك ما يُسكت جوفه لفترة أطول.
مدّ يده إلى جيبه وعدّ ما فيه بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه سوى نفسه:
"ثلاثُ أحجارِ طاقةٍ، عملتانِ ذهبيتان، وتسعٌ فضيّات…"
ثم بسخرية قال:
"أكانت المشكلة في الفندق الذي اخترتُه؟ أم في محفظة ذلك المفتش؟ ربما لو تأخرتُ قليلًا… لكان جمع مالًا أكثر."
وبينما كان كارسو ينزل درجات النُّزل بخطواتٍ صامتة،
كان في الجهة المقابلة رجلٌ آخر يحدّق في خريطة المدينة،
يتتبع حالة اختفاءٍ غامضٍ حدث هذا الصباح.
---
[مدينة المغامرين – مكتب التحقيق]
بعيدًا عن ضجيج الحانات والأزقة السفلية، حيث كان كارسو، كان برج الحراسة المركزي يغط في صمتٍ مختلف.
لم يكن صمت الراحة، بل صمت "الآلة" التي لا تتوقف. الهواء في الداخل كان خانقًا، مشبعًا برائحة الحبر الجاف، والغبار، والعرق البارد.
في أحد مكاتب هذا البرج المطل على الساحة المركزية، كانت التقارير الأخيرة تصل إلى مركز القيادة.
هنا، تراكمت الأوراق على الطاولة الثقيلة أمام رجلٍ ذو بنية جسدية مشدودة، لا شيء في ملامحه يلفت الانتباه سوى عينيه.
كانتا ثاقبتين، بلونٍ عسلي حاد كصياد طبيعي.
شعره الأشقر القصير بدا مبللًا بالعرق، وصوته الخافت يحمل ثقل السنين.
تصفح أولى الوثائق، فتمتم بصوتٍ خافت:
"هممم... حسناً، لا يبدو أنها عملية هرب من التجنيد..."
ثم توقف، عينيه تنتقلان بين السطور،
تجمّد تعبيره فجأة، وساد الصمت.
رفع نظره ببطء نحو النافذة التي تطل على الأفق الرمادي، وقال بصوتٍ منخفضٍ كأنما يخاطب نفسه:
"اعتقد انني سأضطر لتحقق بنفسي."