لم تمضِ سوى دقائق حتى غادر كارسو الزقاق الضيّق، تاركًا خلفه همسات المدينة وتوجّسها.
كانت الحانة قريبة؛ بابٌ خشبيّ عريض يتدلّى فوقه مصباح زيتيّ، وضجيج ينساب إلى الشارع كدعوةٍ فوضوية. توقّف أمامها لحظة، أصْلَح موضع سترته، ثم دفع الباب ودخل.
دفءٌ كثيف، روائح خمرٍ ولحمٍ مشوي، وضحكاتٌ لا تعرف الخوف بعد. وفي قلب كل ذلك، دخل كارسو بهدوء.
جلس في أحد أطراف الحانة، وعندها استقبله نادِلٌ بكل أدبٍ ووقار.
"ما طلبك يا سيدي؟"
"كوب ماء، وقِطعتان من لحم الظأن"
ردّ كارسو بلا تعبير.
بابتسامة خفيفة قال النادل:
"سنجهز الطلب حالاً"
ثم أضاف:
"وماذا عن المشروب، سيدي؟"
ردّ كارسو بلا مبالاة وهو يحدق في مجموعةٍ تبعد عنه طاولتين:
"أنا لا أشرب."
ظهرت نظرة معقدة للحظة في وجه النادل.
"همم، يبدو أنه أفقرُ مما توقعت. في العادة، أشخاصٌ بمظهره الرفيع يكونون أغنياء… لكن أن يرفض المشروب…"
فكّر النادل لحظةً، ثم أومأ برأسه وذهب لخدمة طاولةٍ أخرى.
---
عند الطاولة الوسطى جلس بعض الصيادين البسطاء، أولئك الذين يبيعون أنياب الوحوش وأعشاب الغابات ليكسبوا لقمةً بالكاد تبقيهم أحياء. كانوا يضحكون، ويتهامسون بشيءٍ من السخرية.
كانوا مزعجين، صاخبين، وسكارى لدرجة قريبةٍ من الإغماء.
"كيف يمكن لإنسانٍ عاقلٍ أن يسكر في عالمٍ مثل هذا؟ ألا يخافون الموت، أم هم للموت مُقبلون؟ أم أنهم من الأصل بلا عقلٍ أصلاً؟"
علّق كارسو مستغربًا، وكأن الإجابة كانت تنتظر تعليقه لِتُجيب…
عندها دخل رجلٌ عريضُ الكتفين، يعلو صدره وشاحٌ أسود تتدلّى منه مداليةٌ داكنة تَلْمَع بوميضٍ أخضر باهت
--معدنٌ نادرٌ يُعرف باسم الفيرالين، لا يُمنح إلا لسادة القزِّ.--
ساد صمتٌ غير معلن في الحانة لحظة دخول الرجل عريض الكتفين.
لم يتوقف الضجيج فورًا، لكنه انخفض درجةً واحدة… كما لو أن المكان تذكّر فجأة أن عليه أن يكون حذرًا.
كان الوشاح الأسود يلتف حول عنقه بتكلّف، وتدلّت من صدره المدالية الداكنة، الفيرالين، تتراقص مع كل خطوةٍ يخطوها.
لم يكن بريقها قويًا، لكنه كافٍ.
كافٍ ليصمت القرويون.
كافٍ لتُخفض الأعين.
كافٍ ليتذكّر الجميع مكانهم.
وقف عند المدخل، ترك نظراته تمسح الوجوه بكسلٍ متعالٍ، كأنّه يبحث عن شيءٍ ضائع… أو عن شخصٍ يصلح ليكون ضحيةً عابرة.
"حانة قذرة كعادتها."
قالها بلا صوتٍ مرتفع، ومع ذلك سُمعت.
ضحك اثنان من الصيادين ضحكةً قصيرة متوترة، سرعان ما خنقوها.
النادل انحنى قليلًا دون أن يُطلب منه ذلك.
أما كارسو… فلم يتحرّك.
جلس كما هو، كأس الماء أمامه، ظهره للحائط، عيناه ثابتتان على الطاولة الوسطى، كأن الرجل لم يدخل أصلًا.
وهذا ما أزعج سيد القز.
اقترب بخطواتٍ بطيئة، حتى توقف عند طاولة أحد الصيادين السكارى.
شاب نحيل، ملابسه مهترئة، وعلى يده آثار عضّات قديمة — صياد وحوش من الطبقة التي لا تعيش طويلًا.
مدّ سيد القز قدمه، ودفع الكأس عن الطاولة.
انسكب الشراب على الأرض.
"من سمح لك بالجلوس هنا؟"
رفع الشاب رأسه بارتباك، فمه انفتح ثم أغلق.
لم يكن السؤال حقيقيًا. لم يكن هناك جواب صحيح.
"سيدي… أنا…"
الصفعة لم تكن قوية.
لكنها كانت مهينة.
سقط الشاب على الأرض، وارتطمت كتفه بخشب الطاولة.
لم يتحرك أحد.
ليس خوفًا فقط…
بل لأن المشهد مألوف.
«أنتم العامة تنسون أنفسكم بسرعة.»
«تظنون أن الحانات أماكن لكم.»
انحنى سيد القز قليلًا، أمسك الشاب من شعره ورفعه نصف رفعة، بما يكفي ليلتقي بعينيه.
"تذكر هذا جيدًا: وجودك هنا هو لأننا نسمح لك أن تكون."
وفي تلك اللحظة، تحرّكت امرأة من أحد أطراف الحانة.
كانت تجلس وحدها، معطفها الرمادي الداكن مغلق بعناية، وعلى الطاولة أمامها كتابٌ جلدي صغير لم يُفتح.
شعرها الأسود مربوط بإهمالٍ مدروس، وعيناها هادئتان… أكثر هدوءًا مما ينبغي في مكان كهذا.
رفعت رأسها، ونظرت إلى المشهد دون تعبير.
على عنقها، بالكاد يُرى، رمز محفور بخيطٍ فضي رفيع منحوت عليه رقم واحد، مما يشير إلا انها من المستوى الأول.
لم تقل شيئًا.
لم تتدخل.
لكن سيد القز شعر بها.
شعر بنظرةٍ لا تحمل خوفًا.
ولا احترامًا.
تجمّد لحظةً، ثم اعتدل واقفًا، ودفع الشاب أرضًا بقدمه.
"اختفِ قبل أن أغيّر رأيي."
زحف الصياد مبتعدًا، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من أي صراخ.
التفت سيد القز، عينيه تبحثان عن مصدر ذلك الانزعاج غير المفهوم…
حتى وقعتا على كارسو.
شاب هادئ.
لا شارة.
لا قز ظاهر.
لا خوف.
حدّق فيه لثانية أطول مما ينبغي.
"وأنت…"
لم يرفع كارسو رأسه فورًا.
أنهى شرب الماء، وضع الكأس بهدوء على الطاولة، ثم رفع عينيه.
النظرة كانت فارغة… لكنها عميقة.
كقاع بئر لا يعكس الضوء.
لم يقل شيئًا.
وهنا شعر سيد القز بشيءٍ خاطئ.
ليس تهديدًا واضحًا.
بل فراغًا.
كأن سلطته، تلك التي اعتاد أن تُسكت الجميع،
لم تجد ما تتشبث به هنا.
شدّ على أسنانه، وأدار وجهه بعيدًا.
"حانة قذرة… وأناس لا يعرفون أقدارهم."
قالها بصوتٍ أعلى، كأنه يخاطب المكان لا الشخص.
ثم استدار واتجه إلى حيث تجلس المرأة.
اما المرأة ذات الشعر الأسود أغلقت كتابها ببطء.
نظرت إلى الرجل نظرةً خاطفة، قصيرة… لكنها فاحصة.
لم يكن في عينيها إعجاب.
ولا اشمأزاز.
بل إدراك.
أما كارسو، فبقي جالسًا كما هو.
يداه ثابتتان.
الجوف في صدره ساكن… لكن مستيقظ.
تمتم بصوتٍ لا يسمعه أحد:
"شاب في منتصف العشرينات هاه…"
ثم ركز نظره في ظهر سيد القز المبتعد وفكر:
"غير كفؤ، غير كفؤ مع ذلك، حتى امثاله
قادرين على التسلط ممن هم أدنى."
وفي هذه المدينة، لا بل في هذا العالم،
كان ذلك هو الطبيعي.
---
في الخارج، كان الليل قد بسط سلطانه تماماً.
كانت أضواء المشاعل المثبتة على الجدران الحجرية تترنح مع هبّات الريح، لتلقي ظلالاً مشوهة على الأرصفة المرصوفة. المدينة لا تنام... لكنها تتقن ادعاء ذلك.
في زقاقٍ جانبي، بمنأى عن جلبة الحانة، وقف رجلٌ أمام خريطة جلدية ضخمة مُعلقة على جدار خشبي.
كانت أصامله تتحرك فوق الرموز المخطوطة بالحبر الأسود؛ تتردد، تتوقف، ثم تنساب للأمام بيقينٍ جديد.
لم يكن يرتدي بدلة الحرس الرسمية، ولا ثياب العامة الرثة. كان معطفه الداكن بسيطاً وعملياً، يخلو من أي زخرف سوى شارة معدنية صغيرة استقرت على صدره، نُقش عليها الرقم ثلاثة.
شدّ المحقق طرف قفازه الجلدي، وضاقت عيناه وهو يتفرس في دائرة صغيرة رُسمت قرب الحي الشرقي.
"اختفاء ضابط تفتيش.. ومساعده."
"لا أثر للدماء."
"لا شهود."
كان يتمتم بالأرقام والمعطيات في ذهنه كما لو كانت أجزاءً من معادلة ناقصة.
اقترب أحد مساعديه بحذر، وقال بصوتٍ يغالبه النعاس: "سيد آينّد، أهل الحي يجزمون أنها مجرد حالة فرار معتادة، وأنا أميل لتصديقهم. لِمَ لا نخلد للراحة ونترك الأمر لـ "أسياد قز" ليتولوا البحث؟".
أنهى التابع جملته بتثاؤبٍ طويل ينم عن ضجرٍ مفرط.
لم يلتفت آينّد، بل اكتفى بتمرير سبابته فوق موقع الحانة على الخريطة، وقال بنبرة فلسفية:
"الناس لا يلحظون التفاصيل الصغيرة أبداً.. إلى أن تُكشف أمام أعينهم، حينها فقط يدّعون بغرور أنها كانت واضحة منذ البداية".
رفع رأسه أخيراً، مصوباً نظره نحو الشارع المؤدي إلى نُزل "مغامري السنبلة"، وأردف بلهجة آمرة: "صيبد! أخبر القائد أنني استوليتُ على قائمة الغرباء الذين دخلوا المدينة منذ أسبوع".
ثم، وبومضة مرح مباغتة في عينيه، أضاف: "وأخبره أيضاً ألا ينتظرني قبل الغد، لأنني.." صمت للحظة، قبل أن يختم بصوتٍ مفعم بالثقة:
"سأكون قد أغلقتُ هذه القضية".
بعد أن صرف تابعه بمهمةٍ روتينية، شقّ آينّد طريقه نحو الحانة.
ومع اقترابه، استشعر غيابةً غير معتادة؛ ففي مثل هذا الوقت، يُفترض أن يكون المكان بؤرةً للصخب الذي يُسمع من كتلٍ سكنية بعيدة، لكن الصمت كان هو السائد.
"هل نشب عراكٌ بالداخل؟ أم أن أحد أسياد القز قد أجهز على قرويٍ ما؟"
حلل آينّد الاحتمالين، ورجح الثاني؛ فالعراك يخلف ضجيجاً خافتاً من الهمهمات، أما السكون المطبق فيعني عادةً مشكلةً كبرى تتعلق بـ أسياد قز.
تنهد بضيق وهو ينظر إلى لافتة الحانة قبل أن يدفع الباب: "لماذا لا يتعلم الزملاء التحكم بنزواتهم؟ إنهم مجرد مسببي متاعب!".
داخل الحانة، كان الضجيج باهتاً؛ فقد استحال السكرُ إرهاقاً، وفقدت الضحكات رنينها.
لم يلمح آينّد دماءً أو حطاماً، لكنه أدرك الحقيقة فور أن وقع بصره على طاولة يجلس حولها اثنان من أسياد قز؛ كانت تعابيرهما المتنافرة كفيلة بكشف هوية المتسبب في هذا الجو المشحون.
وبلا مبالاة، أدار نظره في الأرجاء وهو يستحضر أوصافاً في ذاكرته: "شعرٌ أشعث شديد السواد، عيونٌ داكنة، منكبان عريضان، ووجهٌ هادئ بملامح صافية".
استقرت عيناه على رجل يطابق الوصف بدقة مذهلة.
"هاها.. وجدتك"، قالها بمرح وهو يتجه صوب طاولة الرجل.
دون استئذان، سحب كرسياً وجلس قبالته، وقال بابتسامة خفيفة: "سيد كارسو، أليس كذلك؟".
لم يتلقَّ رداً، فكرر بلهجة أقل حماسة: "..سيد كارسو؟".
رفع كارسو كأس الماء، وارتشف منه ببطءٍ مستفز، ثم وضعه بهدوء دون أن ينطق ببنت شفة.
هنا، تلاشت ملامح الود من وجه آينّد، وحلت مكانها نظرة حادة كالسكين، وأعاد صياغة جملته بصرامة: "سيد كارسو، أنا أتحدث إليك!".
رفع كارسو عينيه الميتتين، وقال ببرودٍ قاتل: "ألم تعلمك امك الأخلاق؟ أم أنها أغفلت هذا الجزء من تربيتك؟".
"هاه؟" تيبس آينّد في مكانه. لم يتوقع هذا الرد حتى في أكثر سيناريوهاته تشاؤماً.
لكنه استعاد توازنه بسرعة، ورد بابتسامة متكلفة وعينين مغمضتين جزئياً: "معذرةً، هل لك أن تعيد ما قلته؟ لم أسمعك جيداً".
وعلى الرغم من ثبات قناع وجهه، إلا أن نبرته فضحت قدراً من الإهانة والارتباك.
أجابه كارسو ببرود: "ألا تعلم أنه يتعين عليك التعريف بهويتك أولاً قبل أن تستجوب الناس عن هوياتهم؟".
كظم آينّد غيظه، وردّ بضحكة جافة: "هاها، معك حق، اعتذاري. أنا آينّد".
دون أن ينظر إليه، تناول كارسو قطعة من طعامه وقال: "..كارسو".
قاطع حوارهما النادل الذي اندفع لخدمة الضيف الجديد بابتسامة عريضة يحاول خلفها مواراة ذعره: "أهلاً بك سيدي، ما طلبك؟".
لوّح آينّد بيده بضيق آمراً إياه بالانصراف.
ابتعد النادل وهو يبتسم بآلية، بينما كان يغلي من الداخل: "ما خطب هذا المساء؟! أولاً أصادف صعلوكاً يتظاهر بالثراء، ثم سيد قز لعين يطرد بقراتي الحلوبة، والآن هذا المتعجرف الحقير؟."
لم يطلب آينّد شراباً، ولم يفتح دفتر ملاحظاته، بل قال مباشرة: "وصلتَ إلى المدينة قبل يومين".
لم يكن سؤالاً.
رد كارسو بتساؤل بارد: "وبأي حق تسأل يا آينّد الخلوق؟".
"آينّد الخلوق؟ هل يشتمني بأدب الآن؟" فكر آينّد، ثم قال بلهجة قاطعة: "أنا هنا لا أحدثك بصفتي آينّد، بل بصفتي 'آينّد المحقق'، سيد كارسو".
رسم ابتسامة فخر على شفتيه بينما كانت عيناه تقدحان شرراً، لكن ملامح كارسو ظلت كصخرة صماء لا تعطي أي انطباع.
تابع آينّد: "إذاً، سيد كارسو.. أتيتَ هذا الصباح، وهو التاريخ الذي تزامن -للمصادفة- مع اختفاء ضابط تفتيش ومساعده".
حدّق كارسو في قاع كوبه الفارغ، وتمتم: "أعتقد ذلك.. أجل، يبدو أنني وصلت اليوم".
فكر كارسو وهو يرمق الرجل الواقف أمامه بنظرة خاوية: "آينّد..؟ اسمٌ لم يطرق مسمعي من قبل".
بينما في المقابل، كانت التروس في عقل آينّد تدور بسرعة مذهلة. بالنسبة له، كارسو لم يكن مجرد مشتبه به، بل كان "الخيار الوحيد المنطقي".
استرجع آينّد مسرح الجريمة في ثوانٍ؛ العامة ظنوا أنها عملية فرار، لكن آينّد يعلم أن الهارب لا يترك ماله خلفه. والأهم.. تلك الآثار. "أثرُ اقدام واحدة لغريب، لا تتطابق مع قياس حذاء الضابط ولا مساعده". لم يكن هناك عراك، لم يكن هناك ضجيج.
ضيق آينّد عينيه وهو يحلل "الضحية"؛ المساعد براند لم يكن سيد قز عادياً، بل كان يملك قزه قدرة فريد "كشف النوايا". ومع ذلك، سُجل كارسو في الدخول بنية "سليمة تماماً".
"إما أنك قتلتهم في لحظة مباغتة لم تتوقعها أنت نفسك"، فكر آينّد وهو يراقب برود كارسو، "أو أن القتل بالنسبة لك فعلٌ طبيعي لا يهز نيتك ولا يثير اضطراب روحك.. وهذا هو النوع الأخطر".
المعادلة كانت بسيطة في رأس آينّد: لكي تقتل سيدي قز من المستوى الأول دون أن يصرخ أحدهما، يجب أن تكون في قمة المستوى الثاني على الأقل. وكارسو يفيض بالقوة الكامنة التي تشي بذلك.
لكن السؤال الذي كان يؤرق المحقق: لماذا؟
لماذا يقتل مفترسٌ مثل كارسو حشرتين ضعيفتين كالضابط ومساعده؟ لا يمكن أن يكون السبب مالاً أو استفزازاً، فمجرد "سديم" من كارسو كانت كفيلة بإركاعهما. هل هي نزوة؟ أم رغبة مجردة في التخلص من عقبة؟
استعاد آينّد نبرته المرحة ليقطع حبل أفكاره، لكن عينيه ظلتا تراقبان كارسو كصقرٍ يرى فريسته، وقال بصوتٍ مسموع: "أتعلم يا سيد كارسو؟ الصمتُ أحياناً يكون اعترافاً أهلاً من الكلام.. خاصة عندما يحاول المرء إخفاء قوةٍ لا يمكن لأسوار المدينة استيعابها".
عندما أنهى آينّد جملته، لم يعد قادراً على لجم ابتسامته التي اتسعت لتكشف عن نشوة الانتصار؛ فقد تأكدت الآن أولى خطوات نظريته.
لم يغب عن بصيرة كارسو ما يفعله المحقق، فرمقه بنظرة جانبية وهو يجول ببصره في أرجاء الحانة، ثم قال بنبرة خالية من الاهتمام: "تتساءلُ عن رتبتي إذاً؟.. ماذا لو أخبرتك أنني لستُ سوى تابعٍ من المستوى الأول؟".
"مستوى أول؟ حقاً؟"
رد آينّد ببرودٍ لا يخلو من سخرية، مشيراً برأسه نحو رواد الحانة. كان الجميع، من العامة وحتى أسياد القز، قد غرقوا في حالة من الذعر الصامت.
لقد أطلق آينّد "سديمه" في المكان؛ قوة خانقة جعلت الزبائن يتساقطون الواحد تلو الآخر، بعضهم غاب عن الوعي وهو يغص بطعامه، والبعض الآخر ترنح بذهول.
حتى سيدي القز اللذين كانا هناك، صمدا لبرهة وهما يطلقان سديمهما الخاص في محاولة يائسة لصد هذا الهجوم، لكن قوتهما تداعت سريعاً، ليسقطا في سباتٍ عميق بعد دقائق معدودة.
أنهى كارسو لقمته الأخيرة بتمهلٍ يثير الأعصاب، ثم قال بهدوء: «حسناً.. أنا في المستوى الثالث».
برقت عينا آينّد بحدة، وزادت وتيرة حماسته وهو يسأل مسرعاً: "إذاً سيد كارسو، هل من المصادفة أن يكون "قزّك" هو قز الصخر؟".
كان آينّد يحلل مسرح الجريمة منذ الصباح الباكر؛ كانت هناك ذرات غبار غريبة لا تزال عالقة رغم هبوب الرياح. لم يكن هناك أي أثر لمنحوتات أو بناء حجري يبرر وجود تلك الكمية من الرماد الصخري. كان استنتاجه الوحيد: قز الصخر.
قطع كارسو حبل أفكار آينّد قائلاً بصوتٍ رخيم: «نعم.. أنا سيد قز الصخر».
كاد آينّد يرتجف من فرط الإثارة؛ كل قطعة من الأحجية كانت تستقر في مكانها الصحيح. كل تحليلاته كانت صائبة تماماً! لم يبقَ له سوى رفع وتيرة الضغط، وسيمسك بالدليل القاطع الذي سيدين هذا الرجل.
الفصل هذا والذي بعده استهلكا الكثير من خلايا مخي لأكتبهم🙂 لذا اذا اردت ان تدعمني فأرجو ان تعلق على الفصل.
بنقد او برأيك او فقط دعم عاطفي وسأكون شاكرا
الفصل ثقيل لذا اذا وجدت اي اخطاء نبهني رجائاً.