[في مقر الحراسة – المقر المركزي]
كان القائد فارغاس يقف خلف مكتبه الضخم المكدّس بالأوراق، كتلةً من الخشب والحبر والسلطة المتآكلة. الضوء القادم من الشعلة المعلّقة على الحائط كان يرتجف، كأنه يعكس توترًا لا يريد الاعتراف به.
أمامه وقف صابد. كتفاه منحنيتان، أنفاسه ثقيلة، وثيابه ملطخة بغبار الطريق، غبارٍ لا ينتمي للمقر.
قال فارغاس وهو يدلك جبينه بإصبعين:
"أعد ما قلته يا صابد… ببطء هذه المرة."
تنهد صابد، وكأن الكلمات نفسها أثقل من أن تُحمل، ثم قال:
"سيدي… لقد قالها بوضوح. أخذ قائمة الغرباء، وطلب مني إخبارك ألا تنتظره حتى الصباح، لأنه يعتقد—بل يجزم—أنه سينهي القضية هذه الليلة."
هوى كفّ فارغاس على سطح المكتب. لم يكن غضبًا، بل نفاد صبرٍ قديم.
"سينهيها الليلة؟ هل يظن نفسه يتعامل مع سارق أرغفة خبز؟ نحن نتحدث عن اختفاء ضابط ومساعده… أسياد قز من المستوى الأول تبخروا في الهواء! آينّد هذا سيوردنا المهالك بغروره. هل ذكر أين ذهب؟"
تردد صابد للحظة، ثم قال:
"اتجه نحو الحانة القريبة من نُزل مغامري السنبلة. بدا وكأنه… وجد صيدًا ثمينًا. كانت عيناه تلمعان بتلك الطريقة، سيدي. الطريقة التي تعني أن كارثة على وشك الوقوع."
ساد صمت قصير. نظر فارغاس إلى لهب الشعلة المرتجف، وقال بصوت منخفض، كمن يعترف بحقيقة لا يحبها:
"المشكلة في آينّد ليست غروره… بل في كونه يصيب غالبًا. إذا ذهب إلى هناك، فهذا يعني أن القاتل لم يغادر المدينة كما ظننا، بل يجلس الآن، يشرب نخب نجاحه تحت أنوفنا."
قال صابد بقلق:
"لكن سيدي، إن كان القاتل قادرًا على تصفية ضابطين دون جلبة… كيف لآينّد أن يواجهه وحيدًا؟ ألا يجب أن نرسل فرقة دعم؟"
ضحك فارغاس ضحكة جافة، بلا مرح.
"دعم؟ آينّد يرى الدعم إهانة لذكائه. ثم إننا لا نملك حجة قانونية للاقتحام. هو يلعب لعبته الخاصة الآن… يضغط على الأعصاب حتى تنفجر. كل ما يمكننا فعله هو تجهيز زنزانة… أو كفن."
أشار إلى القائمة التي تركها آينّد خلفه.
"صابد، ابحث في السجلات الشمالية. أريد أي ذكر لاسم كارسو، أو لأي سيد قز صخر من المستوى الثاني مرّ بمناطق النزاع. إن كان آينّد قد اختار هذا الرجل… فأريد أن أعرف كل شيء عنه قبل أن يطلع الصباح."
---
[في حانة نزل المغامر]
اتكأ آينّد بجسده إلى الأمام، وسند ذقنه على يديه المتشابكتين. كان سديمه يملأ الحانة كغشاء لزج، حوّل الهواء إلى ما يشبه الماء الثقيل، حيث لا صوت يخرج ولا نَفَس يدخل إلا بإذنه.
نظر آينّد إلى كارسو، وبدلاً من إلقاء اتهاماته، اكتفى بوضع شيء صغير على الطاولة.. حفنة من الغبار الرمادي الناعم.
قال آينّد بنبرة هامسة، حادة كالشفرة:
"هل تعرف ما الممتع في 'قز الصخر' يا سيد كارسو؟ إنه لا يترك دماءً تلطخ السجاد، ولا صرخات توقظ الجيران. الصخر يطبق بصمت، يسحق الوجود حتى يحيله إلى.. هذا."
أشار بإصبعه إلى حفنة الغبار، ثم تابع وعيناه تخترقان وجه كارسو:
"ضابط التفتيش ومساعده لم يختفيا. إنهما الآن مجرد 'تلوث هوائي' فوق البوابة الشرقية. لكن ما يحيرني حقاً ليس موتهما، بل تلك 'النية السليمة' التي سجلها المساعد في دفتره قبل أن يتبخر. كيف يمكن لرجل أن يسحق روحين دون أن يضطرب نبضه قيد أنملة؟"
مد آينّد يده ببطء نحو كوب كارسو الفارغ، وحركه بضعة مليمترات وهو يقول:
"أنا لا أبحث عن دليل مادي.. الصخور لا تترك بصمات. أنا أبحث عن 'الدافع'. هل كانا مجرد عقبة في طريقك؟ أم أنك قتلتهم لمجرد أنك تستطيع؟"
ظل كارسو يحدق في الكوب، ولم يبدُ عليه أي انزعاج من السديم الخانق، وكأن ضغط آينّد ليس سوى نسيمٍ عليل. رفع بصره ببطء، وفي عينيه لمعة باردة خالية من الخوف، وقال بصوتٍ منخفض:
"أنت تتحدث كثيراً يا آينّد.. وهذا يعني أنك تحاول إقناع نفسك بصحة استنتاجك، أكثر مما تحاول إقناعي أنا."
اتكأ كارسو بدوره على الطاولة، ليصبح وجهه على مسافة إنشات من وجه المحقق، وتابع ببرود:
"لقد قلتَ إنني في المستوى الثالث.. إذاً، هل تعتقد حقاً أن رجلاً بمستواي سيخشى ضابط تفتيش لدرجة إخفاء جثته؟ إذا أردتُ قتلهم، لكنت فعلت ذلك في وسط الساحة العامة، ولما تجرأ أحد على سؤالك عن 'الغبار'."
رسم كارسو نصف ابتسامة غامضة، وأردف:
"ربما 'النية السليمة' كانت فعلاً نية سليمة. وربما ذكاؤك هو سجنك الذي تحاول حشري فيه لتثبت لنفسك أنك لست عادياً."
ثم، وبحركة مباغتة، وضع كارسو يده فوق يد آينّد. في تلك اللحظة، شعر آينّد بأن يده قد سُحقت تحت جبل، ليس بقوة عضلية، بل بحضور طاغٍ جعل سديمه المحيط بالحانة يرتجف ويتشقق كزجاج مهشم.
قال كارسو بنبرة حملت تحذيراً مرعباً:
"سأعطيك نصيحة.. لا تبحث عن الوحش في الظلام بينما هو يجلس معك ويخبرك بوضوح من يكون. أنا لم أقل إنني لم أقتلهم.. لكنني لم أقل إنني فعلت. الفرق بيني وبينك، أنني لا أحتاج لإثبات أي شيء."
سحب كارسو يده ببطء، وأضاف وهو ينهض:
"أكمل شرابك.. فسديمك بدأ يستنزف طاقتك، وأنا لا أحب التحدث مع الرجال المرهقين.".
ظل آينّد متسمراً في مكانه لثوانٍ بعد أن سحب كارسو يده. كان صمت الحانة المطبق، مع أجساد الغائبين عن الوعي حولهما، يضفي ثقلاً مرعباً على اللحظة. شعر آينّد ببرودة غريبة تسري في يده التي لمسها كارسو، وكأن طاقة الصخر قد جمدت دماءه للحظة.
لكن، وخلافاً لما توقعه كارسو، لم تظهر على وجه آينّد علامات الأنزعاج. بل بدأت كتفاه ترتجان بضحكة مكتومة استقرت في حنجرته قبل أن تخرج خافتة، ثم علت لتملأ الفراغ.
"هاها.. رائع. حقاً رائع!"
رفع آينّد رأسه، وكانت عيناه تلمعان ببريقٍ جنوني، والابتسامة عادت لتشق وجهه ولكن هذه المرة كانت أكثر صدقاً.. وأكثر خطورة.
"نصيحة ثمينة يا سيد كارسو، سأحتفظ بها. لكنك أخطأت في تقدير شيء واحد.. أنا لا أحاول إثبات أنني أذكى من في الغرفة، فهذه حقيقة مفروغ منها بالنسبة لي. أنا فقط استمتع بـ 'المقاومة'.
مسح آينّد جبهته التي بدأت تتصبب عرقاً بفعل ضغط سديمه الخاص، وتابع وهو ينظر إلى كارسو الذي يهم بالمغادرة:
"لقد قلتَ إنني لا أملك دليلاً مادياً.. وهذا صحيح تماماً 'حتى الآن'. ولكن، ألا تعتقد أن 'الوحش' الذي يجلس أمامي ويخبرني من يكون بوضوح، قد ترك أثراً لا يمكن للصخر مسحه؟ نيتك السليمة عند البوابة هي أكبر دليل ضدي، لأن القاتل العادي يضطرب، أما أنت.. فأنت قتلتهم دون أن تشعر حتى أنك فعلت شيئاً يستحق الندم."
وقف آينّد، وبحركة واحدة سحب سديمه من الحانة، ليعود الهواء فجأة إلى صدور الغائبين عن الوعي الذين بدأوا يئنون ويستعيدون وعيهم ببطء.
"اذهب الآن، سيد كارسو. استمتع بليلتك في 'نُزل السنبلة'. لكن تذكر.. المحققون الجيدون يبحثون عن الدلائل، أما أنا.. فأنا أبحث عن 'الثغرة'. وسأجدها قبل أن يطل صباح الغد."
لوّح له بيده بلامبالاة مصطنعة، ثم جلس مجدداً وهو يشعر بإرهاق السديم يضرب جسده، لكن عقله كان يعمل كالمجنون: "لقد اعترف ضمناً.. إنه لا يخشى العواقب، وهذا يعني أنه يملك ما هو أقوى من الرتبة الثالثة.. أو أنه ينتظر شيئاً ما في هذه المدينة."
---
خرج كارسو من الحانة، فاستقبله هواء الليل البارد الذي بدا نقيًا مقارنة بجو الحانة المشحون برائحة الخمر وسديم آينّد. سار بخطوات ثابتة ومنتظمة على الأرصفة الحجرية، وصوت وقع حذائه يتردد في الشوارع التي خلت إلا من ظلالٍ عابرة.
رسم كارسو ابتسامة ساخرة لم يرها أحد، وفكر في كلمات المحقق الذي تركه خلفه:
"لهذا لم أسمع عنه من قبل.. إنه مجرد أحمق يعبد ذكاءه".
بالنسبة لكارسو، كان آينّد كتاباً مفتوحاً؛ محقق بارع، نعم، لكنه غارق في غروره لدرجة أنه يظن أن كشف الحقيقة هو غاية الوجود، بينما الحقيقة في عالم كارسو ليست سوى أداة، أو أحياناً.. عبء يجب التخلص منه.
بينما كان يقترب من منعطف يؤدي إلى نُزل "مغامري السنبلة"، تناهى إلى مسامعه صوت زجاج يتحطم وصرخات مكتومة. توقف كارسو في الظل لثانية.
على بعد أمتار قليلة، كان أحد الصيادين الذين كانوا في الحانة قبل قليل وهو نفسه الذي اهانه سيد القز -والذي يبدو أن سديم آينّد لم يزد مزاجه إلا سوءاً- يترنح بغضب وبيده زجاجة مكسورة. كان يوجه شتائمه المقذعة نحو طفل متسول يرتجف من البرد والخوف، وقد انحشر الصغير في زاوية ضيقة لا مفر منها.
"بسبب أمثالك من الحثالة نعيش في هذا القذر!" هدر الصياد وهو يرفع الزجاجة المكسورة بنية واضحة للفتك بالصغير.
تلاقت عينا الطفل بعيني كارسو للحظة واحدة؛ نظرة استنجاد يائسة خلفها رعب طفولي خام.
لم تتغير ملامح كارسو. لم يرمش، ولم تتسارع نبضات قلبه، ولم يتحرك جوفه قيد أنملة. تابع سيره ببرود تام، متجاوزاً المشهد وكأنه يمر بجوار جدار حجري أصم. بالنسبة له، صرخات الضعفاء ليست سوى ضجيج خلفي في مدينة بُنيت أساساتها على الظلم.
وصل إلى نُزل السنبلة، صعد الدرج الخشبي الذي كان يئن تحت قدميه، ودخل غرفته. ألقى بمعطفه جانباً، ووقف أمام النافذة يراقب أضواء المدينة البعيدة.
---
[في مقر الحراسة – لاحقاً]
اقتحم صابد المكتب، وألقى بملفٍ مهترئ تآكلت أطرافه فوق الطاولة.
"سيدي! السجلات الشمالية… لقد وجدته! كارسو… أو كما كان يُلقب قبل نفيه: العبقري الساقط"
توقف فارغاس عن الكتابة، وسحب الملف ببطء تحت ضوء الشمعة الراقص. "من تلك العشيرة إذاً… عشيرة غوت."
سكت القائد، وفي عينيه أثر حنين قديم لم يشأ إظهاره، ثم تابع بنبرة خفيضة: "طُرد منذ أشهر بعد صدامٍ مرير مع زعيمهم، فذرايل. لم أسمع عنهم منذ زمن.. كانت الأخبار تأتي تباعاً كالنحس؛ أعاصير، أمطار لا تتوقف، ثم احتراق معقل مواردهم، وصولاً لهجوم الوحوش الأخير. كل ذلك في آنٍ واحد."
أغلق الملف ببطء وكأنه يغلق نعشاً. "بهذا المعدل.. عشيرة غوت ليست في منفى، بل هي على حافة الانقراض."
انطفأت الشعلة للحظة بفعل ريحٍ مباغتة مع دخول آينّد إلى القاعة.
كان شاحب الوجه، تظهر عليه آثار استنزاف السديم، لكن عينيه كانتا متقدتين بذكاءٍ محموم.
أشار لصابد بالخروج بنظرة صارمة، وما إن أُغلق الباب حتى اتكأ بثقله على مكتب القائد.
"فارغاس.. اترك العشائر الميتة لمؤرخي القبور الآن"
قال آينّد بنبرة قاطعة.
"أريد كل شيء. أي حدثٍ سيُعلن عنه، أي احتفال، أي غرضٍ أثري يخطط النبلاء لعرضه للتباهي أمام المدن المجاورة. أريد أدق التفاصيل.. حتى لون الستائر التي ستغطي المنصة."
رفع فارغاس حاجبيه بدهشة: "ما علاقة زينة النبلاء بقضية قتل؟"
رد آينّد وهو يضرب بإصبعه على جبهته بعصبية: "كارسو ليس قاتلاً عشوائياً، إنه مهندس مواقف! هو لم يقتل الضباط ليختبئ، بل ليُكتشف! لقد اختارني لأكون خيطه الذي يوصله لأعلى الهرم في هذه المدينة. هناك 'شيء' سيحدث قريباً، وهو يريد مقعداً في الصفوف الأولى."
صمت قليلاً، ولأول مرة، تراجع اليقين في صوته ليحل محله تردّدٌ لم يعهده فارغاس من قبل: "هذا هو التفسير الوحيد يا فارغاس.. وإلا، فإننا نتعامل مع كيانٍ يفوق قدرتي على الإدراك، وهذا ما لا أقبله."
---
[في نُزل "مغامري السنبلة"]
في غرفته، كان كارسو يجلس خلف مكتبه الخشبي الصغير. لم يكن هناك أثر للتعب على وجهه، بل هدوءٌ يشبه سكون ما قبل العاصفة. تحت ضوء شمعة وحيدة، كان أمامه ورقة مخطوطة بعناية.
أمسك القلم، ورسم خطاً عريضاً يشطب الجملة الأولى: (لفت انتباه النبلاء والحصول على شهادة قوة).
نظر كارسو إلى الشعلة وتمتم بصوتٍ خافت: "الشهرة هي السلم الوحيد الذي لا يحتاج لدرجاتٍ مادية.. بل لصدماتٍ معنوية."
فكر في تساؤلات آينّد؛ لو أراد كارسو تجنب الصداع، لكان قد سحق الضباط دون أثر، أو أخضعهم بسديمه ورحل في صمت.
لكن الصمت لا يفتح الأبواب المغلقة.
كان يحتاج لسمعة تسبقه إلى صالونات النبلاء؛ لغزٌ يحوم حوله القيل والقال: "سيد قز غامض، قوي، ومتهمٌ بجريمةٍ عجز المحقق العبقري عن إيجاد دليلٍ واحد ضدها".
هذه السمعة هي المغناطيس الذي سيجعل النبلاء يتسابقون لمعرفته، للتباهي فيه او اسستغلاله.
بدلاً من أن يطرق كارسو أبوابهم النبلاء سيفعلون.
كان آينّد هو "الحبل" الذي سيسحبه إلى الساحة، وبمجرد أن تتفشى أخبار هذا "المجهول"، ستنزل السلالم التي سترفعه ليصل إلى الغرض الحقيقي الذي جاء من أجله.
وضع القلم جانباً، ونظر إلى الجملة التالية في ورقته:
(الحصول على بطاقة الدعوة)
همس لنفسه ببرود وهو يطفئ الشمعة بإصبعيه: "لقد بدأ العرض.. والجمهور مايزال غافل."
ابتسم ابتسامة خفيفة، لا أثر للمرارة فيها. كانت هادئة، كتلك التي ترتسم على وجه من وجد الحل لأحجية ظل يحاول حلها طوال عمره.
لم يصدر صوتاً.
لم يكن هناك حاجة للأصوات بعد الآن.
مشى باتجاه النافذة بخطوات واثقة، كمن يعرف وجهته تماماً. فتحها، ونسمة لطيفة دخلت، ناشرةً رائحة الليل البارد.
لم يتردد.
وضع يديه على الإطار، وتطلع للحظة أخيرة إلى النجوم المتلألئة في السواد الواسع. ثم، بسلاسة مطلقة، كما تسقط ورقة شجر جافة من غصنها، قفز.