كانت مدينة المغامرين تشبه الكائن الحي الذي لا يتوقف عن النمو بطريقة مشوهة؛ أزقتها هي الشرايين التي تضخ الغرباء، وقصور نبلاؤها هي الأعضاء التي تلتهم ثمار تعب الآخرين.
وفي قلب هذا الضجيج، كان كارسو يتحرك كخيط أسود ينسلّ بين الألوان دون أن يمتزج بها.
استغل كارسو ساعات الفجر الأولى — تلك الساعات التي يسكن فيها الحرس ويسترخي فيها المحققون — ليمارس نوعاً من الاستكشاف.
لم يكن يبحث عن مخابئ للأسلحة، ولا عن طرق للهروب. كان يبحث عن "الذاكرة الورقية" للمدينة.
في أحد الأزقة الخلفية لحي "التجار الصغار"، وجد كارسو ضالته؛ حانوت قديم يعلوه غبار السنين، صاحبه عجوز كاد أن يصبح جزءاً من رفوف الكتب المهترئة التي يبيعها.
هناك، بين سجلات الضرائب الملغاة، وخرائط الملكية العقارية التي تجاوزها الزمن، تواجد هدفه.
---
رفع العجوز رأسه ببطء عندما دخل كارسو. لم تكن هناك دهشة في عينيه، فقط ذلك التقييم الصامت الذي يمارسه من قضى عمره يبيع المعرفة لمن لا يعرف قيمتها.
قال العجوز بصوتٍ أجشّ، وهو يعيد كتابًا إلى مكانه:
"إن كنتَ تبحث عن قصص البطولة، فالحانة أقرب."
أجاب كارسو بهدوء وهو يمرر نظره على العناوين الباهتة:
"أبحث عن المعرفة، لا ما يتغنون به."
توقفت يد العجوز في الهواء للحظة قصيرة، ثم أشار بذقنه نحو الرفوف الخلفية.
"الكتب، المقالات والسجلات ستجدها كما تركها اصحابها... مهملة."
اقترب كارسو من الطاولة الخشبية، تناول سجلًا سميكًا، قلب صفحاته بإتقان من يعرف كيف يتعامل مع الورق الهش.
"هل تسمح؟"
هز العجوز كتفيه بلا مبالاة:
"القراءة لا تكسر شيئًا. الكذب هو ما يفعل."
دفع كارسو قطعة فضية قديمة على الطاولة. لم تكن كثيرة، لكنها كانت نظيفة. نظر العجوز إليها، ثم إلى وجه كارسو، ولم يُعلّق.
"الطابق الأول للقراءة"، قال وهو يشير بعصاه إلى سلم خشبي ضيق. "الثاني للمخطوطات الثقيلة التي لا يسأل عنها أحد، والثالث…"
توقف لحظة، ثم أضاف:
"للأشياء التي لا تريد أن تُرى كثيرًا. سقفه منخفض، فحذر ان تصيب رأسك."
ابتسم كارسو ابتسامة خفيفة، تكاد لا تُرى.
"سأبدأ من الأعلى، إن لم تمانع."
لم يرفع العجوز رأسه هذه المرة.
"من يبدأ من الأعلى… إما يعرف ما يريد، أو جاهل."
صعد كارسو الدرج. كان الخشب يئن تحت قدميه، لا احتجاجًا، بل تذكيرًا بالعمر. كل طابق كان أهدأ من الذي تحته، حتى صار الصمت في الأعلى كثيفًا، كأن المكان يتنفس ببطء.
هناك، جلس كارسو، فتح أول سجل، وبدأ يقرأ.
لم يكن يبحث عن اسمٍ واحد…
بل عن النمط الذي يربط كل الأسماء.
بعد فترة من البحث، لم يعثر على مبتغاه حيث كان، لم يتردد كارسو طويلاً؛ فنزل سريعاً إلى الطابق الثاني.
هناك جلس، وساعة إثر ساعة، ومضى الوقت دون أن يشعر، حتى حلّ ضوء الفجر الخجول محل ظلمة الليل، ثم تبعته أشعة الشمس الدافئة تغسل أرضية الغرفة
كانت أصابعه تمرّ فوق الأسماء والديون بتمهّلٍ مخيف. لم يكن يقرأ الحاضر، بل كان يبحث عن "النبلاء الذين سقطوا من العربة".
توقف إصبعه عند اسمٍ تكرر كثيراً في سجلات الرهون العقارية المتأخرة: البارون فشارع أور-جول.
"فشارع..." تمتم كارسو في سره، بينما كان ضوء الشمعة الهزيل يراقص ملامحه الحادة. "تملك الكثير من المساحات، وقليل جداً من الاحترام. أنت الرجل الذي يبني القلاع للآخرين، ولا يجد مقعداً في صدر المجالس."
أغلق كارسو السجل بهدوء، تاركاً غبار الورق يتطاير في الهواء الخانق.
كان كارسو يعلم يقيناً ما لا يعرفه آينّد، وما لا يدركه النبلاء بعد: أن سيد المدينة يخطط لعرض شيء سيهز ركود هذه العائلات. وبمجرد أن تُطرح "بطاقات الدخول" على الطاولة، ستتحول المدينة إلى غابة من الطموح المشتعل.
ولكي يدخل كارسو تلك الغابة، لم يكن بحاجة لسيفه.. بل كان بحاجة لـ "طفيلي" يلتصق بظهره ليعبر به الأبواب التي لا تفتحها إلا الدماء الهادئة.
خرج كارسو من الحانوت مع بزوغ أول خيوط الشمس، واستنشق هواء الفجر البارد. نظر نحو البرج المركزي للمدينة، وتمتم ببرود:
"أمامنا ثلاثة أيام قبل أن ينتهي الهدوء.. ثلاثة أيام لأجعل الخنزير يتوهم بأنه أسد."
لم يعد كارسو إلى النُزل مباشرة.
بدلًا من ذلك، انحرف عن الطريق التجاري الرئيسي، وسلك المسار الذي يلتف حول المخازن الضخمة حيث تتكدس ثروات العائلات النبيلة خلف جدرانٍ سميكة وشعارات فخمة.
توقف عند تلة منخفضة تشرف على مخازن أور-جول.
من هناك، رأى فشارع يترجل من عربته المزخرفة. لم يكن دخوله مهيبًا؛ كان صاخبًا. صوته يعلو وهو يصرخ في وجه أحد الحمالين بعد أن سقط صندوق بُراد حديد أرضًا.
احمرّ وجهه، وبانت عروق رقبته، بينما التف حوله الحراس بملامح متعبة… لا قلق فيها.
راقب كارسو المشهد ببرودٍ خالص.
لم يكن ينظر إلى الغضب، بل إلى ما يكشفه.
لاحظ أن دروع الحراس بسيطة، مرتزقة بلا شارات.
لاحظ أن فشارع يتجنب النظر في أعين التجار المارين، وكأن صراخه محاولة يائسة لردم شعورٍ أعمق.
لكن الملاحظة الأهم لم تكن مرئية.
عندما بلغ غضب فشارع ذروته، ارتجف السديم المحيط به، وخرج دون سيطرة. لم يكن قويًا… بل مهتزًا، متشققًا، كزجاجٍ رديء الصنع.
رفع كارسو حاجبه قليلًا.
"سديم ينفلت مع المشاعر؟… هذا تصدع الجوف!"
ابتسامة خفيفة مرّت على شفتيه.
"موهبة منعدمة، مستقبل واضح للفشل، هذا يفسر نظرة الكتاب عندما وصفوه بلمنبوذ"
انسحب فشارع إلى داخل أحد المخازن وهو يصرخ بكلمات مبعثرة عن الحسد والظلم. انقسم الحراس تلقائيًا؛ اثنان بقيا في الخارج، واثنان تبعاه.
لاحظ كارسو ذلك فورًا.
حراس شخصيون يحمون المخازن؟
إما خوف… أو ضائقة.
شدّ معطفه قليلًا، وأخرج من جيبه الداخلي ساعة سوداء الحواف بعقارب فضية. نظر إليها. السابعة تقريبًا.
وقت الفطور.
لم يبتسم، لكنه قرر.
عاد بخطوات هادئة نحو النُزل، ودخل غرفته عبر النافذة المفتوحة قبل دقائق من الثامنة. جلس خلف مكتبه، ساكنًا، يراجع الخطة في ذهنه.
طرق خفيف على الباب.
طرق… طرق.
"سيدي، أنا سيلفا. الفطور جاهز. هل أنت مستيقظ؟"
رفع كارسو بصره ببطء.
"ادخلي."
دخلت سيلفا بخطوات محسوبة، تحمل صينية خشبية بسيطة. لم تكن من الخادمات اللواتي يطرقن الأرض بأقدامهن، بل تتحرك كما لو أنها تخشى أن تُسمَع أكثر مما ينبغي.
وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة قرب النافذة. خبز طازج، بيضة مسلوقة، قطعة جبن، وكوب من شرابٍ ساخن تفوح منه رائحة الأعشاب.
قالت بصوتٍ منخفض:
"المطبخ لم يتلقَّ مؤنًا فاخرة هذا الصباح… لكن الطعام نظيف."
لم ينظر كارسو إلى الطعام فورًا. كان واقفًا قرب النافذة، يراقب ضوء الصباح وهو يتسلل بين أسطح المباني.
"النظافة كافية"، قال بلا اهتمام. "الإفراط يثقّل الذهن."
جلست سيلفا على طرف الكرسي المقابل، كما جرت العادة مع النزلاء الدائمين. لم تكن مرتاحة، لكنها لم تُظهر ذلك. راقبها كارسو للحظة، لا بعين رجلٍ ينظر لامرأة، بل بعين من يقيس مسافة.
توتر بسيط في الكتفين… لكن لا خوف.
فضول، لا قلق.
تناول الخبز، كسره ببطء، ثم قال دون أن يرفع نظره:
"سيلفا… كم نزيلًا دائمًا يقيم هنا حاليًا؟"
تفاجأت بالسؤال، لكنها أجابت فورًا:
"ثلاثة عشر، سيدي. أغلبهم مغامرون من الدرجة الثانية… واثنان من تجار الأطراف."
هزّ رأسه، كأنه يؤكد معلومة يعرفها مسبقًا.
"وأيهم يدفع في الموعد… وأيهم يتأخر؟"
ترددت لحظة. ثم قالت بحذر:
"التجار… يدفعون، لكنهم يساومون. المغامرون يتأخرون… لكنهم لا يكذبون."
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي كارسو.
"والنبلاء؟"
رفعت حاجبيها قليلًا.
"لا يقيمون هنا، سيدي. هذا النزل لا يناسبهم."
"لكنهم يمرّون."
صمتت ثانية. هذه المرة أطول.
"نعم… أحيانًا. للتفاخر، أو للبحث عن شخصٍ لا يريدون رؤيته في قصورهم."
التقط كارسو البيضة، طرق قشرتها بخفة، ثم قال:
"ومن آخر نبيلٍ مرّ من هنا؟"
أخفضت سيلفا صوتها غريزيًا، رغم أن الغرفة كانت خالية.
"بارون أور-جول… فشارع. جاء قبل أيام. لم يدخل، لكنه أرسل أحد رجاله يسأل عن أسماء النزلاء."
لم يُظهر كارسو أي رد فعل. لكنه أكل بهدوء.
"هل سأل عني؟"
ترددت، ثم هزّت رأسها.
"لا… لكنه توقف عند باب النزل. نظر إلى الداخل طويلًا. كأنه… كان يتأكد من شيء."
رفع كارسو بصره أخيرًا. نظر إليها نظرة قصيرة، مركزة.
"سيلفا، منذ متى تعملين هنا؟"
"أربع سنوات."
"هل تحبين هذا العمل؟"
سؤال بسيط… لكنه لم يكن بريئًا.
ابتسمت ابتسامة باهتة.
"هو… عمل."
وضع كارسو قطعة الخبز جانبًا، ومسح يديه بهدوء.
"في الأيام القادمة، سيكثر الزوار من غير المعتاد. أشخاص لا يحبون أن يُلاحظوا، لكنهم يكرهون أن يُتجاهلوا."
نهض ببطء.
"إن سألك أحد عني، قولي إنني مغامر."
ثم أضاف، وهو يلتقط معطفه:
"وإن عاد أو أحد اشباهِه… أخبريني فورًا. لا بأس إن تأخر الفطور يومًا."
لم تفهم سيلفا كل ما قيل، لكنها فهمت شيئًا واحدًا بوضوح:
هذا الرجل لا يطلب… بل يضع الأشياء في مكانها.
"كما تشاء، سيدي."
فتح الباب، ثم توقف لحظة.
"سيلفا…"
التفتت.
"الذين يراقبون النزل، يظنون أنهم غير مرئيين. لا تصححي لهم هذا الوهم."
خرج، تاركا سيلفا خلفه بهدوء.
جلست سيلفا مكانها للحظة طويلة، تنظر إلى الصينية البسيطة. ثم، دون أن تدري لماذا، شعرت أن النزل بأكمله أصبح… أخف وزنًا، كأن شيئًا ما قد تحرّك من موضعه الصحيح.
"لم يكن هذا ما توقعت حصوله... حسنًا هذا بتأكيد افضل" تمتمت بهدوء وهي تنظر مطولاً لسرير كارسو.
انحرفت عيناها للحظة نحو المكان الذي سحب منه كارسو معطفه، فوجدت عملة لامعة تنتظرها. التقطتها، ثم خرجت هي الأخرى.
---
في هذه الأثناء، كان زوجٌ من الأعين الهادئة يراقب المدينة عبر شرفة عملاقة تطل على جزء فسيح من مدينة المغامرين. كان الرجل يتأمل التجار وهم ينصبون بسطاتهم، ويراقب تبديل لوائح المهام أمام النقابة تزامناً مع تدفق حشود المغامرين نحوها.
شبك الرجل يديه خلف ظهره بوقار يوحي بالسيطرة، وبرزت ابتسامة خفيفة على وجهه أظهرت تفاصيل تجاعيده بوضوح. خلفه، كانت تقبع طاولة مستديرة يحيط بها سبعة مقاعد خشبية، أمام كل منها اسم ورقم.
التفت وهو لا يزال محتفظاً بابتسامته، ثم توجه إلى مقعده المنفرد في صدر الطاولة. جلس بهدوء واضعاً مرفقيه على السطح الخشبي، ثم شبك أصابعه ونظر إليهم بعيون حادة وواثقة قائلاً:
"لنناقش مسألة (عناصر القز) التي وجدناها في كتاب (جذور القز الخمسة)".
في تلك اللحظة، كانت المقاعد الستة الأخرى قد امتلأت بوجوه تباينت تعابيرها ما بين الجدية الصارمة، والحماس، والتوتر المكتوم.
---
[بعد ساعات من الأجتماع]
انتهى الأجتماع، وتم تقرير كل من الهدف والسبب والأهم الطريقة.
وبعد جدالٍ لم يخلُ من الحِدّة، استقر رأي المجلس الأعلى على آلية واحدة لنشر الدعوات، آلية قديمة في ظاهرها… لكنها بالغة التعقيد في جوهرها.
طريقة فال.
ليست رقًّا مختومًا، ولا شعارًا محفورًا، ولا ختمًا يُطبع على الشمع.
بل دعوة تُستدعى عبر الدم… وتُفعّل بالمشاعر.
تُمنح كل عائلة نبيلة في المدينة حقّ دعوة واحدة فقط، لا أكثر.
ولا تُفعَّل الدعوة إلا بشرطين صارمين:
الأول:
أن يكون دم المُدَّعي نبيلًا خالصًا.
الثاني:
أن يكون قلبه ساكنًا.
لا خوف.
لا تردد.
لا غضب.
لا اضطراب.
فالدعوة لا تستجيب إلا لنفسٍ مستقرة، وإرادة واعية.
أما القانون الوحيد، فقد كان ضمانة المجلس ضد الطمع والتجارة:
أي عائلة تُقدم على بيع دعوتها، أو التنازل عنها، أو التلاعب بها بأي شكل…
تُحرَم تلقائيًا من حضور المؤتمر التالي، أيًّا كان مضمونه أو أهميته.
وهكذا، تحوّلت الدعوة إلى أكثر من مجرد إذن دخول.
صارت امتيازًا عائليًا، ورمز مكانة، وفرصة قد لا تتكرر.
كان المجلس يدرك جيدًا أن المنع لا يكفي.
لكن الإغراء… والندرة…
كفيلان بجعل النبلاء يتشبثون بحقهم بدل التفريط به.
وبذلك، ظنّوا أنهم أحكموا الإغلاق.
---
[في مخزن البضائع الغربي التابع لفشارع <أور-جول>]
عاد كارسو إلى المخزن فور انتهاء حديثه مع سليفا.
يقع المخزن فوق تلٍّ مرتفع نسبيًا، ممتدًّا على مساحة شاسعة تلامس الأفق.
كان هذا المخزن — الذي ورثه فشارع عن أبيه قبل سنوات — مختلفًا تمامًا عمّا هو عليه الآن.
ففي الماضي، كانت أكثر من ثلاث قوافل تفد إليه وتغادره كل عام. أمّا اليوم، فلم يعد يتجاوز الأمر قافلة واحدة.
وكانت تجارته تقوم على المعدن والقز معًا، لكن تركيزه انحصر لاحقًا في المعدن وحده، متجاهلًا القز كليًا.
المخزن الذي كان يومًا يغطي احتياجات مدينة المغامرين كاملة، لم يعد سوى نقطة تصريف محدودة.
غير أن التراجع لم يتوقف عند التجارة فقط.
فقد كان يعمل فيه ما يقارب مئةً وعشرة عمّال، أمّا الآن — رغم بقاء الأجور زهيدة كما هي — فلم يتبقَّ سوى عشرين عاملًا ومغامر واحد بدل تسعة.
واستُبدل الحرس النظاميون بمرتزقة أقل كلفة.
كان التدهور مستمرًا.
وما يزال.
[بقلم شغفاري دنترول، من كتاب: "أصل التجارة عند أهل الشرق في المدينة الحرة وحالها"]
التاريخ: 1476 ج.ل
امتدّ نظر كارسو على صفوف المخازن الخاوية، وتوقّف عند البرج الحجري الذي بدأ يتآكل طرفه الشمالي.
مرّت الكلمات في ذهنه كما لو أنّه يقرؤها من جديد.
همهم بخفوت:
"كان محقًّا… على الأقل في الجزء المتعلّق بالتدهور."
وللحظة.. لحظةٍ واحدةٍ فقط، تفكك الجمود على وجه كارسو لتنبثق منه ابتسامةً مريرة، غير بشرية، كشفت عن لمعان أنيابه.. بينما اشتعلت في عينيه ذبالةُ ضوءٍ لم تكن تنتمي لهذا العالم.
"العرض...بدأ"
---
خلف أسوار مخازن أور-جول، كان الفجر يتسلّل ببطء، خيوط رمادية باهتة تزحف فوق الأسطح المعدنية الصدئة. لم يكن المكان نائماً… بل كان صامتاً بطريقة مشبوهة، صمتاً مشبعاً برائحة الحديد العتيق والترقّب.
ثم انشقّ السكون.
دويٌّ مكتوم، ليس انفجاراً بارودياً، بل تخلخلٌ مفاجئ في الضغط. اهتزّت الأرض كما لو أن الهواء نفسه انكمش ثم ارتدّ بعنف، موجة ثقيلة مرّت عبر الجدران قبل أن تُسمع.
أعقب ذلك هسيسٌ طويل.
الحجارة لم تتشقق… بل تفتّتت، تحوّلت إلى غبار رمادي انساب ببطء في الضوء الشاحب. ثم سقطت البوابة الحديدية بارتطامٍ عميق جعل كل قطعة معدن في المخازن تطنّ، رنينٌ متداخل كأن المكان بأسره يعزف سيمفونية مختنقة من الألم.
وسط الضجيج الذي بدأ يخمد تدريجياً، كان كارسو يتحرك.
لا صوت له… سوى النقر المنتظم لحذائه فوق برادة الحديد.
تك.
تك.
تك.
صوتٌ دقيق، محسوب، كعدّادٍ تنازليٍّ لشيءٍ لن يُلغى.