المجلد الاول : عودة الشيطان .

طرق… طرق…

كانت الدماء تسيل على الأرض مثل نهر ملعون، وكانت رائحة الجثث المعفنة تملأ المكان كله.

وقف رجل في منتصف الخمسينات على جبل من الجثث، يرتدي معطفًا أسود ووشاحًا أحمر قرمزيًا. في يده كتاب محمل برموز خيميائية، وابتسمت شفتاه بصعوبة وهو ينظر إلى المخلوق أمامه: فارس من لحم ودرع، فمه مخيط ويحمل سيفًا مكسورًا دامياً.

"لقد ولدت في عائلة سعيدة… كنت ابن دوقية، وعلى الرغم من أني لم أملك جذر مانا، لم أتوقع أن يحدث لي كل هذا.

لا أتذكر كم مر الزمن منذ تحولي إلى هذا الشيء… ربما أشهر، أو سنوات… لا أعلم، ولا أريد أن أعلم. لقد فقدت كل شيء… أختي أصبحت محظية، وأخي اختفى، وأبي مات، وأمي انتحرت… لم يبقَ لي شيء. أنا كنت إدريس دي فيرانو… على الأقل هذا ما بقي لي."

كانت هذه أفكار إدريس، بينما كان يخرج السيف المكسور من أحشاء الجثة. فقد إحساسه منذ زمن بعيد؛ لم يعد يبكي، ولم يعد يغضب.

"أحسنت يا إدريس، الآن خذ الجثة وضعها هناك"، قال الرجل بصوت صارم.

بحركة بطيئة، أمسك إدريس بالجثة ووضعها في مكانها على النجمة السداسية المرسومة على الأرض. نزل الرجل من جبل الجثث، وربت على

كتف إدريس وقال بفخر وسادية:

"أنت حقًا تجربتي الأكثر نجاحًا. لقد منحتك القوة التي تمنيتها… أليس كذلك؟"

حدق إدريس به بصمت، ثم بصق الرجل في وجهه بسخرية، وأخرج كتابه وبدأ بترديد تعويذة غامضة.

أضاءت كلتا يديه بشكل قوي، اليد اليسرى حاملة رمز الماء، واليمنى رمز النار. حرك يده، وبدأت الدماء تتجمع حول النجمة السداسية.

كانت هذه إحدى طرق الخيمياء في هذا العالم: الخيمياء الشيطانية التي منحها الشيطان للبشر ليجعلهم ينقلبون على بعضهم البعض.

إدريس كان ينظر بصمت، بلا ذرة خوف. فقد أزال العجوز جزء الدماغ المسؤول عن الخوف، ليصبح هيمولنكس.

"تقدم يا إدريس"، قال الرجل ببرود.

مشى إدريس حتى وصل إلى الجثة، لكنه صدم حين طعنه الرجل بسيف في صدره. تناثرت دماؤه واختلطت بدماء الأرض. لم يدرك ما حدث.

"هل هذه نهايتي؟ هل سينتهي كل عذابي؟ لم أفعل شيئًا لأنتقم من العالم الذي كسرني ودمر حياتي… إذا مت هنا، سينساني الجميع. لا… لا أريد الموت!"

حدق الرجل به وقال بصوت عالي:

"أيها سيد الشراهة، شيطان الهاوية، وسيد العلوم القدمية… احمل شرف العلم يا سيدي بيلزبوب، يا سيد الذباب!"

نظر إدريس برعب خلف الرجل، وكان هناك كيان يتشكل من دماء الجثث، جسده بشري، وجناحيه خفاشان، ورأسه عنز. حرك رأسه بشكل دوّار وقال بصوت شيطاني:

"أيها الخيميائي الذي ينبح، انحني لسيدك!"

سرعان ما انحنى الرجل بكل خوف ورعب. كان الكيان مرعبًا حتى بالنسبة لإدريس الذي رأى كل أنواع الشياطين في حياته.

تحركت أعين الشيطان نحو الرجل وقال: "أنت تطلب علمي، أيها الخيميائي، فلنرى إن كنت قادرًا على تحمله."

نظر الرجل إليه برعب وقال: "ماذا… ولكن…"

انفجر رأس الرجل، وسقطت جثته التي كانت تتهتز بجنون. ضحك الشيطان بفخر، ثم نظر إلى إدريس وقال:

"بما أنه لم يكن يستحق، اعتبر أنك أنت من ضحى به، ليس العكس. أرى فيك شيئًا… لنرى إن كنت ستتحمله."

فجأة، شعر إدريس بألم هائل في رأسه، وسمع مئات الصرخات في أذنه، وراى آلاف النجوم والرموز أمامه. عندما فتح عينيه، وجد نفسه أمام الشيطان الذي ابتسم له وقال:

"أحسنت يا إدريس… كنت عند حسن ظني بك."

تحدث إدريس برعب، بعدما شعر أن الخيوط التي كانت على فمه قد اختفت: "من أنت؟"

حرك الشيطان رأسه بشكل دوّار كامل: "أنا سيد الذباب، معلم سجل الشراهة… أنا بيلزبوب، خطيئة الشراهة، وأنت يا عززي اجتزت اختباري."

"أنا لا أريد شيء منك… أريد الموت فقط."

تنهد بيلزبوب بنفاد صبر، وحرك يده بنزعاج: "هيا يا إدريس… ألا تريد هذه القوة؟ ألا تريد سجل الشراهة وتغيير قدرك؟"

نظر إليه إدريس بصدمه: "قدري؟ عن ماذا تتحدث أيها الشيطان اللعين؟"

ابتسم بيلزبوب: "نعم… تستطيع تغيير قدرك يا إدريس دي فيرانو. هل تريد أن تصلح كل شيء في الماضي وتنتقم من العالم الذي خانك؟"

تذكر إدريس كل ذكرياته الملعونة، التي كانت تطارده كالكوابيس، وشعر برغبة شديدة في الانتقام وتدمير الجميع.

ضحك بيلزبوب بقوة: "هاه… أنت ذا! سأمنحك كل القوة التي تريدها، لأنك عشت ما يكفي من الألم لتوفي شروط سجل الشراهة… لكن تذكر، لا انسحاب من هذا العقد."

"وماذا تريد بالمقابل؟"

"عينك اليسرى… هذا كل شيء."

مد بيلزبوب يده، أمسك بوجه إدريس، واقتلع عينه اليسرى. صرخ إدريس بألم لم يسبق له مثيل، رغم كل ما عاشه من تجارب العجوز. سمع صوت بيلزبوب يقول:

"حظًا موفقًا يا عزيزي… ستحتاج هذه القوة حقًا."

شعر إدريس بألم في رأسه يتلاشى تدريجيًا، وعندما فتح عينيه، وجد نفسه في غرفته القديمة، عندما كان في الثالثة عشرة من عمره. قفز من السرير ونظر إلى نفسه في المرآة، وضحك بقوة… كانت أول مرة يضحك فيها منذ زمن طويل.

لاحظ أن عينه اليسرى كانت تشع بلون أحمر قرمزي، وعليها رمز النجمة السداسية.

"لقد عدت… شكرًا لك يا بيلزبوب. لقد منحتني شيئًا لن أنساه طوال حياتي… الآن سأري هذا العالم اللعين من هو الشيطان الحقيقي."

حدق إدريس في نفسه طويلاً، حتى سمع طرقًا على الباب: "سيدي الشاب… هل استيقظت؟"

كان الصوت باردًا وكريهًا على الرغم من نعومته الأنثوية. ابتسم إدريس وقال بصوت منزعج: "تفضلي يا كولاديا."

دخلت خادمة طويلة، ذات شعر أ

صفر فاقع وعينين خضراوين لامعتين، جسدها متأثر. كانت خادمته الشخصية التي جلبت له الألم وسخرت منه دائمًا. لطالما كرهها.

"أنت عديم الفائدة… مت، أيها اللقيط!"

كانت تلك كلماتها دائمًا، طوال السنوات التي عذبته فيها. لم يكن يأكل سوى حساء باهت، وعندما يعترض كانت تضربه.

جرت كولاديا الحساء ببطء، ثم فتحت الغطاء، وكان نفس الحساء القذر. نظرت له باحتقار، متسائلة لماذا تخدم شخصًا ضعيفًا ومهمشًا مثل له لو انها خدمت السيدة لوسيا لكان أفضل لها، لكنها كانت مضطرة لخدمة هذا الطفل الضعيف.

"سيدي، الإفطار جاهز"، قالت بصوت جاف، وعيناها تكاد تخترق جسده.

نظر إليها إدريس وابتسم بتسلط: "أين هو سباستيان يا كولاديا؟"

لم تجب، بل بقيت صامتة، خوفًا من أن تضربه لاحقًا.

"هكذا إذا…"

لم تدرك كولاديا أن الحساء الحار قد سكب على رأسها. كانت مصدومة ومؤلمة. عندما نظر إليها إدريس، وجد على وجهه علامات الاحتقار والكراهية، شيء لم تره فيه من قبل.

"هي ثلاث كلمات أريدها منك. نعم يا سيدي، هل هذا مفهوم؟"

أجابت كولاديا وهي تبكي: "نعم يا سيدي."

ضحك إدريس بتلذذ، فهو يشعر بالانتقام لأول مرة منذ سنوات. وضع السكين على الطاولة، ثم رمى لها منشفة: "نظفي، واحضري لي سباستيان، ووجبة إفطار حقيقية، وحضري بعده الحمام."

أمسكت كولاديا بالمنشفة بصعوبة وبدأت تمسح، ثم خرجت منحنية بصمت.

بعد خروجها، ضحك إدريس بقوة… كان شعورًا رائعًا، وكانت هذه البداية فقط.

"سأريكم أيها اللقطاء من هو إدريس دي فيرانو!"

مرت عدة لحظات حتى طرق أحدهم الباب. ظهر فتى صغير ذو وجه جميل وبرئ، نظر إلى إدريس بخجل وقال: "سيدي… هل طلبتني؟"

نظر إليه إدريس بسعادة: "سباستيان… أين كنت؟"

ركض إدريس إليه واحتضنه بقوة. كان هذا الخادم هو الشخص الوحيد الذي بقي معه خلال كل محن حياته، حتى قتل مدافعًا عنه.

بدأت أعين إدريس تذرف الدموع بشكل لا يصدق. لقد مر وقت طويل منذ أن شعر بالحزن والفرح…

2025/09/20 · 11 مشاهدة · 1088 كلمة
نادي الروايات - 2026