المجلد الاول : عودة الشيطان

كان سيباستيان يحدّق في سيده بفضولٍ وقلق، فلم يره يومًا يضحك بهذا الشكل. مسح إدريس دموعه ببطء، ثم التفت إليه قائلاً بصوتٍ هادئ لكن حاد:

"هيّا يا سيباستيان، لدينا عمل كثير."

أومأ سيباستيان بابتسامة صغيرة، وكأنه يطمئن نفسه أن سيده لم يفقد عقله تمامًا. كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها إدريس بهذا القدر من الحماس، خالياً من الحزن المعتاد الذي كان يغلفه مثل كفنٍ ثقيل.

"حاضر... يا سيدي."

رمقه إدريس بنظرة ضيقة وقال ببرودٍ ساخر:

"لا تنادِني بسيدي. نادِني بأخي. فهمت؟"

توقف سيباستيان لبرهة، متفاجئًا من الطلب، ثم ابتسم بتردد:

"كما تريد... يا أخي."

ربت إدريس على رأسه برفق على غير عادته، ثم أشار بيده:

"هكذا أريدك أن تكون. هيا، لقد أخبرت كولاديا أن تحضر الإفطار."

بعد لحظات، دخلت كولاديا بهدوءٍ وكأنها تحاول إخفاء وجودها. وضعت الطاولة بصمت وكشفت عن الأصناف. تسعت عينا سيباستيان بدهشة؛ فقد كانت هذه أول مرة يرى سيده يتناول إفطارًا حقيقياً بدلاً من الحساء البائس المعتاد.

جلس إدريس على الكرسي ببطء، تناول شريحة بيض ساخنة ووضعها في فمه بلا مبالاة قبل أن يسأل:

"هل الحمّام جاهز؟"

"نعم، يا سيدي."

"والملابس؟"

"نعم، يا سيدي."

أشار إدريس بيده ببرودٍ قاتل:

"إذن اغربي عن وجهي."

انحنت كولاديا بخضوعٍ لم تعتد عليه ثم خرجت دون أن تنطق بكلمة. كان سيباستيان يراقب بصمت؛ قلبه يخفق خوفاً من رد فعل الخادمة، لكنه انصدم حين رآها تطيع بهدوء.

ابتسم إدريس وهو يمضغ الخبز بشراهة، ثم التفت إلى سيباستيان ومد له قطعة خبز:

"ما بك؟ هل أنت جائع؟ تعال وكُل. لا أستطيع إنهاء هذا الإفطار وحدي."

أخذ سيباستيان الخبز بحذر، لكنه ظل غارقاً في أفكاره. هل كان سيده يخفي كل هذه السنوات نفسه الحقيقية خلف قناع الخوف؟ كيف لم يلاحظ ذلك من قبل؟

ضحك إدريس بخفة، وكأنه قرأ أفكاره، ثم قال:

"أعلم أن تغيّري المفاجئ يربكك، لكن... لنقل إنني سئمت الموت البطيء في أحزاني. حان الوقت لأعيش، لا لأبقى ضحية."

ابتسم سيباستيان بصدق لأول مرة منذ زمن طويل:

"أنا سعيد بسماع ذلك، يا أخي."

بعد الإفطار، توجه إدريس إلى الحمّام. غاص في المياه الساخنة حتى غطى رأسه بالكامل، شعر بالحرارة تحرق جلده وكأنها تعيد له الحياة التي سُلبت منه. منذ كم مضى على آخر مرة شعر فيها بالدفء؟ لقد كان جسده طوال تلك السنوات بارداً كالميت.

تمتم بصوتٍ خافتٍ يقطر حقداً:

"ذلك الخيميائي العجوز... سأجده. سأعذّبه حتى يتوسل الموت، لكنه لن يحصل عليه. وداريوس فالدريك... اللقيط الذي دمّر عائلتي... سأجعلكم تدفعون جميعاً. الموت سيكون رحمة أمام ما سأفعل بكم."

ارتجفت يده حتى غاصت أظافره في جلده، وسالت قطرات الدم في الماء، بينما انتفخت عروقه وبرزت على ساعديه. فجأةً، اشتعلت عينه اليسرى بضوء قرمزي، وظهر على سطحها نقش نجمة سداسية يضيء بوهجٍ مخيف.

ارتفع أمامه شيء أشبه بـ نافذة حمراء ، تحيط بها زخارف بيضاء مضيئة:

(تم تفعيل نظام: سِجِلّ الشراهة. هل ترغب في البدء؟)

[نعم] [لا]

تسارع نبض إدريس، ثم ضحك بخفة وقال بصوتٍ مرتجف:

"سِجِلّ الشراهة..."

مد إصبعه وضغط على كلمة "نعم".

(اكتمل التحميل.) (مرحباً بك، إدريس دي فيرانو، في سجلّ الشراهة.)

رفع إدريس حاجبه وابتسم ابتسامة باردة:

"إذن... هذا ما وعدني به بيلزبوب."

(نعم يا سيد إدريس، هذا هو سجلّ شيطان الشراهة بيلزبوب، ويحمل علمه كاملاً.)

لمع بريق غريب في عيني إدريس وهو يتمتم:

"لنرَ ما يمكنك فعله..."

(هل ترغب في عرض القدرات والمهارات المتاحة؟)

ضحك إدريس ضحكة قصيرة ثم قال:

"أرني كل شيء."

وهنا... تغيّر الضوء في الغرفة، وكأن جدران الحمام نفسها تراقب ما سيحصل تاليًا.

2025/09/21 · 6 مشاهدة · 541 كلمة
نادي الروايات - 2026