في قمة برج الخلود، حيث تعانق الغيوم القرمزية سماء إمبراطورية إريثيا العظيمة، وقف الإمبراطور فاليرون، الحاكم المطلق للقارات السبع، ينظر إلى الأسفل حيث ترقد جيوش الأعداء المنهزمة. الرياح الباردة تداعب عباءته السوداء المنسوجة من خيوط الظلام الخالصة، بينما يلمع سيفه الأسطوري بقطرات دماء الوحوش التي ذبحها للتو. لقد انتهت الحرب الطويلة أخيرا، وتوحد العالم بأسره تحت رايته وحكمه. لم يكن هناك في هذا العالم الواسع من يضاهيه في القوة، ولم يكن هناك من يجرؤ على تحدي جبروته السحري أو الجسدي.
التفت فاليرون بابتسامة نادرة نحو رفيق دربه، كاسيل، الفارس الأعظم الذي خاض معه آلاف المعارك، والذي اعتبره أكثر من مجرد أخ. قال فاليرون بصوت أجش يحمل تعب السنين: "لقد فعلناها يا كاسيل. انتهى عصر الحروب والدماء، وسيبدأ عصر السلام الذي حلمنا به طويلا وكافحنا من أجله".
تقدم كاسيل بخطوات هادئة وبطيئة، وكانت عيناه مخفيتين بالكامل خلف خوذته الذهبية اللامعة. مد يده وكأنه يعانق صديقه وسيده، ولكن في كسر من الثانية، وبسرعة تتجاوز إدراك الحواس، شعر فاليرون ببرودة جليدية مرعبة تخترق قلبه وتمرق من ظهره.
اتسعت عينا الإمبراطور الأعظم في صدمة غير مصدقة. نظر إلى الأسفل ليجد نصل خنجر الفراغ الملعون، السلاح الوحيد المنسي القادر على تمزيق الروح وامتصاص السحر، مغروزا في منتصف صدره. الدماء الذهبية التي تمثل طاقته الحيوية الخالصة بدأت تتدفق بقوة وتُمتص بواسطة الخنجر بشراهة. سقط الإمبراطور الذي لم يُقهر يوما على ركبتيه، وهو يلهث محاولا استيعاب ما يحدث. رفع رأسه ليرى وجه كاسيل الذي خلع خوذته للتو، وكانت تعلوه ابتسامة ملتوية مليئة بالجشع والطمع والانتصار الخبيث.
قال كاسيل بصوت بارد كجليد الشمال: "عصر السلام الذي تتحدث عنه لا يحتاج إلى إمبراطور قوي ومستبد مثلك يا فاليرون. قوتك الهائلة أصبحت تشكل تهديدا لنا جميعا، ولا أحد يريد العيش تحت ظلك المرعب. لقد اتفقت مع حكام القارات الأخرى... يجب أن تموت هنا، وطاقتك العظيمة ستصبح الأساس الذي سنبني عليه حكمنا الأبدي وسلطتنا المطلقة".
حاول فاليرون استدعاء سحره المدمر، لكن خنجر الفراغ كان يمزق شبكة طاقته الداخلية بلا رحمة، ويشل كل حركة في جسده المنهار. ومع آخر نبضة من قلبه، صرخ فاليرون صرخة غضب هزت أركان البرج وقصمت الغيوم، قاطعا عهدا بأن روحه لن ترتاح حتى تذيق الخائنين عذاب الجحيم، ثم غاص في ظلام أبدي وموحش لا نهاية له.
مرت السنوات، أو ربما القرون، في ذلك الفراغ الأسود الدامس. لم يشعر بالوقت، بل بشظايا روحه تطفو في محيط من الصمت والعدم. وفجأة، بدون سابق إنذار، اخترق شعاع من النور ذلك الظلام الحالك. شعر بألم حاد يمزق كيانه، ألم جسدي حقيقي ومبرح لم يشعر به منذ قرون طويلة. فتح فاليرون عينيه بصعوبة بالغة ورمش عدة مرات، ليقابله سقف خشبي متعفن تقطر منه مياه قذرة. رائحة الرطوبة والدماء الفاسدة زكمت أنفه وجعلته يسعل بقوة.
حاول التحرك والنهوض، لكن جسده صرخ من الألم. كل عضلة، كل عظمة كانت تئن وكأنها تحطمت وطُحنت للتو. نظر إلى يديه المرتجفتين، وتوسعت عيناه في رعب وصدمة. هذه لم تكن يديه المليئتين بالندوب العظيمة والعضلات المفتولة التي بنيت في ساحات المعارك. كانت يدان نحيلتين، هزيلتين بشكل مرعب، ومغطيتين بالكدمات الزرقاء والجروح الطرية النازفة. أين هو؟ وما هذا الجسد الضعيف المثير للشفقة الذي يسكنه؟
في تلك اللحظة بالذات، اجتاح سيل من الذكريات الغريبة عقله كإعصار مدمر. صرخ ممسكا برأسه وهو يرى ومضات سريعة من حياة لم يعشها يوما. ذكريات لشاب يحمل نفس اسمه، "فاليرون"، الابن غير الشرعي والمنبوذ لعائلة فانديل النبيلة في عصر مختلف تماما. شاب وُلد بدون أي قطرة من الطاقة السحرية، مما جعله عار العائلة الأكبر ومحط سخرية وتنمر الجميع. وتذكر اللحظات الأخيرة المأساوية لهذا الشاب، حيث قام أبناء عمومته بضربه وركله بوحشية في الأزقة الخلفية المظلمة حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، تاركين إياه ليموت وحيدا في هذه الغرفة المتروكة كالنفايات.
أدرك الإمبراطور العظيم الحقيقة القاسية التي تفرض نفسها. لقد مات في الماضي حقا، وتناسخت روحه في جسد هذا الفتى الضعيف الذي يحمل اسمه، في زمن متطور لا يعرف عنه شيئا. الأسوأ من ذلك، اكتشف أن طاقته السحرية الهائلة التي أرعبت العالم قديما قد اختفت تماما. هو الآن مجرد إنسان عادي، بل أضعف من العادي بكثير، في عالم قاسي يحكمه الأقوياء وتدوس فيه القوة على الضعفاء.
أسند ظهره المكسور إلى الجدار الحجري البارد، وهو يلهث بصعوبة. الغضب القديم بدأ يغلي في عروقه كالبركان الثائر. "كاسيل... أقسم بكل ما تبقى من روحي، سأعود، وسأنتزع قلبك بيدي هاتين الضعيفتين، سأدمر كل ما بنيته على جثتي وأحيل إمبراطوريتك إلى رماد"، همس فاليرون بصوت مرعب وحاقد لا يتناسب أبدا مع مظهره وجسده الهزيل.
وبينما هو غارق في غضبه العارم ويأسه من حالته الجسدية المزرية، رن صوت ميكانيكي غريب ومحايد تماما في رأسه، صوت خالي من أي مشاعر، لم يسمع مثله من قبل في حياته السابقة ولا في ذكريات الجسد الجديد.
(تم اكتشاف روح متوافقة تتجاوز الحدود المسموحة).
(جاري فحص حالة الجسد المضيف... الجسد في حالة حرجة).
(جاري بدء عملية الدمج الاضطراري).
(تم الدمج بنجاح).
فجأة، ظهرت أمامه شاشة زرقاء نصف شفافة تطفو في الهواء، تضيء الغرفة المظلمة بضوء خافت، ومكتوب عليها بلغة واضحة وساطعة:
(مرحبا بك يا فاليرون. تم تفعيل نظام الحاكم المطلق بنجاح. لقد تم اختيارك لتكون اللاعب الوحيد والأخير في هذا العالم. هل تقبل العهد وتبدأ رحلة الانتقام والتطور؟)
حدق فاليرون في الشاشة العائمة أمامه ببرود. لم يكن يعلم ما هو هذا "النظام"، لكنه كان يشعر بقوة خفية وغريبة تنبعث منه، قوة تتجاوز السحر القديم والقوانين الطبيعية التي كان يعرفها. ضاقت عيناه الحمراوان، وابتسم ابتسامة باردة ومرعبة، ابتسامة إمبراطور عاد من الموت ليفترس العالم بأسره.
قال بصوت خافت ولكنه حازم يقطع الشك باليقين: "أقبل".