"الذباب اللعين.."

تذمر فلاد أثناء نهوضه من على سريره.

"لقد مضى أسبوع وهو على هذا الحال، هل تريدونني أن أضاجع زوجاتكم لكي تصلحوه؟"

تردد صدى صراخه بالرواق المظلم لفترة قبل أن يعود الصمت القاتل مرة أخرى.

كان الحمام بالزنزانة قد تعطل ولم تعد الفضلات تنزل، أصبح الهواء عبقًا برائحة البراز والبول، ما جعل فلاد يجعد حاجبيه في كل مرة يأخذ فيها نفسًا.

تزايدت أعداد الحشرات خصوصًا الذباب والصراصير التي انتشرت في جميع أنحاء الزنزانة.

كان يطالب بإحضار المصلح منذ فترة الآن، لكن تم تجاهله باستمرار.

عاد بشكل يائس للاستلقاء على سريره ولف نفسه بالبطانية التي استخدمها طيلة فترة سجنه.

حك حافره على الحائط في سبيل تهدئة الحكة التي كانت تنتابه منذ البارحة لكن دون جدوى، تسبب في هياجها أكثر فقط.

إنه عامه الخامس بهذه الزنزانة، لم يتوقع قط أنه وبسبب شجار بسيط قتل فيه خصمه بالخطأ سيجعله يقضي 10 سنوات بالسجن.

ولأجل ماذا؟ كان السبب تافهًا لدرجة أنه نسيه بالفعل.

في سبيل محاولته تقبل الواقع القاسي أن هذا الوكر سيصبح منزله الجديد، أقنع نفسه أنه دخل بعد أن تجاوز الـ35 عامًا، وكان قد تمتع بشبابه على أكمل وجه.

لقد قام بالتضحية بأقدامه في سبيل تغطية جزء جسده العلوي، فبعد كل شيء كان يفضل أن يقرصه البعوض في أقدامه بدلاً عن وجهه أو ظهره، ويبدو بأنه يتحمل العواقب الآن.

أراد أن يصرخ، أراد أن يبكي، لكن أكثر من ذلك أراد النوم..

-

-

-

طنين*

طنين*

طنين

"آآآه ليس بعد"

عند استيقاظه على صوت الصافرة المعتادة لم يسعه سوى تغطية أذنيه ومحاولة نيل بضع دقائق إضافية من النوم.

دق*

دق*دق

"فلاد هل تريدني أن أوقظك بدلو من البول مثل المرة الأخيرة؟"

تحطم أمله عند سماعه صوت الحارس وهو يضرب بهراوته على القضبان.

أطلق فلاد تنهدًا عميقًا وهو ينهض متثاقلاً، لا تزال الرائحة الكريهة عالقة به، أخرج يديه خارج القضبان ليتم تكبيله قبل أن يفتح الحارس الزنزانة ويخرج.

على جانبيه امتد صف من المساجين أمثاله برداء برتقالي موحد وتقدموا في صف واحد.

عبر الدرج نزلوا للطابق السفلي باتجاه المقصف أين انتشرت الطاولات والكراسي بالمكان.

"العصيدة مجددًا.."

حدق فلاد في الطبق وشهيته تكاد تكون منعدمة، لكن رغمًا عنه وضع الملعقة بفمه.

فجأة اشتدت ملامحه وكأنه تذوق قيئًا قديمًا، لم يسعه سوى البصق في الصحن.

"إنها سيئة لكن ليس بهذا السوء..."

غمغم أثناء قرقرة أمعائه.

عند إمعانه النظر في الصحن كان شكل العصيدة هو نفسه، قوام لزج فيه مواد يعلمها الأله وحده.

رغمًا عنه أخذ نفسًا عميقًا وهو يجبر نفسه على ابتلاع الأكل.

بمجرد ملء بطنه أخذ الإذن من الحراس للشرب من الحنفية محاولاً نزع الطعم المتبقي من فمه إلى أنه تفاجأ بأن مذاق الماء مر وغير مريح على نحو غريب.

"ما الخطب بحق الـ.."

كان الماء بلونه المعتاد ولا شيء يبدو متغيرًا، بصقه على الفور خوفًا من أن يكون ملوثًا وعاد لمقعده.

راقب بقية المساجين ينهون وجباتهم ويشربون بشكل طبيعي دون أي تلميح على الانزعاج وهو الشيء الذي زاد من ارتباكه وجعله يتساءل ما إن كانت حاسة تذوقه قد فسدت.

نظراً لأن الحديث بين السجناء ممنوع، أراد إخبار الحراس بالأمر لكنه سرعان ما محى الفكرة من ذهنه حيث أنهم سيجدونه مبررًا لضربه.

لا يزال يعاني من صداع خفيف لعدم نيله قسطًا كافيًا من النوم، حسب تقديره فإنه على الأرجح نام وقت الفجر، كل ذلك بسبب الذبابة اللعينة!

"بالتفكير بالأمر.."

الآن فقط كان قد لاحظ اختفاء الحكة بكاحله.

بعد إنهاء الإفطار يحين وقت الأعمال حيث يتم تقسيم السجناء لمجموعات وكل مجموعة تتولى مهمة محددة، تم اقتياده هو وبضعة آخرون لغسيل الملاءات، وهو عمل لطالما اعتبر نفسه محظوظًا لحصوله عليه.

أثناء تأدية أعمالهم اليومية راقبتهم الكاميرات وأحاط بهم الحراس المسلحون طوال اليوم.

احم*

احم *

احم

فجأة أثناء وضعه الملاءات بالغسالة اجتاحته نوبة سعال حادة من العدم، بصق فمًا مليئًا بالدم وهو يسقط أرضًا.

ارتفع صوت وشدة سعاله لدرجة أصبح التنفس فيها صعبًا، ما جعل أحد الحراس يقترب منه بحذر.

"م-ماء أريد الماء"

بالكاد همس بتلك الكلمات قبل أن يبصق المزيد من الدماء.

حمله حارسان باتجاه الوحدة الصحية حيث استلقى على سرير وفحصه الطبيب.

أعطاه بعض الماء لشربه لكن فلاد بصقه بسرعة

"اللعنة لم أقل بول الحصان بل الماء، أعطني الماء أيها اللعين.."

زمجر بشدة.

كان الطعم لا يحتمل في فمه، انتفخت أوردته بشدة واحمر وجهه.

عند رؤية عدم استقراره تراجع الطبيب بضع خطوات ليتدخل الحراس ويثبتوه في مكانه.

"ما خطبه؟"

تساءل أحدهم أثناء محاولته كبح جماح فلاد.

"يبدو بأنه يعاني من جفاف قاسٍ، لقد أعطيته الماء لكنه يرفض شربه"

زاد تخبط فلاد أكثر وكأنه سمكة خرجت للسطح.

"هل أصابه داء الكلب أم ماذا؟"

كانت الأعراض التي أظهرها تخص داء الكلب ..

"إنها أعراضه بالطبع لكن.. على حسب علمي ليس لدينا أي كلاب في السجن فكيف سيصاب به!"

أصبح الجفاف في حلق فلاد لا يحتمل، جف لعابه وتيبس لسانه، اعترى شفتيه تشققات جعلت مجرد تحريك فمه مؤلمًا.

غريزة بدائية للنجاة أوقظت بداخله، لقد علم أنه إذا لم يشرب شيئًا الآن سيموت.

لوهلة ودون أن يعلم ثبت نظراته على رقبة أحد الحراس المكشوفة بالقرب منه.

"هذا..!"

تفاجأ من الفكرة التي خطرت على باله، حاول مقاومتها لكنها كانت قد سيطرت على تفكيره بالفعل.

فتح فمه على آخره وهو يغرس أسنانه في رقبة الحارس.

"آآآآآه"

أطلق الحارس صرخة مفعمة بالألم وهو يحاول الابتعاد لكن دون جدوى.

"هذا الطعم.."

اجتاح فم فلاد حلاوة لا مثيل لها، طعم لم يسبق له أن تذوقه في حياته، دافئ ومنعش يتدفق عبر حلقه.

"أيها المسخ اللعين.."

عند عجزه عن إبعاد زميله، أخذ الحارس الثاني يضرب بطن فلاد بهراوته بضع مرات حتى أفلته.

تراجع الحارس للخلف وهو يضع يده على الجرح، غطت الدماء رقبته بالكامل

"مجنون داعر.."

لم يكمل جملته إلا وهو يرفع مسدسًا باتجاه فلاد وإصبعه على الزناد.

"بام!"

أخطأت الرصاصة المطاطية الهدف واخترقت زجاج الخزانة لتتناثر الرقاقات على فلاد.

في نفس اللحضة اندفع المزيد من الحراس ناحية فلاد الذي تجمد في مكانه محاولاً استيعاب ما يحدث.

بالرغم من عدم مقاومته إلا أنهم ثبتوه على الفور في مكانه بعد إبراحه ضربًا حتى كاد يغمى عليه.

في النهاية كعقاب له تم إيداعه الحبس الانفرادي لمدة أسبوعين وسيتم إعادة محاكمته مرة أخرى لتعديه على الحارس.

كانت الزنزانة هذه المرة أصغر بكثير من خاصته وأضيق، أشبه بغار فئران مظلم تمامًا دون أي نور.

تم إلقاؤه ككيس قمامة بالداخل، أحس بالأرضية الإسمنتية الباردة على خدوده أثناء محاولته النهوض، إلا أنه ترنح عندما ارتجفت ركبتاه وسقط مرة أخرى.

"اللعنة"

ضرب بقبضته على الأرض وهو يصر أسنانه

"ما خطبي بحق الجحيم!"

الآن وبهذه الحادثة على الأرجح لن ينال الإفراج المبكر الخاص بحسن السلوك، بل سيتم محاكمته وإضافة بضع سنوات جديدة للمدة التي يجب أن يقضيها هنا..

بصعوبة زحف باتجاه الحائط واستقر بظهره عليه.

أخذ بضعة أنفاس عميقة محاولاً جمع شتات نفسه.

"هل الدماء بتلك اللذة حقًا!"

عند تفكيره بالأمر الآن كان مفاجئًا للغاية، دون وعي مرر لسانه على أسنانه لمحاولة التقاط الطعم مرة أخرى.

"آآه.."

أطلق أنينًا خافتًا أثناء إبعاد لسانه عن أسنانه.

تحسسها بإصبعه وإذا به يتفاجأ بحجم أنيابه وحدتها عند الحافة، حتى أنها كادت تجرحه لمجرد تمرير إصبعه عليها.

كان المكان باردًا وصامتًا لدرجة سمع فيها نبضات قلبه بوضوح، دس يديه تحت إبطيه وهو يلقي نظرة من حوله ليتفاجأ بمدى وضوح رؤيته.

"هل اعتادت عيناي على الظلام بهذه السرعة!"

لم يسعه سوى التساؤل.

بخلاف حفرة صغيرة بإحدى الزوايا كمرحاض كانت الزنزانة فارغة.

مضت الأيام بلمح البصر وسرعان ما انتهت فترة عقوبته.

تم تقديم وجبة واحدة يوميًا له لكنه ولسبب يجهله لم يأكل على الإطلاق بسبب المذاق المريع للطعام.

نفس الشيء مع الماء حيث فضل الموت عطشًا على أن يشربه، لكنه وبشكل مفاجئ لم يمت.

حسب معرفته فإن الإنسان الطبيعي يموت بعد 3 أيام دون ماء.

إلا أن التغيرات التي شهدها في جسده جعلته يعيد التفكير حول ماهيته.

نمت أظافره بشكل سريع على هيئة حادة أشبه بالمثلث، تماما مثل الخاصة بأقدامه.

زادت حواسه بشكل هائل هي الأخرى، حيث أصبح بإمكانه سماع ضحكات الحراس حتى قبل اقترابهم من الزنزانة، تردد صوت خطواتهم بشكل واضح على مسامعه.

" لقد جن جنونه هو الأخر بعد ان تم عضه.."

" يالها مأساة سمعت بأنه لم يمضي عليه أسبوع منذ ان بدئ العمل هنا"

" لقد عداه ذالك المختل بداء الكلب او شيء من هذا القبيل هاهاها"

"إنه واحد منا لا تستهزئ به يارجل…"

عند اقترابهم أكثر إستطاع شم عطورهم الرخيصة وهم على الجانب الآخر من الباب الحديدي.

عند فتحهم له أصدر الباب صريرًا مزعجًا جعله يضم أذنيه على عجل.

أغمض عينيه أثناء خروجه محتميا من الضوؤ بينما أحس بحرقة طفيفة على جلده.

بالرغم من أن الحراس لم يلاحظوا الأمر إلا أنه أصبح أنحل بكثير وأشحب، غطى وجهه لحية كثيفة غير مشذبة وشعر أسود متسخ تخطى رقبته.

"هذا الإحساس مرة أخرى.."

فجأة اجتاح حلقه ذالك الجفاف، تلك الرغبة في عض أعناقهم وتذوق دمائهم.

لكنه سرعان ما كبح نفسه، فبطبيعة الحال لم يرد إمضاء بضعة أسابيع أخرى بذلك الوكر.

كان الجفاف الذي شعر به سابقًا قد هاجمه عدة مرات بالفعل في الأيام الماضية، لكنه وبشكل يائس وجد نفسه يمتص دماءه الخاصة بعد أن حاول شرب المياه إلا أنه تقيأ بشدة وأصابه إسهال حارق.

تم تكبيل كل من رجليه وقدميه أثناء اقتياده لزنزانته.

"أنا متأكد أنهم سيضيفون كمامة الكلاب على فمي إن لاحظوا أنيابي"

علم أنه إذا تكلم أو ابتسم قليلاً فقط فسيلاحظ أحدهم ذلك.

نفس الشيء مع أظافره ما جعله يبقيها على شكل قبضة طوال الوقت.

حاول قضمها سابقًا لكنه تفاجأ من صلابتها، بالرغم من أنه كان بمقدوره تقليمها بأسنانه الحادة إلا أنه تراجع عن الفكرة، فبعد كل شيء قد تكون سلاحًا ممتازًا في بيئة كالسجن.

بعد فك أصفاده تم رميه في زنزانته.

لاحض أن الحمام تم إصلاحه أخيرًا ما جعله يتنفس الصعداء أثناء وضع مؤخرته على سريره.

لأول مرة منذ سجنه نضر لزنزانته بحب وإمتنان، صدق من قال أنك لن تشعر بقيمة الشيء حتى تفقده.

الألم من الكسور بأضلاعه وركبتيه قد اختفى تمامًا بالرغم من عدم تلقيه أي علاج، لم تتبقى سوى بضع كدمات والتي ستختفي قريبًا هي الأخرى.

لم يملك أدنى فكرة عن ماهيته وما أصبح عليه و لماذا تغير هكذا، إلا أنه تخطى مرحلة الارتباك والخوف بالفعل.

"بغض النظر عن ما أنا عليه الآن، فهو ليس إنسانًا بالتأكيد"

-

-

-

التعليق يشجعني على الإستمرار.

2025/04/03 · 29 مشاهدة · 1584 كلمة
T
نادي الروايات - 2026