تحركت العربة بسرعة ثابتة على الطريق السريع، من خلال النافذة كان بإمكان فلاد رؤية البنايات تلوح في الأفق تخترق بهياكلها الضخمة الغيوم نفسها.
كان اليوم هو موعد محاكمته لعضه رقبة الحارس، قاموا بإعطائه بدلة رخيصة فاحت منها رائحة العرق، على الأرجح أنهم يعطونها لأي سجين تتم محاكمته.
لكنهم لم يكونوا بذلك السخاء لمنحه حلاقة لائقة أو حمامًا ساخنًا.
أحاط بفلاد حارسان مسلحان ذوَا وجوه صارمة، حملا بنادقهم ولم تفارقه نظراتهم، وكأنه قاتل متسلسل مجنون أو شيء كهذا!
"على الأرجح أنهم يعتقدون أنني مختل الآن..."
فكر بداخله أثناء رمقهم بنظرة سريعة، لكنه تفهم الأمر، فبعد كل شيء، من سيهاجم فجأة أحد الحراس عن طريق عض رقبته؟
منذ ليلة أمس وفكرة مجنونة تجول في ذهنه، فذهابه للمحكمة الآن قد لا يكون بذلك السوء الذي تخيله منذ البداية، بل قد يكون فرصة ذهبية له أيضًا!
لم تكن هناك العديد من السيارات تسير بالطريق نظرًا لكونهم في الصباح الباكر..
أخفض رأسه وأطلق أنينًا متألمًا
"ب-بطني..."
مباشرة بعدها سقط أرضًا على وجهه.
وقف الحارسان بسرعة موجّهين بنادقهم نحوه، مستعدين للضغط على الزناد في أي وقت.
تصبب العرق البارد من جبهة فلاد وتصاعد التوتر داخله.
لقد قرر بالفعل...
إذا تم أخذه ومحاكمته فعلى الأرجح سيقضي 10 سنوات إضافية في السجن.
لكن إذا فشلت محاولته الحالية بالهرب، فقد كان متأكدًا من أن الحكم سيرتفع إلى 20 سنة على الأقل، ما يعني أنه سيقضي أغلب حياته يتعفن هناك.
إما كل شيء أو لا شيء.
تعالى صوت أنينه واشتدت ملامحه أكثر، وبفضل جسمه الذي أصبح نحيلًا كالعصا وبشرته الشاحبة، خفف الحارسان حذرهما دون وعي، حيث أخفضا بنادقهما قليلًا وتبادلا النظرات فيما بينهما. انتبه فلاد للأمر من زاوية عينه واستمر في تمثيله، حتى أنه تقيأ على نفسه.
"يا له من ألم في المؤخرة..."
اشتكى أحد الحراس أثناء رفعه لهاتفه اللاسلكي.
"السجين يظهر علامات مرض شديدة، أكرر، السجين يظهر علامات مرض شديدة، يُرجى تحضير..."
في نفس اللحظة، استغل فلاد انشغال الحارس الأول بالحديث وإبعاد نظره عنه ليرفع يده ببطء على جنب الحارس الثاني الذي انخفض على ركبته للتحقق منه.
بالرغم من تقييد يديه، إلا أنها لم تكن خلف ظهره، ما جعل الحركة أسهل بمراحل.
فتح يده لتبرز منها أظافر أشبه بالمخالب، وفي حركة سريعة خالية من التردد اخترقت أظافره حلق الحارس.
اتسعت عينا الحارس بشدة، حيث لم يستوعب ما حدث له حتى مرور بضع ثوانٍ، حاول فتح فمه لكن فلاد غرس أظافره عميقًا داخل حلقه.
تردد صوت غرغرته أثناء اختناقه وتسرب دمائه التي انبعثت منها رائحة حلوة كادت تجعل لعاب فلاد يسيل.
"همم؟"
خفض الحارس الأول رأسه في استغراب لثانية من سقوط زميله قبل أن يترك هاتفه ويستولي على بندقيته في لمح البصر باتجاه فلاد، الذي اتخذ من جثة الحارس الأول درعًا له.
"هذا... أنت م-ما الذي فعلته..."
ارتبك الحارس وإصبعه فوق الزناد، إلا أنه تردد عند رؤية جسد زميله في الواجهة، فبعد كل شيء، لم يعلم إن كان قلبه لا زال ينبض.
استغل فلاد تردده ورمى الجثة باتجاهه، ابتعد الحارس الثاني على الجنب وأطلق النار حيث كان فلاد، لكنه تفاجأ لعدم رؤيته.
أدار رأسه حول المقصورة ليلمح فلاد يتقدم نحوه من الجانب المعاكس بقفزة واحدة، لكن وقبل أن تتاح له الفرصة للتفاعل، شقت أظافر فلاد عنقه لتدفق دمائه كنافورة ملطخة المكان بأكمله.
حدث الأمر بأكمله في أقل من 5 ثوانٍ، وأثناء سقوط فلاد أرضًا، مرر لسانه على شفتيه ملتقطًا طعم الدماء الدافئة التي لطخت وجهه.
في نفس اللحظة توقفت الشاحنة، على ما يبدو أنهم سمعوا إطلاق النار.
"ممتاز..."
ابتسم فلاد بخفة أثناء سماعه صوت فتح الباب ونزول أحدهم من المقعد الأمامي.
أسرع في غرس أنيابه وامتصاص بعض الدماء من الحارسين الميتين، مجددًا بذلك حيويته قبل أن يستولي على بندقية قريبة ويختبئ تحت جثثهم وفوهة السلاح باتجاه الباب.
اقترب صوت الخطوات أكثر وأكثر.
"هل من خطب بالداخل؟"
تحدث الرجل بالخارج أثناء دقّه الباب.
عندما لم يرد عليه أحد، تردد صوت اهتزاز المفاتيح وهي تفتح الباب.
بمجرد فتحه، رفع الشرطي مسدسه لكنه تفاجأ عندما لاحظ الجثث الملقاة، في تلك الثانية من الدهشة والجمود أطلق فلاد طلقات نارية متتالية اخترقت جسد الشرطي، ليسقط بعد ذلك هو الآخر.
أضاف فلاد بضع طلقات على أصفاده وقفز للخارج، بزغ النهار صافياً بارداً، امتدت سهول شاسعة على جانبي الطريق بينما عبرت السيارات من حين لآخر، ولحسن الحظ لم يتوقف أحدهم.
لم يستمتع فلاد بمنظر الحرية كثيرًا حيث سحب المفاتيح من الشرطي الميت ليرميه داخل المقصورة ويغلق الباب.
سار صوب السائق الذي كان يرتجف بالفعل.
"ما اسمك؟"
سأله فلاد أثناء توجيه البندقية نحوه.
"ك-كيو سيدي أ-أرجوك لا ت-ت..."
تعثرت الكلمات في لسان الشاب أسود البشرة أثناء رفع يديه عاليًا وخفض بصره.
لاحظ فلاد كيف ارتجف جسمه بشكل خارج عن سيطرته.
"حسنًا كيو، للأسف لم أتبع نصيحة أمي وأتعلم السياقة، ما يعني أنني أحتاجك..."
قائلًا ذلك، ركب فلاد الشاحنة المصفحة.
"أين نحن الآن؟" سأله أثناء تفتيشه.
ابتلع المدعو كيو ريقه وهو يجيب
"لقد دخلنا مدينة ويلموث بالفعل."
عند معرفته أنه مفيد له نوعًا ما، استجمع القليل من شجاعته لإلقاء نظرة على الشخص بجانبه، لكنه سرعان ما أخفضها عندما تلاقت نظراتهما...
شعر كثيف ووجه مغطى بالدماء جعلا بدنه يقشعر.
"ويلموث تقول، هاه..."
تمتم فلاد أثناء رمي هاتفه الخلوي خارجًا، وبعد شيء من التفكير أضاف:
"حسنًا، استمر بالقيادة للأمام وسأعطيك التعليمات."
اكتفى كيو بهز رأسه موافقًا وضغط الدواسة.
"كيو، لا تحاول القيام بأي شيء غبي وإلا..."
أكمل فلاد جملته عن طريق الإشارة، إذ رفع أصابعه على شكل مسدس ثم فرقع بلسانه مقلدًا صوت إطلاق النار.
بالرغم من نبرة فلاد الهادئة، إلا أنها حملت برودة أثارت الرعب في قلب كيو الذي استمر في الإيماء برأسه حتى كادت رقبته تنكسر.
لطالما كانت مدينة ويلموث مهمشة من طرف البلاد لسمعتها السيئة حيث كثرت الجرائم فيها، وصادف أنه المكان الذي ترعرع فيه فلاد.
بدلًا من السياقة بالطريق السريع مباشرة، انحرف كيو بالسيارة تحت أوامر فلاد نحو السهول باتجاه البنايات التي لاحت في الأفق.
بعد 20 دقيقة، اتضحت أخيرًا ملامح بناية مهجورة برزت في السهل لوحدها، لقد كان مشروعًا لمجمع تجاري في ما مضى، لكن ولسبب ما توقف تمويله وبقي المبنى شبه مكتمل هكذا، مع الوقت أصبح وكرًا لتجار المخدرات وكثرت فيه الدعارة، لكن رغم ذلك تجاهلته السلطات كما فعلت مع أغلب المدينة.
عند رؤيته للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يستطع فلاد سوى مشاهدته بحنين، وكأن العديد من الذكريات حول المكان أخذت تنبثق في ذهنه...
"لقد وصلنا، توقف هنا."
حتى دون إخباره، علم كيو أن هذا هو المكان المنشود. تحركت تفاحة آدم صعودًا وهبوطًا وتصاعدت دقات قلبه، فقط الإله وحده يعلم ما الذي سيفعله هذا المختل به!
بامبامبام
فجأة ومن العدم، تردد صوت ضربات داخل المقصورة في الخلف، رغم ضعفها إلا أن فلاد التقطها بوضوح.
"هل يُعقل أن أحدهم لا يزال حيًا؟"
فكر بداخله، لكنه سرعان ما أنكر الفكرة.
"لا يُعقل، لقد أحدثت بهم العديد من الثقوب من رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم..."
نزل من الشاحنة ثم تقدم ببطء ناحية المقصورة مستعينًا بكيو في المقدمة والبندقية بيده...
تعالى صوت الدق بما يكفي ليسمعه كيو أيضًا.
أخرج فلاد المفاتيح من جيبه وفتح البوابة، لكن ما شاهده جعل فكه يسقط وعيناه تتسعان…
-
-
رأيكم بالفصل ؟