"ما هذا بحق الآلهة..!"
ابتلع فلاد ريقه بصعوبة محاولًا استيعاب المشهد أمامه.
نهضت الجثث التي كان من المفترض أن تكون ميتة، لكن أعينها أصبحت سوداء كليًا، أفواهها مفتوحة على مصراعيها أثناء تحركها بصعوبة، وكأنها دمى يتم التحكم بها بالخيط!
توقفت لوهلة بمجرد رؤية فلاد، ثم مدت أيديها نحو كيو الذي كاد أن يبلل سرواله.
"آه! ابتعدي عني!"
لوّح بيده في الهواء وحاول الاندفاع هاربًا، لكنه سقط حين أمسكه فلاد من ياقة قميصه بإحكام.
"توقّفوا!"
بمجرد صدور أمره، تجمدت الجثث الحيّة في مكانها.
"كما توقعت، هاهاها!"
ارتفعت زوايا فم فلاد في ابتسامة ساخرة. لقد تأكدت نظريته بالفعل.
أي إنسان يقوم بإمتصاص دمه يصبح كائنًا مثله، أو شبيهًا له بتعبير أدق. فقد كانت الجثث أمامه تبدو غبية وتتبع غرائزها فقط، لكن على الأرجح، انهم يقتاتون على الدماء أيضًا مثله.
بالإضافة لكونهم يتبعون اوامره!
لقد أحس بشيء غريب منذ وقت قريب، كان من الصعب وصفه، وكأنه خيط رقيق تشكّل بينه وبينهم… رابطة من نوعٍ ما.
عند رؤية كيف تجمدوا في أماكنهم، حوّل فلاد بصره عنهم.
"انهض يا فتى، لن يفعلوا لك شيئًا."
كان المشهد سرياليًا للغاية. لا يزال بإمكان كيو رؤية الجروح المميتة برقاب الحراس، لكنهم وقفوا وأعينهم سوداء بالكامل.
والأسوأ من ذلك، أنهم أطاعوا أمر هذا المختلّ… ولم يتحركوا!
لثوانٍ ساد الصمت، شعر كيو بنظرات الجثث الواجمة عليه، وكأنه فريسة ما.
لم يعرف إن كان عليه أن يشكر المختل بجانبه لكبحهم، لكنه التزم الصمت أثناء نهوضه بحذر.
لكن في اللحظة التالية، هاجمه ألم حاد في رقبته… شيء بارد وحاد اخترق جلده.
"هذا..."
أطلق صرخة مكتومة وحاول إبعاد فلاد عنه، لكن دون جدوى، حيث شعر وكأنه يدفع شاحنة.
"أ-أرجوك، أنا..."
توقفت الكلمات في فمه عندما اشتد الألم، قبل أن تغفو عيناه ويسقط أرضًا.
"حسنًا… كم سيستغرق نهوضك؟"
أضاء وجه فلاد أثناء لعقه شفتيه. أراد امتصاص دم الشاب أسفله بالكامل، لكنه بذلك لن يكون قادرًا على معرفة الوقت المستغرق لتحوّله.
جلس بالشاحنة مع الموتى الأحياء، وانتظر بصبر. تراقص شعره مع نسيم الرياح بينما تأمل بصمت منظر السهل الشاسع.
كانت الشمس شاحبة بالأعلى، وقد حجبت الغيوم المتلبدة ضوءها.
"أمّم... أمّم..."
بعد خمس دقائق، صدرت همهمة خافتة من كيو.
راقبه فلاد بإمعان أثناء نهوضه وترنّحه...
"هذا… ماذا حدث لي؟"
تحدث كيو ببطء، مما جعل حاجبي فلاد يرتفعان بتعجّب.
"تستطيع التحدث؟"
أليس من المفترض أنهم جثث بلا عقل؟
عندما انتبه كيو لفلاد أخيرًا، ابتعد مسرعًا، إذ أن الذكرى الأخيرة لم تغادر ذهنه بعد. لكن فلاد كان أسرع منه، وسرعان ما أمسكه.
"اتركني أيها الوحش! اللعنة، اتركني!"
تجاهل فلاد مقاومته البائسة، واقتاده داخل المبنى.
انتشر بعض المدمنين هنا وهناك، دون أي فكرة عمّا يحدث حولهم. تجاهلهم فلاد، كما تجاهلوه. عادةً ما ينشط المكان بالليل، أما بهذا الوقت، فلا تجد إلا حثالة الحثالة.
بعد صعودهم للطابق الثالث والأخير، وتحديدًا لزاوية فارغة نسبيًا، قام فلاد بتقييد أقدام كيو بحزام سروال إحدى الجثث إلى عمود خرساني.
"حسنًا، دعنا نرى إلى متى يمكنك التحمل… قبل أن يجنّ جنونك، هاهاها!"
قهقه فلاد، واستدار بعد أن تأكد من إحكام الرباط.
لم يعرف كيو المقصد من كلام المختل، لكنه لم يحمل نية طيبة بكل تأكيد. لا يزال يحاول التحرر، لكن دون جدوى.
عاد فلاد للأسفل، ومعه الجثتان اللتان تبعتاه دون وعي، وأعينهما خالية من أي بريق.
"بإمكانكم امتصاص جميع من في البناية، ما عدا الشاب أسود البشرة."
أعطى فلاد أوامره أثناء تفكيره:
"هل ذلك الأسود مميز مثلي أيضًا؟"
لم يعرف كيف يجب أن يشعر الآن. لقد علم بالفعل عن قواه وقدراته المكتسبة حديثًا… إذا حدث نفس الشيء مع كيو، فهذا سيجعله منافسًا.
"هل سيطيعني مثل الآخرين؟"
لم يعرف. كان عليه الانتظار ورؤية ما ستؤول إليه الأمور أولًا.
لم يمضِ وقت طويل، حتى لطخت الدماء أرضية المبنى العارية. استلقى المدمنون بلا حول ولا قوة، أثناء عضهم من قبل الجثث. كان همهم الوحيد هو حقن المخدر، ولا شيء آخر.
بعد وهلة، أصبح المبنى بأكمله صامتًا… ثم بدأت الجثث التي قدّر فلاد عددها بـ10 تنهض واحدة تلو الأخرى...
"ممتاز..."
ضيق عينيه عند رؤية جنوده.
"بحلول الليل سيأتي المزيد من الأشخاص… عصابات، عاهرات، مروجو مخدرات، إلخ..."
لاحَت نظرة ماكرة على وجهه أثناء تفكيره بشيءٍ ما.
"آآآه!"
في نفس الوقت، صدرت صرخة مدوية من الطابق العلوي.
"يبدو بأنه قد حان الوقت أخيرًا…"
فكر فلاد في داخله، أثناء جرّه مدمنًا نحيفًا من شعره عبر الدرج.
"أنت! الماء… أعطني ماء، إنني عطشان..."
هدر كيو بصوت أجش كحيوان بري.
"نعم، بالطبع."
ابتسم فلاد بقسوة ورمى المدمن ناحيته.
"تفضل وجبتك."
حدّق كيو بالرجل باستغراب.
"أي نوع مزحة هي هذه؟"
لكنه سرعان ما صمت، عندما اشتدت ملامحه. تربع فلاد على الأرض، ووراءه 12 جثة حية يحدقون بأعين غائرة.
"صدقني، على عكس مظهره المقرف، فإن طعمه لا مثيل له."
قال فلاد بنبرة لعوبة.
لم يطل تردد كيو، وإذا به يقترب من المدمن ويشمه ككلب وجد عظمته.
"هذا..."
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم حدق بفلاد والجثث الحية خلفه.
إنهم ليسوا بشرًا.
بالرغم من عدم معرفته ماهيتهم، إلا أنه كان متأكدًا أنهم ليسوا بشرًا. تلك العيون السوداء التي تبدو وكأنها تحدق في روحه… وقفتهم المترنحة وكأنهم سكارى...
دون وعي، أخرج لسانه ومرّره على جلد المدمن، وقبل أن يعرف، وجد نفسه يغرس أنيابه في عنقه ويمتص دمه...
"أمممم!"
بدا وكأنه استوعب الأمر، وتراجع للخلف مذهولًا مما فعله.
"هل جننت؟! ما الذي أفعله بحق ال...؟"
لكن ذلك الطعم الحلو كان قد غزا فمه وتفكيره بالفعل.
"جيّد..."
بعد بضع دقائق، كانت جثة المدمن متيبسة على الأرض.
نهض فلاد وفك قيد كيو.
"أنت الآن واحد منا..." ثم أضاف: "بالرغم من أنني لا أعرف ما نحن، لكننا بشر نتغذى على الدماء."
ثم أدار رأسه، وكأنه يشير للواقفين خلفه:
"لكننا بطبيعة الحال، مميزون عنهم. إنهم وحوش تتبع غرائزها فقط، بينما نحن لا زلنا نملك وعينا."
شرح فلاد الأمر بشكل موجز لكيو.
"أنا... أنا لدي عائلة... إنني متزوج، ولدي ابنة لأعيلها..."
كانت الحسرة بادية في صوته.
نقر فلاد على لسانه، وكأن الأمر أزعجه قليلًا.
"وهل أخبرتك أن تهجر عائلتك؟ الأمر فقط أنك لستَ بشريًا الآن، بل كائن آخر. هل تعتقد أن المجتمع في الخارج سيرحب بك؟ سيعالجونك؟ أم سيعاملونك كفأر تجارب للتحقيق في ماهيتك؟"
لم يتح له فلاد الحديث، وأكمل بنبرة أعلى:
"إركع."
تفاجأ كيو لوهلة، لكنه -رغمًا عنه- وجد نفسه يركع على ركبتيه.
"أنت... ما الذي فعلته بي؟!"
همس وقد بدأ الذعر يتسلل إلى صوته.
حاول المقاومة والنهوض، لكن جسده الخاص يعصيه!
" سأسمي جنسنا الجديد بـ..."
فكّر فلاد لثانية، ثم قال:
" مصاصي الدماء. أنا فلاد كريمسون سأتوج نفسي كملك مصاصي الدماء، وأنت يا كيو… ستكون فارسي الأول."
"ملك مصاص الدماء ؟ ف-فارس؟ ما هذا الهراء الذي تتحدث عنه؟ أنا لن—"
"صمتًا."
صرخ فلاد آمرًا إياه.
"هل تعتقد أن بشريًا عاديًا سيمتص دماء ذلك المدمن؟ تقبّل الأمر. أنت مصاص دماء الآن... لكن لا تقلق، لا يزال بإمكانك ممارسة حياتك بشكل طبيعي. لكنني سأحتاجك في المستقبل، فأنت مميز مثلي"
قائلًا ذلك، جثا فلاد أيضًا على ركبتيه، وصوته أكثر لطفًا:
"ستقود شاحنة الشرطة للمحكمة بشكل طبيعي، ثم تخبرهم أنكم تعرضتم لهجوم، وأنني – أنا السجين – قد تم تهريبي بعد أن أفقدوك الوعي..."
أخذ كيو نفسًا عميقًا، أثناء تحديقه في عيني فلاد الخضراء.
"وماذا عن الحراس؟"
"بعد استيقاظك، اختفى الحراس. هكذا سيبدو الأمر وكأن الحراس تواطؤوا معي، وقاموا بتهريبي. على الأرجح، ستنال بضعة أيام كإجازة. ستقضي اليوم بشكل عادي مع عائلتك، لكن بحلول الليل، وبعد منتصف الليل… ستأتي إلى هنا."
"لماذا بحق الجحيم سأأتي هنا؟!"
هدر كيو بشراسة.
"لأنني ملكك… وهذا أمر."
قائلًا ذلك، نهض فلاد من ركبتيه، وعاد أدراجه مع بقية الجثث. لكنه توقف لوهلة، وأردف:
"من الآن فصاعدًا، لا تتناول الطعام مع زوجتك… صدقني، ستتقيأ عليها، هاهاها."
-
-
-
تعليقاتكم تحفزني.