كانت تلك الكلمات بمثابة خنجر غُرس في قلب زينون؛ لم تكن مجرد أحرف باردة مطبوعة على ورق، بل كانت وعيداً صريحاً بكل الأهوال التي انتظرت دورها خلف ستار حياته البائسة.
ارتخت أصابعه الواهنة، لتسقط الورقة من بين يده وتتأرجح في الهواء كأنها نصل يهوي نحو حتفه.
استدار نحو أمه ببطء، وعيناه المحتقنتان بالدموع والذهول تطالبان بجواب، ثم تمتم بنبرة غصت بمرارة مكتومة:
"هل.. هل هذا ما كنتِ ترغبين بحدوثه؟ هل كنتِ تنتظرين هذه اللحظة؟".
لم تجب أمه بكلمة، بل تقدمت نحوه بخطوات وئيدة وملامحها قد غلفها قناع من الشفقة والانكسار.
انحنت بظهر مثقل بالهموم، والتقطت الرسالة التي استقرت عند قدميها.
بدأت عيناها تبحران بين السطور؛ تلك السطور التي لم يجرؤ زينون على تجاوز أولها، فبالنسبة له، كان السطر الأول كافياً ليعلن نهاية العالم الذي يعرفه.
ما إن أتمت القراءة، حتى انفرط عقد صبرها، فانسابت الدموع من عينيها كشلالات من الندم.
اندفعت نحو زينون، وجذبته إلى حضنها بقوة كأنها تحاول حمايته من قدر يتربص به خلف جدران المنزل، وهمست بصوت مخنوق بالبكاء:
"لم يكن الأمر بيدي.. أقسم لك يا بني، لم يكن بيدي! هذا قدرك المحتوم، وأنت لا تزال تجهل الكثير، آسفة".
هل.. هل تم تشخيصك بالمرض حقاً؟"
انطلق السؤال من شفتي "نير"، أحد التوأمين، الذي كان يقف بجانب أخته يراقب المشهد بوجل.
رفع زينون بصره المثقل نحو أخيه الأصغر؛ كان نير يشبهه إلى حد كبير، بملامح الشاحبة تميل إلى البياض، لكن عينيه كانتا تشعان بفضول غريب لا يتناسب مع جلال الموقف.
وهو لا يزال مستسلماً لحضن أمه الدافئ، اكتفى زينون بإيماءة بطيئة من رأسه، غصت حنجرته عن النطق، وكأن الاعتراف بالمرض صراحةً سيعجل من نهايته.
في تلك اللحظة، تدخلت الأخت بنبرة حملت مزيجاً غريباً من الحماس والمؤازرة:
"أخي، لا تخف.. عليك أن تكون شجاعاً! ربما يكون الأمر ليس سيئاً، ربما... ربما نرى والدنا بسببه.
أنا ونير لم يتبقى لنا الكثير، عندما نصل إلى سنك نتمنى أن نُشخَّص مثلك، لعلنا نحظى بفرصة لرؤية ذلك الرجل الذي اختفى قبل أن تبصر أعيننا نوره".
لم تقع كلمات أخته على مسامعه كبردٍ وسلام، بل كأنها سياطٌ تجلد روحه؛ كيف يتمنون كابوساً هو يرتعد منه؟
دون أن ينبس ببنت شفة، انتزع زينون نفسه من حضن أمه بهدوء، واندفع صاعداً الدرج بخطوات متعثرة، هارباً نحو غرفته، تاركاً خلفه تمنياتهم الغريبة ودموع أمه التي لا تجف.
راقب "نير" ظهر أخيه وهو يختفي خلف عتمة الدرج، ثم همس بنبرة حملت نضجاً سابقاً لسنه:
"وددتُ لو كنتُ أنا الأخ الأكبر.. لربما استطعتُ مساندته وتشجيعه، على الأقل في هذه المرحلة الحرجة".
لم تعد الأم تقوى على لجم عبراتها وهي ترى انكسار بكرها، فقالت بصوت مرتعش:
"لا تقلق يا نير، سيكون بخير.. أنا أثق به رغم كل هذا الرعب الذي يسكنه، فخوفه ذاك هو ما سيمنعه من التهور، وسيبقيه حياً".
مسحت مآقيها بطرف رداؤها، ثم استجمعت شتات نفسها وأضافت بصوت يحمل انكسار قلبها:
"هيا، استعدوا.. سنتناول الطعام بعد قليل".
في الطابق العلوي، ارتمى زينون فوق سريره مستسلماً لنحيبٍ صامت مزق سكون غرفته.
لم يكن يطالب بالكثير، كان يرجو فقط ألا يحدث هذا، لكن القدر كان قد أحكم قبضته حول عنقه وانتهى الأمر.
أما في الأسفل، فكانت الأم تقف وحيدة، تعتصر بين أناملها المرتجفة صورة قديمة باهتة؛ تظهر فيها يد رجل قوية تحمل زينون وهو لا يزال رضيعاً، لكن وجه الرجل كان مجرد "ظلال" مبهمة، ثقب أسود في ذاكرة العائلة.
انهمرت دموعها فوق زجاج الصورة وهي تهمس وكأنها تخاطب زينون:
"بني.. حتى لو اخذت دماء الأصحاء، لما نفعك ذلك في شيء.
لو كنت مريض، لكان الموت مصيرك، ولجررت كل من حولك إلى ذات الهاوية..
الخيار الوحيد المتبقي أمامك الآن هو أن تحدق في عيني هذا المرض.. وتواجهه".
مر يوم كامل وزينون حبيس جدران غرفته؛ كان النوم ملاذه الوحيد، والفقاعة الهشة التي يحاول الاختباء داخلها هرباً من واقعه المرير.
لكن حتى النوم لم يمنحه السكينة، بل كان ساحة لكوابيس مشوشة يظهر فيها ذلك الكيان الذي رسمه وهو يحدق فيه بصمت.
فجأة، اخترق سكون الغرفة ثلاث دقات منتظمة على الباب، كانت هادئة لكنها في مسمع زينون دوت كطلقات الرصاص.
قفز من مكانه بجسد متشنج، وكاد قلبه أن يغادر صدره من فرط الذعر، قبل أن يهدأ قليلاً حين وصله صوت أمه المنكسر من خلف الخشب:
"زينون.. لقد حان الوقت".
في تلك اللحظة، لم تعد قدماه وحدهما من ترتعدان، بل سرت في كامل جسده قشعريرة باردة جعلت أطرافه تتخشب.
انحبست الأنفاس في صدره، وشعر ببرودة غريبة تزحف من أطراف أصابعه نحو قلبه.
تقدم زينون نحو باب الغرفة بخطوات ثقيلة ومضطربة، كأنه يسير نحو حبل المشنقة.
كان قلبه يقرع طبول الذعر خلف ضلوعه، بينما لسانه يتحرك بآلية هستيرية، متمتماً في سرعته الغريبة بكلمات تكررت كتعويذة مشؤومة:
"هل يجب فتحه؟.. هل يجب فتحه؟.. هل يجب فتحه؟".
كان يكرر الجملة ذاتها بلا توقف، وكأن عقله قد تعطل ولم يتبقَّ فيه سوى هذا التساؤل المرعب الذي ينهش روحه.
مد يده المرتجفة وقبض على مقبض الباب المعدني بقوة بربرية، لكنه لم يفتحه.
وبدلاً من ذلك، بدأ يتحرك ذهاباً وإياباً في مكانه، يسحب المقبض معه وهو يدور حول نفسه كحيوان محاصر في قفص، متمسكاً بتلك القطعة المعدنية الباردة كأنها القشة الأخيرة التي تمنعه من الغرق في المجهول.
خلف الخشب الصامت، اخترق صوت أمه هدوء الرواق مجدداً، بنبرة يشوبها القلق والريبة:
"زينون؟ ما بك يا بني؟ لماذا لا تفتح الباب؟".
بعد برهة من التردد القاتل، فتح زينون الباب قليلا، لم يفتحه بالكامل بل ترك شقاً صغيراً بالكاد يسمح بمرور الضوء، وبرزت من خلفه ملامح أمه القلقة.
سألها بصوت متهدج يحاول استنكار الحقيقة:
"ماذا.. ماذا هناك؟".
كان يدرك الجواب يقيناً، لكنه كان يسأل بحثاً عن ثغرة للهرب من قدره.
"لقد حان الوقت يا بني، علينا الـ..."
وقبل أن تتم كلمتها، انغلق الباب بعنف مدوٍ، وأوصد زينون القفل بأصابع مرتجفة وهو يضغط بكفه على صدره كأنه يحاول منع قلبه من القفز خارج ضلوعه.
صرخ بحدة يمتزج فيها الذعر بالإنكار:
"لا! لن أذهب.. لن أغادر هذه الغرفة، لن أذهب إلى أي مكان!".
ارتطم صوته بجدران الغرفة ليرتد إليه كابوساً، بينما جاء صوت أمه من خلف الباب، حازماً رغم الانكسار:
"يا بني، عليك الذهاب.. هذا أمر لم يعد قابلاً للتفكير أو الجدل".
"لا، لا، لا! أنا لست مريضاً!
أنا لست كذلك!
يا أمي أرجوكِ، لا أريد الذهاب!".
انا.. انا خائف!"
كان زينون يصرخ بهستيرية، بينما كانت كلماته كالسياط التي تنهش قلب أمه، مما جعلها تغطي فمها بكفها لتكتم شهقاتها، بينما انهمرت الدموع من عينيها بغزارة.
لم تكن ترغب في الضغط عليه أكثر، لكن الأمر كان محتوماً ولا رجعة فيه.
همست بصوت مخنوق بالبكاء:
"يا بني، ليس لديك خيار آخر..
أنا لا أريد أن أفقدك أنت أيضاً!
المواجهة هي سبيلك الوحيد للنجاة،
أرجوك.. افتح هذا الباب".
رغم توسلات أمه المتكررة، ظل زينون متشبثاً بموقعه خلف الباب؛ كان يرى في جدران غرفته الحصن الأخير، وفي الخروج منها موتاً محتماً لا يملك الجرأة لمواجهته.
بعد محاولات مضنية، تراجعت الأم يائسة، ليخيم سكون ثقيل على المنزل طوال ليلة أخرى.
ومع بزوغ الفجر، لم يكن الطارق هذه المرة يحمل دفء الأم، بل جاءت الطرقات قوية، حادة، ومنتظمة بشكل يبعث على الرعب.
صرخ زينون بهستيرية، دون أن ينهض من مكانه:
"لقد أخبرتكِ يا أمي.. لن أذهب إلى أي مكان! لن أغادر، ألا تفهمين؟!".
"افتح الباب.. وإلا كسرناه فوق رأسك!".
تجمدت الدماء في عروق زينون؛ لم يكن هذا صوت أمه الرقيق، بل كان صوتاً خشناً يقطر صرامة ووعيداً.
انتصب واقفاً بآلية، وضّم يديه نحو صدره كأنه يحاول حماية قلبه الذي أوشك على التوقف، وهمس بنبرة مرتجفة:
"من.. من أنت؟!".
"افتح الباب، ألا تسمع؟!".
تزايدت عنف الطرقات حتى اهتزت الجدران، بينما كان زينون يتراجع للخلف بخطوات متعثرة حتى ارتطم بالحائط، عاجزاً عن الرد أو الحركة.
"إذن.. لم تترك لنا خياراً آخر أيها الفتى".
فجأة، دوى دويّ ارتطام هائل؛ صدمة قوية جعلت خشب الباب يئن، ومع كل ضربة كان قلب زينون يقفز من مكانه ذعراً.
لم تمر لحظات حتى تحطم القفل وانكسر الباب بعنف، ليظهر أمام عيني زينون رجل يرتدي سواداً حالكاً يغطي جسده من أخمص قدميه حتى رأسه، ولم يبدُ منه أي ملمح بشري، بينما استقر سلاح ضخم غريب الشكل فوق ظهره.
دخل خلفه رجلان آخران يرتديان الزي ذاته، كأنهما ظلال اقتحمت سكينته.
"أمسكوه.. علينا الرحيل فوراً، لقد أخرنا هذا الصبي كثيراً بتخلفه عن الحضور".
كان صاحب ذلك الصوت رجلاً عجوزاً، يرتدي بدلة طبية بيضاء ناصعة تتناقض بشدة مع سواد الرجال المحيطين به، وكان يقف بوقار بارد بجانب أم زينون.
"لا! لا أريد الذهاب!" صرخ زينون بجنون، محاولاً الانفكاك من قبضة الرجال، لكن محاولاته كانت عبثية؛ فمقارنة ببنيتهم الضخمة، بدا جسده ضئيلاً وواهناً، وكأن أحدهم قادر على حمله بيد واحدة كدمية مهملة.
رمقته أمه بنظرة غارقة في الدموع، يعتصرها الألم وهي تراه يُسحب قسراً، لكنها لم تحرك ساكناً؛ فقد استنفدت كل وسيلة أخرى، وكان لزاماً عليه أن يواجه قدره وجهاً لوجه.
"أمي! لماذا؟ لماذا تفعلين هذا؟" تردد صدى صياحه اليائس في أرجاء المنزل، يتلاشى شيئاً فشيئاً مع ابتعادهم به، حتى اختفى تماماً عن أنظارها.
التفت الطبيب العجوز نحوها، قائلاً بنبرة حملت تقديراً غامضاً: "شكراً لكِ أيتها السيدة انليمون على اتصالكِ.. نقدر لكِ هذا الفعل الشجاع، ولا عجب في ذلك، فأنتِ زوجة ذلك الرجل".
ثم شرد بنظره نحو الباب المحطم، حيث اختفى الرجال مع زينون، ولا يزال صدى صراخه يتردد في المدى، وهمس لنفسه بتشكك: "هذا الفتى لا يشبه أباه أبداً.. هل هو حقاً ابنه؟".
رغم الدموع التي لم تجف بعد، ارتسمت على شفتي السيدة انليمون ابتسامة باهتة وهي تستحضر طيف زوجها، وقالت بثقة مكسورة: "زينون سيصبح مثل والده تماماً.. هو فقط يحتاج إلى بعض الوقت".
نهاية الفصل