لم يكن الليل في نورفال مختلفًا عن أي ليلة أخرى في ظاهره؛ سماء ملبدة بالغيوم، شوارع ضيقة تبتلع الضوء، وصمت ثقيل يتخلله صوت خطوات عابرة. لكن بالنسبة لكايل، كان كل شيء مختلفًا. لم يعد ينظر إلى المدينة كما كان يفعل من قبل، ولم يعد يشعر بأنه جزء ثابت من هذا المكان. كان هناك شيء في داخله يتحرك ببطء، كأنه يستيقظ على مهل، يراقب، ينتظر، ويختبر حدود وجوده الجديد.

منظور كايل: وقف أمام نافذته الخشبية، يتأمل الشارع الخالي. لم يكن يفكر في كلمات الناس ولا في نظراتهم، بل في ذلك الشعور الغريب الذي لا يفارقه منذ دخوله ذلك الفراغ. وضع يده على صدره، وأغلق عينيه قليلًا، محاولًا التركيز. كان الإحساس لا يشبه الريز الذي رآه عند الآخرين؛ لم يكن تدفقًا ولا حرارة، بل أقرب إلى “وجود” صامت، كأنه شيء يراقب من الداخل.

كايل (بهمس): “إذا كان هذا هو ما تم ختمه… فلماذا أشعر بهدوء؟”

“لأنك لم تلمسه بعد.”

فتح عينيه ببطء. لم يعد الصوت يفاجئه كما في المرة الأولى. كان أكثر وضوحًا الآن، أكثر استقرارًا، وكأنه جزء من تفكيره نفسه.

كايل: “قلت إن الكسر بدأ… فما الذي سيحدث بعد ذلك؟”

“سيبحث عنك من يملك حق المنع.”

تجمد للحظة. لم يكن يحتاج إلى شرح طويل ليفهم المقصود. ذلك “النظام” الذي ذُكر سابقًا… لم يكن مجرد فكرة، بل جهة تراقب وتقرر.

كايل (بهدوء): “دعهم يأتون.”

ساد صمت قصير، ثم تحرك ذلك الإحساس داخله مرة أخرى، لكن هذه المرة بشكل مختلف؛ لم يكن مجرد استجابة، بل كأنه يختبر شيئًا. فجأة، شعر بضغط خفيف حوله، كأن الهواء أصبح أكثر كثافة. فتح عينيه سريعًا، ونظر حوله. الغرفة كما هي، لكن إحساسه بها… لم يعد كما كان.

منظور كايل: مد يده أمامه ببطء، مركزًا على ذلك الإحساس. لم يكن يعرف ما الذي يحاول فعله تحديدًا، لكنه شعر بأن هناك “طريقة” ما للوصول إلى ما بداخله. للحظة قصيرة، اهتز الفراغ أمام كفه، كأن صورة غير مرئية تشققت ثم عادت لطبيعتها.

تراجع خطوة، ونبضه تسارع قليلًا.

كايل (بصوت منخفض): “هذا… ليس طبيعيًا.”

“إنه ليس ريز.”

“بل ما يأتي قبله.”

لم يفهم بالكامل، لكنه لم يتوقف. عاد يمد يده، هذه المرة بتركيز أكبر. أغلق عينيه، وركز على ذلك الشيء الصغير داخله، على الإحساس الذي يشبه “ظلًا” أكثر منه طاقة. للحظة، شعر به يتحرك بوضوح… ثم—

⚡ ظهرت ومضة داكنة خافتة عند أطراف أصابعه.

لم تكن ضوءًا، بل غيابًا للضوء. شيء يبتلع اللون بدل أن يعكسه.

فتح عينيه فورًا، وسحب يده.

كايل (بدهشة هادئة): “هذا هو…؟”

“جزء منه.”

لم يكن هناك خوف في صوته، ولا في داخله. بل فضول… وثقة غريبة بدأت تتشكل. لأول مرة، لم يشعر بأنه خارج النظام فقط، بل كأنه ينتمي إلى شيء آخر.

في تلك اللحظة، لم يكن يعلم أن شيئًا آخر قد بدأ.

في مكان بعيد، داخل منشأة لا تُرى من خارجها، كانت الشاشات تعمل بصمت، تعرض بيانات متدفقة باستمرار. فجأة، تغيرت إحدى القراءات.

⚠️ UNREGISTERED SIGNAL

⚠️ ANOMALY DETECTED

اقترب رجل ذو ملامح حادة من الشاشة، عيناه تركزان على البيانات بسرعة.

الرجل: “أظهر المصدر.”

الصوت الآلي: “القطاع السفلي… نورفال.”

توقف لثانية، ثم قال بهدوء حاسم:

الرجل: “التصنيف؟”

الصوت: “غير معروف. لا يطابق أي نمط مسجل.”

سادت لحظة صمت، قبل أن يضيف الصوت:

الصوت: “التذبذب يتزايد.”

تغيرت ملامح الرجل قليلًا.

الرجل: “إذن… بدأ.”

ثم التفت إلى من خلفه.

الرجل: “أرسلوا وحدة مراقبة. لا اشتباك مباشر.”

عاد كايل إلى سريره، لكنه لم ينم. لم يكن جسده متعبًا بقدر ما كان ذهنه مستيقظًا بشكل غير طبيعي. كلما أغمض عينيه، شعر بذلك الفراغ يعود… ذلك المكان الذي دخل إليه، وذلك الكيان الذي رآه.

منظور كايل: “عين واحدة…” تمتم بها في ذهنه. لم يستطع تفسير ما رآه، لكن إحساسه به كان واضحًا. لم يكن مجرد شيء عشوائي، بل كيان… أو أثر لكيان.

كايل (بهمس داخلي): “هل أنت ذلك الشيء؟”

“لا.”

“أنا مجرد صدى.”

فتح عينيه.

كايل: “إذن ما الذي رأيته؟”

لم يأتِ الرد فورًا هذه المرة. طال الصمت، وكأن الإجابة ليست بسيطة.

“شيء لا يجب أن يُرى قبل الوقت.”

شعر بقشعريرة خفيفة، لكنها لم تكن خوفًا، بل إدراكًا بأن ما دخل فيه أكبر مما تخيل.

في الصباح التالي، خرج كايل من منزله كما يفعل دائمًا. لكن خطواته لم تكن عادية. كان أكثر وعيًا بكل شيء حوله. أصوات المدينة، حركة الهواء، وحتى الفراغ بين الأشياء… كان يشعر بها.

منظور كايل: أثناء سيره، لاحظ شيئًا غريبًا. في أحد الأزقة، بدا أن الظل تحت قدميه لا يتحرك بنفس توقيت حركته. توقف فجأة، ونظر إليه. للحظة، عاد كل شيء طبيعيًا.

كايل (بهمس): “هل أتخيل…؟”

“لا.”

لم يُكمل الصوت، لكنه لم يكن بحاجة لذلك.

تابع سيره حتى وصل إلى أطراف المدينة، حيث تقل الحركة. هناك، توقف فجأة. لم يكن قرارًا واعيًا، بل إحساسًا. شيء ما… في الهواء.

رفع رأسه ببطء.

ثم شعر به.

الضغط.

نفس الإحساس الذي شعر به الليلة الماضية… لكن أقوى.

منظور كايل: لم يتحرك. لم يهرب. فقط وقف، مركزًا. لم يكن يعرف ما القادم، لكنه كان مستعدًا.

من خلفه، ظهر شخصان.

لم يكن لهما صوت.

لم يقتربا بخطوات.

بل كانا هناك… فجأة.

أحدهما: “تم تأكيد الإشارة.”

الآخر: “التذبذب غير مستقر… لكنه حقيقي.”

أغمض كايل عينيه للحظة، ثم فتحهما.

كايل (بهدوء): “أنتم… من النظام.”

ساد صمت قصير، قبل أن يرد أحدهما:

الرجل: “إدراك مبكر.”

استدار كايل ببطء، وواجههما.

كانت نظراتهما باردة، حاسمة، وكأنهما لا ينظران إلى إنسان، بل إلى شيء يجب تقييمه.

الرجل الثاني: “الاسم: كايل آرن.”

“التصنيف: غير محدد.”

“الحالة: انحراف محتمل.”

لم يتحرك كايل.

كايل: “وما الذي تفعلونه بالانحرافات؟”

نظر أحدهما إلى الآخر، ثم قال بهدوء:

الرجل: “نحددها… أو نزيلها.”

ساد صمت ثقيل.

لكن داخله—

تحرك ذلك الشيء.

لم يكن انفجارًا.

بل نبضًا.

منظور كايل: شعر بأن هناك “ردًا” يجب أن يخرج. ليس خوفًا… بل رفض.

مد يده ببطء.

⚡ ظهر الظل مرة أخرى.

أوضح هذه المرة.

تجمد الرجلان للحظة.

أحدهما (بصوت منخفض): “هذا… ليس ضمن النظام.”

ابتسم كايل ابتسامة خفيفة.

كايل: “أخبرتك.”

“أنا لست فارغًا.”

2026/05/06 · 3 مشاهدة · 915 كلمة
Taha
نادي الروايات - 2026