شواااا!
استمر المطر في الهطول دون توقف حتى انقضى نصف شهر. فصل الأمطار السحب السوداء والأمطار الغزيرة التي رافقت تغير الفصول لم تكن تنوي التوقف
"اليوم!"
بعد مغادرة السكن والوصول إلى الأرشيف تنكرت إيلينا في هيئة لوسيا بلمح البصر غادرت المكتبة مرتدية معطف مطر نصحتها ماي بإحضاره مسبقًا بفضل الأمطار الغزيرة كانت الشوارع مهجورة دخلت إيلينا المبنى الغربي ووصلت بأمان إلى غرفة الرسم دون أن تصادف أحدًا
"سينيور، لقد وصلت!"
اتسعت عينا إيلينا حين فتحت الباب الخشبي تبددت رائحة الرطوبة مع تيار الهواء تاركةً وراءها عبق الزهور الطازجة الأكاليل التي أرسلها الأرستقراطيون وتجار الفن والرعاة وجامعو التحف غطت غرفة الرسم حتى لم يعد هناك متسع للحركة
"آنسة لوسيا؟"
حان الوقت لرافائيل الواقف خلف الحامل أن يتظاهر بعدم المعرفة
"واو، سينيو! ما كل هذا؟"
فوجئت إيلينا بالرسائل المتراكمة على الطاولة الخشبية المعلقة على الحائط كانت الأظرف الفاخرة مليئة بالكلمات العاطفية وخطابات الغرام
'لم أكن أعلم أن الأستاذ يتمتع بهذه الشعبية!'
شعرت إيلينا بالارتباك لم يكن غريبًا أن يتقرب إليه النبلاء باهتمام فلم يعد أحد يجهل تأثير اسم رافائيل في عالم الفن وقيمة لوحة بيلادونا لكنها لم تتوقع هذا الانفجار في الاهتمام وإنقاذًا من السيدات الآخريات ليس من العامة بل من فتيات أرستقراطيات معظم الرسائل كانت من سيدات نبيلات
'بعضهن من عائلات أعرفها في العاصمة والكثير منهن!'
كانت المفاجأة أكبر لأن إيلينا حفظت أنماط معظم العائلات الإمبراطورية حقيقة أن سيدة نبيلة تكتب مثل هذه الرسالة لشخص من العامة تعني أنها تخطط لشيء ما في ذهنها
'يُعتبر رجلاً يمكن منحه لقب نبيل الرجل الذي يمارس الفن جذاب أيضًا'
رغم أن رافائيل لا يهتم بمظهره إلا أنه لا يبدو شخصًا عاديًا حتى أثناء عمله رسامًا في البلاط كانت السيدات غالبًا ما تُبدي إعجابًا به
قرأت واحدة لكنها ثقيلة جدًا لم أستطع قراءة الكل بعد"
خدش رافائيل خده في حيرة ابتسمت إيلينا ووقفت بجانبه
"ماذا ترسم؟"
"عمل جديد هل تودين رؤيته؟"
عندما اقترح رافائيل أومأت إيلينا وتراجعت خطوة لم تستطع إيلينا التنكر كلوسيا بسبب شهرتها كعارضة لبيلادونا في غضون ذلك كان رافائيل منغمسًا في الرسم حتى كاد العمل أن يكتمل
"يشعرني بالقداسة ويبعث فيّ التبجيل"
كانت لوحة أسطورية عن الآلهة والبشر تقف الإربة الحكيمة الرحيمة في البعيد تلتفت إليهم بينما يتبعها ثلاثة أو أربعة بشر يحاولون الوصول إليها بيأس لكنهم يعجزون نظرت إيلينا إلى العمل بتفحص وشاركت أفكارها
"يبدو أنها تحمل يأس البشر الذين يحبون الإله...لوحة يصعب تعريفها بكلمة واحدة كما تبدو معبّرة عن رغبة إنسانية"
"حقًا؟"
"هذا تفسيري الشخصي فلا تهتم إنها أكبر من ذلك ألا تظن أن الشخصيات حية؟ تبدو رائعة ما اسم العمل؟"
أجاب رافائيل بابتسامة مريرة
"الحنين"
وهو يعني اشتياقًا شديدًا لا يفكر المرء إلا فيه
"لقد رسمته من منظور بشري ينظر إلى الرب"
"أليست هذه علاقة البشر بالآلهة؟ لا يستطيعون مد أيديهم للإمساك بها عليهم فقط النظر"
من بين الرجال الأربعة الذين يطاردون الإربة في اللوحة ركزت عينا رافائيل على رجل يحدق بها بلا نهاية رغم اختلاف ملامحه كان تجسيدًا لرافائيل نفسه ذلك الرجل لديه رب كريم أما رافائيل فلديه لوسيا لا كم سيكون جميلًا لو كان اسمها الحقيقي لوسيا! على الأقل لو لم يعرف اسمها الحقيقي لكان حاول أن يكون شجاعًا لكن الآن بعد أن أدرك أن مجرد الجرأة على التمني كان فعلًا غير مسؤول لم يعد يستطيع إلا النظر إليها كالرجل في اللوحة أجبر نفسه على الابتسام مُعتقدًا أن حتى هذا الوحدة قد يكون عبئًا على إيلينا بينما نظرت إليه إيلينا غير مدركة لمشاعره بابتسامة سعيدة
"كلما تأملتها أكثر أقع في حبها التحفة العظيمة تتجمد في مشهد واحد لكنها تُنتج مئات التفسيرات بحسب الناظر أليس كذلك؟ بالضبط هذه اللوحة"
"تلقيت الكثير من الإطراءات مؤخرًا لكن إطراءاتكِ يا آنسة لوسيا هي الأفضل"
"حقًا؟ إذن ينبغي أن أكون طماعة!"
ضحك رافائيل على كلماتها الغامضة
"طماعة؟ حسنًا! سأهبها لكِ"
"ماذا؟ ماذا تقصد؟"
"اللوحة سأقدمها لكِ فور انتهائي منها وسأهبكِ بيلادونا أيضًا، كنت سأعطيها لكِ إن استعدتها من الأكاديمية"
أحست إيلينا بالحرج حين عرض رافائيل الذي أساء فهم مقصدها منحها العمل
"سـ-سينيور ليس هذا ما قصدته! لمَ أحصل على لوحة بذلت فيها كل هذا الجهد؟"
"لأنكِ أنتِ لوسيا"
التقت عيناه بعينيها بينما استمر بهدوء وهو يرى ارتباكها
"بدونكِ، ما كنتُ أنا ولا هذه اللوحة لنكون هنا"
"هذا ليس...لا أملك ما أقوله لكَ"
ابتسمت إيلينا عندها فقط سأل رافائيل وكأنه يشعر بالأسف
"هل أخطأت الفهم؟"
"لا، أنا المخطئة لأنني جعلت الأمر يبدو غامضًا لكن ما رأيكَ..."
نظرت إليه بنظرة دافئة أمام ابتسامتها خفق قلبه كأنه ينكسر حاول السيطرة عليه لكن كلما حاول ازدادت سرعة الخفقات.
"ألا تظن أننا نبدو رائعين معًا؟"
"...!"
ارتجفت عينا رافائيل كالمجنون نعم كانت تناسبه حتى لو حاول تجاهل كلماتها لظنه أنها مجرد سوء فهم فإن تفسيره استمر في الميل نحو الأمل الشخصي
"مـ-ماذا تقصدين؟"
أصيب بالخرس من فرط ارتعاش قلبه
"هل تريد الانضمام إليّ؟"
"ا-انضمام؟"
كاد قلبه أن ينفجر من الخفقان
"أيدي"
تحول عقله إلى بياض لم يفهم مغزى الحديث حين أدركت إيلينا أنه لن يقرر بسهولة كشفت عن الخطة الكبرى التي كانت تخبئها
"أخطط لافتتاح قاعة ثقافي في العاصمة قريبًا أود دعوتكَ كأول ضيف"
"…أنا؟ في القاعة؟"
"القاعة مركز ثقافي نناقش بها الأفكار والمعارف والفنون، ونعرض فيه التحف الجديدة"
"هل آنسة لوسيا من تنشئ هذا المكان؟"
"بنيته بالفعل تقدم الكثير"
أصيب رافائيل بالصمت كمن لا يجد إجابة كانت صدمة اكتشافها كأميرة فيرونيكا مذهلة لكن تخطيطها لشيء ضخم كالقاعة كان مفاجئًا
"أرى لوحتكَ إشارة بداية عصر جديد"
"عصر جديد؟"
"ستكون فرصة للتغيير بعد إدراك الجميع كيف حطمت بيلادونا القوالب النمطية في عالم الفن"
حقًا لم يفهم رافائيل نصف كلامها كيف يمكن للوحة واحدة تغيير العالم؟ لو قالها غيرها لاستهجنها لكنه استمع لأنها هي
'كيف لجسد صغير كعصفور أن يحمل كل هذا العظمة؟'
شعر بالضآلة أمامها ظن في البداية أن مكانتها كأميرة هي الحاجز الأكبر لكنه أدرك أنها عملاق لا يستطيع إلا النظر إليه
"أريدك أن تأتي إلى قاعتي، مع دعمي ستحصل على حرية فنية غير محدودة لكن...آه، لقد تكلمت كثيرًا عن نفسي أليس كذلك؟"
نظرت حولها لحظة ظنًا منها أنها كانت متحمسة
"لا حاجة للرد الآن لستُ أضغط عليك فلا تشعر بالالتزام"
"أتعلمين؟"
"ماذا؟"
"قلتِ إنني الأول، أليس كذلك؟ بين الفنانين المدعوين إلى القاعة"
أومأت إيلينا
"نعم، أنت الأول وستكون الأخير الذي أدعوه شخصيًا"
"الأخير؟"
"هناك وسطاء فنيون محترفون في القاعة مهمتهم مساعدة الفنانين على التركيز في عملهم"
كلما تحدثا أكثر اتضح أن إيلينا أعدت للقاعة بمنهجية منذ زمن
"سأكون هناك"
"ماذا؟"
نظرت إليه منذهلة ابتسم رافائيل مخفيًا مشاعره
"لو كنت الثاني لرفضتُ، لكنكِ قلتَ الأول"
"سـ-سينيور؟"
اتسعت عيناها لاستجابته السريعة
"سأحضر قاعتكِ"
"أمتأكد؟ ألا تجبر نفسك؟"
هز رأسه بثقة
"تعرفين طبعي هذا قرار ناضج أريد أن أشهد عصرًا جديدًا أكون أنا من فتح بوابته"
"سينيور..."
أحس بالمرارة تحت نظرتها الممتنة لم يُرد هذا النظرة لكنه أجبر نفسه على الابتسام مدركًا أن طمعه يتوق لمشاعر أكثر
"سررت بلقائكِ، يا مصدر إلهامي"
انتهى الفصل
انتهى أرك بيلادونا بأثنين زيادة مكتشفين إيلينا 😭😭
الأركين الجاية قصار كل أرك ٥ تشابترات فممكن ينزلون اليوم مع بعض بس على حسب طولهم بيحدد ❤️❤️