1 - الخطوة الأولى

صافرات الإنذار تدوّي...

أضواء ساطعة تحيط بها...

و ثلاث جثث ملقاة على الأرض أمامها...

ركضت إينور.

جسدها يقطر عرقا باردا... أو لعلّه دم؟...

لم يكن لديها الوقت الكافي لتتأكّد فحياتها الآن رهينة المدى الذي سوف تركضه...

لم تكد تصل السّاحة الخلفيّة عندما بدأت المدرسة تعجّ بالسّلطات.

أصوات الهلع و الصّراخ تملأ المكان، و الجميع منهمك في توثيق آثار الحادثة.

"عديمة القوى فعلت هذا!؟"

"أين كانت قوّات الأكادميّة قبل حصول هذا!؟"

"هذا مايحصل عندما يُسمح لأولئك المَلاعين بمُخالطتنا!"

"وحوش!"

"كيف تمّ قبولها في مدرستنا في المقام الأوّل!؟"

"هذا شنيع! لقد أَزهَقت أرواحا بريئة!"

تستمرّ قائمة الإتهامات و تستمرّ إينور في الهرب...

لقد تمكّنت بطريقة ما من الإفلات من بين أيدي قوّات الأكادميّة الّذين يملؤون الشوارع و لكنّها لا تعرف متى سيتمكّنون من محاصرتها، لا تعرف حتّى إلى أين تهرب، أين ستختبئ، و ليست لديها أي أدنى فكرة عن مكان يمكنها اللجوء إليه... المنزل؟ مستحيل! لا بدّ أنّه محاصر الآن!

"إينور من هنا!"

صوت مألوف شقّ مسامعها ليسحبها من دائرة الهواجس التي ملأت عقلها.

"آر؟ مالّذي تفعله هنا!؟ كيف وصلت-"

"أنقذ حياتك، علينا بالإسراع..."

عكسها هي، لم يكن يبدو عليه أيٌّ من مظاهر الهلع أو الإرتباك، نبرة صوته كانت هادئة و مستقرّة، عيناه تفحصان الأزقة المحيطة بهما بثبات.

"فلنتحرك"

أمسك بيدها التي مازالت رغم الدّماء التي تلطّخها تبعث ببعض الشّرارات المتوهّجة، ثمّ باشر باقتيادها نحو أحد الممرات المتشعّبة.

واصلا الرّكض في صمت بينما تدوّي أصوات المروحيّات

و صافرات الإنذار في الفضاء.

المشهد جديد؟ على الإطلاق. إينور أيضا تعرف ذلك، لقد شاهدت العديد من عمليّات المطاردة تحصل أمام عينيها، أحد الموسومين هنا و آخر هناك، و العديد من قوّات الأكادميّة في كلّ مكان، الفرق الوحيد هنا هو أنّها الوحيدة التي لا تجيد استخدام قواها ضمن الموسومين، متى امتلكتهم اصلا؟ لقد صنّفت طيلة حياتها كحالة نادرة، عديمة قوى لا تشكّل أدنى خطر، لذلك و بعيدا عن العنصرية التي كانت تتعرض لها، كانت تختلط مع العامّة دون أي مشكلات، و لم يسبق لها أن تتخيل نفسها يوما مطارَدة من قبل الأكادميّة.

قد يتسائل البعض عن كيف بدأ كل هذا، من هم الموسومون، أو ماهي الأكادمية و ماعلاقتها بهم، الإجابات التي تبحثون عنها جميعا تقبع تحت هاته الأسطر مباشرة، لذلك فل تتمعّنوا...

*****

قبل ما لا يزيد عن عدة عقود، اجتاحت العالمَ ظاهرةٌ غامضة تمثّلت في ولادة أطفال ذوي مظاهر مميّزة، كشعر قرمزيّ لافت أو أعين بنفسجية آسرة. و في خضمّ اندهاش المجتمع بهذه السّمات الغريبة، تبيّن أن هؤلاء الأطفال يمتلكون قدرات خارقة مخالفة للقوانين الفيزيائية و العلمية التي وضعها البشر على مرِّ القرون، الأمر الذي أثار فضول البعض، وأشعل مخاوف الكثيرين...

مع مرور الوقت، و مع ازدياد نسبة هؤلاء "الموسومين" في العالم بدأ العديد يفقدون السّيطرة على قواهم، ما أسفر عن اندلاع .الفوضى وانتشار الهلع و الإستنكار بين صفوف العامّة

نتيجة لهذا الوضع، باشرت السلطات بالبحث عن حلول جادّة لإصلاح الأمور والحدّ من أي أضرار محتملة، فتقدّم أحد العلماء المرموقين بفكرة طموحة، مفادها إنشاء أكاديميات خاصّة لتدريب الموسومين على السّيطرة على قدراتهم، وتعليمهم كيفيّة استخدامها بمسؤولية واعتدال من أجل خدمة المصلحة العامّة.

لاقت الفكرة قبولًا واسعًا، و تمّ إنشاء هذه الأكاديميات التي مثّلت مِشعل أمل لهؤلاء الأطفال المختلفين.

لكن بمرور السنين، ومع دخول اول جيل من الموسومين سنّ المراهقة، بدأت المشاكل تتصاعد من جديد. فقد استغل بعضهم قواه لأغراض أنانية أو عدوانية لذلك و لحماية المجتمع، تغيّرت الأكاديميات تدريجيًا، وتحولت من مراكز تدريب إلى سجون معزولة تُبعدهم عن باقي الناس.

بإشراف مباشر من العالم ذاته، تحوّلت الأكاديميات إلى معاقل مغلقة تُمارَس فيها شتّى أنواع التجارب الذهنية والجسدية، في ظلّ نظام قاسٍ وقمعيّ وصارت السلطة العليا في شؤون "الموسومين"، تملك نفوذًا واسعًا وتحكّمًا مطلقًا بمصائرهم.

اما "الموسومون" أنفسهم، فظلّوا في صراع دائم. معظمهم من صغار السنّ، إذ لم يتجاوز الجيل الأقدم فيهم اثنين وعشرين عامًا، ما جعلهم يفتقرون للنضج أو الخبرة للدفاع عن أنفسهم. طاردتهم الأكاديميات بلا رحمة، فعاش الكثير منهم في الخفاء، فارّين من القبضة الحديدية، بينما وقع

آخرون في قبضة التجارب القاسية والقوانين الجائرة.

2025/06/13 · 19 مشاهدة · 620 كلمة
MELIANE
نادي الروايات - 2026