2 - لم تكوني قنوعة بما يكفي

لقد كان صباحًا عاديًّا، نسائم الخريف تعبث بالأوراق المتساقطة يمينًا وشمالًا، والشّوارع المألوفة تزدحم بالمارّة كعادتها.

الجميع يهرول لقضاء شؤونه، أبصارهم تتحاشى النظر إلى الفتاة التي تشقّ طريقها ببرود.

كانت إينور لتشعر أنها شبح يطوف في الفراغ، لولا تحاشُر النّاس الصارخ على جانبي المعبر لتفادي سبيلها.

"هه، واصلوا هذا، أنتم تجعلون حياتي أسهل."

ابتسمت وأكملت طريقها بتفاخر، تتأمّل الزّحمة الخانقة التي تتبدّد فور اقترابها.

لطالما كانت حياتها هكذا: عزلة تامة وركود. لكنها لم تعد تبالي أبدًا، ففي نظرها أمثال هؤلاء ليسوا إلا حفنة من الجبناء أو المتعجرفين الذين لن تودّ يومًا مخالطة مغسولي أدمغة مثلهم.

"حمقى، تزعمون أنكم تثقون تمامًا بالأكاديمية، لكنكم ما زلتم تتصرفون كالدّجاج، رغم أنها قد أعلنت منذ زمن طويل أنني أصبحت مجرد إنسانة طبيعيّة... مثير للسخرية حقًّا."

جلست إينور في مقعدها اليتيم، وراحت تتأمّل زملاءها في صمت.

مرّت سنتان كاملتان منذ بدؤوا الدراسة معًا كفصلٍ واحد، لكن بينما توطّدت علاقات البقية ببعضهم البعض، ما زالت هي لم تتبادل معهم ولو كلمة واحدة... كلمة طيّبة على الأقل.

ربّما كانت هي الملامة لعدم بذلها جهدًا للتقرّب منهم، لكنها في قرارة نفسها تدرك كيف كانت ستؤول الأمور على أي حال... ألم تحاول في ما مضى؟

الآن، كلّ ما يمكنها فعله هو محاولة مواصلة العيش بهدوء، فحياتها هذه ليست بذلك السوء.

هي تفضّل أن تكون عديمة قوى منبوذة، على أن تكون كالبقية من الموسومين: محاصرين خلف أسوار الأكاديميات، أو مطرودين ومطاردين في كلّ مكان...

انتهت الحصص الصّباحيّة بكلّ رتابتها و هاهي الآن في المقصف تقلّب محتويات صحنها بضجر.

تنهّدت ببطئ ثمّ أدارت بصرها إلى النّافذة.

يبدو أنّ فريق كرة اليد مازالوا في الملعب...

"أرى أنّ أحدهم يبحث عنّي"

و هاهو ذا... آر...

"أنت متأخّر"

"أُدرك، لقد نجوت من حصص التّدريب الإضافيّة بأعجوبة" أجاب و الإبتسامة تعلو محياه، ثمّ نظر إليها و أضاف " تبدين شاحبة..."

"صداعي مازال يزداد سوءا و هذه المدرسة التّعيسة تشعرني بالغثيان"

" أ مازلتي حقّا لا تعرفين سبب الأرق الذي أصبح يلازمك؟"

"من أين لي بهذه المعرفة..." مُشيحة بوجهها في انزعاج.

تنهّد آر و جلس يتناول غداءه في صمت لكنّه سرعان ما أردف "غالبا ما تتصرّفين كالبجعة السّوداء و لكنّ مزاجك اليوم أسوء من العادة، عليكِ أن تتوخّي الحذر..."

"بجعة سوداء؟ هذا لا يبدو كإطراء"

"عندما التقيتك لأوّل مرّة ظننتك ستكونين غرابا لذلك صدّقيني بجعة سوداء تعدّ إطراءا بالمقارنة"

"أوه حقًّا؟" متهكّمة "شكرا جزيلا اذا! هذا الإطراء لشرف كبير لي يا غريب الأطوارِ مُجالِس الغربان!"

" فقط توقّفي عن النّظر إليها بسلبية" أجاب قبل أن تعلو وجهه ابتسامة صفراء "لم أستطع كبح فضولي تجاه الموسومين حتّى و إن كانوا غربانا، لذلك ها أنذا صديقك الذي مازال لم يُشبِع هذا الفضول رغم كل هذه السّنين معك... أنتِ لا تخبرينني شيئا حقًّا"

" و ماذا عساي أخبرك؟ لو كان هناك فرق فعليٌّ بيني و بينك لما كنت هنا في الأساس أخالط العامّة و أعيش مثل هذه الحياة"

" لكنّكِ امتلكتِ قوىً في ما سبق، و عشتي داخل الأكادميّة، لِما لا تريدين التّحدّث عن هذا؟"

"أخبرتكَ أنّها كانت جحيمًا"

" لا يكفي"

"اااه بحقّك هذا ليس وقته رأسي سينفجر بسببك"

استسلم آر و نهض من مجلسه متنهّدا "أنصحكِ بالعودة إلى المنزل فأنتِ لا تبدين بخير على الإطلاق و... توخّي الحذر"

"ماذا-؟"

" يجب عليّ الذّهاب بسرعة و إلاّ فالمدرّب سيُجهِز علَي، إلى اللّقاء!"

و هكذا انتهت فُسحة الغداء و ذهب كلٌّ في سبيله...

لم تعد إينور تستطيع تجاهل الإرهاق الشديد الذي تشعر به، ربّما ستأخذ بنصيحة آر في النِّهاية و تعود إلى المنزل...

لكن على ذِكر آر، هو أيضا لم يكن يتصرّف على سجيّته اليوم...

أغمضت عينيها للحظة...

صوته مازال يتردّد في ذهنها ...

هل كان خائفا أم فقط يحاول أن لا يقلقها؟ ثمّ-

" ألا تنظرين أمامك!؟ هذا حذائي الذي دُستيه!"

استفاقت إينور من بحر أفكارها إثر تلك الصّرخة المُستنكرة و رفعت رأسها منزعجة...

آه... روبي... هذه من ينقصها الآن... ولكن...؟

خزانتها مفتوحة؟

" مالّذي تفعلنه أمام خزنتي؟ و... كيف فتحتنّها!؟" أسرعت بيدها نحو جيوبها تتحسّسهم.

" تبحثين عن هذا؟" قالت روبي و هي تحمل مفتاح إينور ببرود " أتسائل من أين حصلت عليه..." أضافت بابتسامة قتيمة.

نظرت إليها إينور بتوجّس و إلى الفتاتين اللّتين ترافقانِها، تلك الغبيّة جوليا بنظراتها المتعجرفة، لطالما حاولت استثارتها كلّما تقاطعت طرقهم، أمّا الثالثة... فهي لا تعرفها... لكن من منظرها فقط يمكنها أن تفهم أنّهنّ قد أجبرنها على مرافقتِهِن.

" روبي مالذي تريدينه هذه المرّة؟ مزاجي اليوم لن يستطيع مجاراة غبائك"

افترّ ثغر المتعجرفة و أجابت في تصنّع للكبرياء " هه يبدو أن عديمة القوى ليست عديمة شخصية أيضا في نهاية المطاف... ليس لديّ وقت لإضاعته معك على كلّ حال لذا إسمعي، صديقتنا هنا تلميذة جديد، رينا قولي مرحبا"

رفعت الفتاة الجديدة عيناها من القاع و نظرت إلى إينور بسرعة قبل أن تسحبهما الجاذبية إلى التحديق للأسفل ثانية "مرحبا..."

نظرت إينور إليها وهي لا تكاد تكتم شدّة الألم الذي يلازم رأسها ثم عادت إلى روبي في حنق " إنّها جديدة نعم ما شأني أنا في هذا؟"

"سوف تعطينها خزانتك" قالت جوليا مقاطعة إيّها ببرود، "لقد أخبرنا المدير أنّه لم يعد هناك خزائن شاغرة في المدرسة لذلك قررنا أنا و روبي أن لا تبقى صديقتنا المسكينة هكذا و أنّك أنت من يجب أن تتخلّى عن خاصّتها لأجلها"

"هل تدركين مدى غباء ما تقولينه الان!؟" استنكرت إينور بحدّة

" انت الغبية لأنك مازلت لم تدركي المقصد بعد! أنتِ موسومة!"

" ملعونة أفضل" أضافت روبي على كلام صديقتها ضاحكة " مدرستنا ليست مكانا للملاعين، لذلك فإنّ رينا أحقّ منك في التّمتّع بما يقدّم هنا من خدمات، خلاصة الحديث، خذي أغراضكي و ارحلي او افعلي ما تشائينه"

و قبل أن تصدر اينور أي رد فعل كانت الفتاتان قد شرعتا في نثر محتويات خزانتها على الأرض و بإهمال تامّ بينما يتعالى صوت قهقهاتهن في الأرجاء. تحرّكت إينور بتردّد لكنّ ألما مباغتا اخترق رأسها كالصّاعقة ليجثو بها تاركا إيّاها تئنّ في صمت، بينما تتسارع دقّات قلبها و تتبلّد أنفاسها.

التفتت حولها...

التلاميذ يمرّون دون اكتراث لما يحدث و لولا أنّ بصرها قد صار مشوّشا لكانت قد رأت علامات الإزدراء و هي تعلوا وجوههم.

" أوه، أنتِ لن تحاولي إيقافنا؟ يبدو أنّني كنت مخطئة، أنت بالفعل عديمة قوى و عديمة شخص-"

" روبي أيّتها ال-!"

و كأنّ الوقت أصبح يمرّ ببطئ...

لقد تمكّنت من رؤية النّور و هو ينفجر من قبضتها...

أعينهم و هي تنفتح في رعب... نظرات الرّعب تلك...

وجوههم وهي تتبدّل من سخرية إلى فزع، و شهقاتهم الأخيرة...

و قبل أن تدرك إينور شيئا كانت مغطّاة بالدماء من رأسها حتّى أخمص قدميها...

صمت رهيب عمّ المكان... رهيب لدرجة أن الالتفات حولها بدا خيارا مميتا...

عيناها تسمّرتا للأسفل... للأشلاء و الدماء و الأسفلت المتصدّع...

ماذا جرى...

ماللذي فعلته!؟

في تلك اللحظة، الشيء الوحيد الذي فهمته إينور هو أنّ حياتها لم تعد كما كانت...

أنّها هي ذاتها لم تعد كما كانت...

و أن أبواب الجحيم قد انفتحت ثانية و هي مستعدّة لسحبها إلى أعماقه...

"يبدو أنّكي لم تكوني قنوعة بما يكفي إينور."

2025/06/16 · 11 مشاهدة · 1082 كلمة
MELIANE
نادي الروايات - 2026