الفصل 96: السجل
في الصباح الباكر، داخل شركة أدوية في "بيكا-تشو"، كانت فتاة ذات شعر قصير مموج بلون مائل للحمرة (بني محمر) تهم بدخول مختبر الشركة. كانت ترتدي كنزة صوفية بياقة عالية باللون الأحمر النبيذي، وسروال جينز رمادي غامق، وتضع فوقهما معطفاً بلون البيج. ورغم غياب المساحيق، إلا أن ملامحها كانت تنطق بجمال أخاذ.
بدت الفتاة متعبة وهي تتثاءب، وعندما اقتربت من الباب لتدخل رمز المرور، انعكس على الباب الزجاجي ظلان أسودان. تلاشت غشاوة النوم عنها فوراً وأصبحت في كامل تركيزها.
التفتت لتجد رجلين يرتديان معاطف وقبعات سوداء يقفان عند زاوية الطريق، وينظران إليها بابتسامات باردة. أحدهما كان طويلاً وبنيته قوية، بشعر فضي طويل ومنسدل، والآخر كان أقصر قليلاً، ضخم الجثة ويرتدي نظارات شمسية سوداء.
تغيرت تعابير الفتاة قليلاً، واستدارت بالكامل نحوهم سائلة: "سننطلق الآن؟"
"بالضبط،" قال الرجل ذو الشعر الفضي بابتسامة ساخرة، "الوقت يداهمنا، يجب أن نصل قبل المساء، لذا لنتحرك فوراً يا **شيري** (Sherry)."
بلهجة لا تقبل الجدال، استدار الرجلان للمغادرة، فتبعتهم الفتاة بملامح عابسة تعكس قلة حيلتها. في الخارج، كانت تقف سيارة "بوش 356A" سوداء. جلس الرجل ذو الشعر الفضي في مقعد المرافق، بينما جلس الضخم خلف المقود بعد أن أفسح المجال للفتاة للجلوس في المقعد الخلفي.
داخل السيارة ساد صمت مطبق. كان الرجل ذو الشعر الفضي يراقب تعابير الفتاة عبر المرآة الداخلية بابتسامة باردة.
"ما الخطب؟ هذه تعتبر رحلة سياحية بطريقة ما، لا داعي لهذا الوجه العبوس،" قال بصوت أجش وعميق، "أم أنكِ لستِ سعيدة لأن شقيقتكِ ليست معكِ؟"
تغيرت ملامح الفتاة، فتابع الرجل: "سمعتُ أن لقاءاتكِ مع شقيقتكِ زادت مؤخراً. هل هناك ما تودين مناقشته معها؟"
"ماذا الآن؟ هل ستتدخل في هذا أيضاً يا **جين** (Gin)؟" ردت الفتاة ببرود.
قال جين بلهجة جليدية: "لا، أردتُ فقط تذكيركِ. مهمتكِ هي إنهاء أبحاث العقار بأسرع وقت. إذا تعطلت العملية بسبب أمور تافهة، فأنتِ تعرفين العواقب."
"أعرف حدودي جيداً،" قالت الفتاة بهدوء، "لكن ماذا عنك؟ منذ متى وتحقيقات 'العجوز المعمرة' تستدعي خروجك بنفسك؟ هل تنوي المنظمة اختطافها؟"
أجاب جين: "لكل منا مهمته، اهتمي بشؤونك فقط. أمامنا يوم واحد فقط وسنعود غداً. لا أدري إن كنتِ ستستطيعين حل لغز طول عمر تلك العجوز في هذا الوقت القصير، فنحن لن نكون متفرغين لمساعدتكِ."
قالت الفتاة: "مهمة بهذه الأهمية ولا تمنحونني سوى هذا الوقت القليل.. ولماذا يجب أن نصل قبل المساء بالتحديد؟"
ضحك جين بسخرية: "يبدو أنكِ لم تبحثي عن أخبار الجزيرة يا **شيري**. الليلة هو موعد 'مهرجان الدوجونج' السنوي، وهو الوقت الوحيد الذي تظهر فيه تلك العجوز أمام العامة."
"مهرجان الدوجونج (عروس البحر)؟" كررت الفتاة بتساؤل.
"لا أعرف التفاصيل، لكن يقال إنها تختار ثلاثة محظوظين كل عام لتهديهم 'سهام الدوجونج' المربوطة بخصلات من شعرها. إذا حصلتِ على سهم، فقد تنتهي مهمتكِ بنجاح،" قال جين بنبرة تحمل معاني مبطنة.
تابعت الفتاة ببرود: "هكذا إذن. ولكن مهمتي تذكر أيضاً رفات حورية البحر، ما قصتها؟"
قال جين: "هذا خبر تصدر الشاشات، ألا تعرفينه؟ منذ عامين، شب حريق في مستودع العجوز، ووجد القرويون جثة بلا أطراف سفلية في الأنقاض، قيل إنها رفات حورية. ومنذ ذلك الحين اشتهرت الجزيرة."
قالت الفتاة بجدية: "إذا كان الأمر كذلك، لماذا ترسلنا المنظمة الآن فقط؟ أم أن بحثي مجرد ستار لعملية كبرى ستقومون بها؟"
ضحك جين ببرود محذراً: "لقد تكلمتُ بما فيه الكفاية. أي سؤال آخر.. وأنتِ تعرفين العواقب!"
انتهى الحديث هنا، وغرقت الفتاة في صمت طويل.
---
وصل الثلاثة إلى المطار ومنه إلى محافظة "فوكوي"، ثم استقلوا سفينة ركاب وصولاً إلى "جزيرة الحورية" (أمريكا-جيما). كانت الجزيرة تعج بالسياح القادمين للمهرجان. لم يتوقف الثلاثة في الشوارع، بل توجهوا مباشرة إلى "ضريح أمريكا" بعد سؤال القرويين عن تفاصيل السهام.
في الضريح، كانت هناك فتاة بزي "ميكو" (كاهنة الضريح) تستقبل الزوار.
قال جين وهو ينظر إليها: "هذه هي الكاهنة التي تبيع أرقام القرعة للسهام." ثم التفت لمرافقه الضخم: "**فودكا** (Vodka)، اذهب واشترِ ثلاثة أرقام."
كاد فودكا أن يتحرك لكن الفتاة استوقفته: "سأذهب أنا."
تقدمت نحو الكاهنة وسألت ببرود: "هل أرقام قرعة سهام الدوجونج تُباع هنا؟"
أجابت الكاهنة بابتسامة: "نعم، بالضبط."
"أريد ثلاثة، من فضلكِ."
قالت الكاهنة باعتذار: "يجب تسجيل اسم المشتري لكل رقم، لذا لا يمكن للشخص الواحد شراء أكثر من رقم."
التفتت الفتاة نحو جين وفودكا. نظرت الكاهنة للرجلين المتشحين بالسواد ثم مالت نحو أذن الفتاة وهمست بقلق: "مهلاً.. هل هؤلاء أصدقاؤكِ حقاً؟" ونظرت إليهما بريبة.
قالت الفتاة بجمود: "لماذا، هل هناك خطب ما؟"
"آه، لا شيء،" قالت الكاهنة وتراجعت، ثم قدمت ثلاث لوحات خشبية للأرقام وسجلاً.
"الأرقام هي 47، 48، و49. يرجى تسجيل الأسماء."
تقدم جين، أخذ السجل وتصفحه بسرعة ليتأكد أنه مجرد سجل أسماء عادي، ثم أمسك القلم وكتب تحت الرقم 47 الاسم: "**كوروساوا جين**".
تبعه فودكا وكتب تحت الرقم 48: "**أووزوكا سابورو**".
وأخيراً، ناولوا السجل للفتاة.
وبينما كانت تهم بكتابة اسمها، وقعت عيناها فجأة على اسم في السجل جعل قلبها يخفق بقوة:
**الرقم 44: تاكاهارو أكيتشي.**
بذلت الفتاة جهداً هائلاً لتكتم رد فعلها وتتظاهر بالبرود، وكتبت تحت الرقم 49 اسمها الحقيقي: **ميانو شيهو**.
---